الحدث

معادلة النِّضال بين الدَّولة القطريّة والأمّة الإسلاميَّة الجامعة

أ. جمال غول/

استغَّلت قوى الاستكبار الغربيّ مرحلة ضعف أمَّتنا الإسلاميّة وأعملت فيها التَّقسيم، فحوّلتها من أمَّة واحدة إلى مجموعة دويلات قطريّة، ونصبَت بينها حدوداً مصطنعة، في محاولة منها لتفتيت كيان الأمّة الإسلاميَّة الجامعة إلى غير رجعة، وإشعال نار الخلافات والنِّزاعات بين تلك الدّويلات، هكذا أرادوا لها أن تكون ممزّقة الأوصال على غير ما أراد الله تعالى لها…

حيث جاء في القرآن الكريم وصف هذه الأمَّة بالوَحدة، في قول الله عزَّ وجلّ: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]، وفي قوله سبحانه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون: 52].
وممَّا زاد في وهَن الأمَّة الإسلاميَّة غرس كيان صهيونيّ غاصب في فلسطين -قلب العالم الإسلاميّ-، وشكَّل التّحالف الصَّليبيّ الصُّهيونيّ عقبة في أي جهد لإعادة الأمَّة الإسلاميَّة لسابق مجدها التَّليد، وإنّ أيّ محاولة في هذا الصَّدد لابدَّ أن يسبقها وعي كامل بحقيقة هذا التَّحالف، وخلفيّاته، ووسائله، ثمّ العمل على تفكيكه، وإجهاض مشاريعه ببصيرة وإصرار.
يجب أن تعي أجيال أمَّتنا ذلك، وعياً يمكِّنُها من مقاومة هذه المشاريع فهماً وممارسة، وإنَّ ما يحدث الآن ببيت المقدس لهو أحد أبرز تداعيات هذا الصِّراع، وتجلّيّات هذا التَّحالف، حيث عمل الكيان الصّهيونيّ والقوى الغربيّة من تحويل الصِّراع حول فلسطين من صراع حضاريّ إلى صراع قطريّ يخصُّ الفلسطينيّين وحدهم، مستعملين للأسف الشّديد بعض أبناء جلدتنا للتّرويج لهذه الفكرة، رغم ما يمثّله بيت المقدس من قيمة دينيِّة عقدية في كتاب ربِّنا عزَّ وجلّ، وسُنّة نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام، فهو عقيدة ودين لا مجرَّد قضية أرض وطين.
إنَّ النِّضال القطريّ على مختلف المستويات، ومنه النِّضال النّقابيّ ما لم يضبط معادلته ضبطاً شرعيّاً وعقليّاً وقانونيّاً على النِّضال لصالح قضايا أمّتنا سيفقده كثيراً من النَّجاحات التي تؤهله للرِّيادة والصَّدارة، حيث يتحوّل من وسيلة نهوض وتحرير إلى مجرّد نضال يسير في فلَك أهداف العدوّ ومشاريعه التّقسيميّة والتّفتيتيّة.
إنَّ ضبط معادلة النِّضال والمقاومة على التّوازن بين بُعدَي الدَّولة القطريّة والأمّة الإسلاميَّة الجامعة يقتضي حمل الهمّ الوطنيّ بمسؤوليّة واقتدار؛ لأنّه لبنة لابدّ منها لإعادة بنيان الأمّة الإسلاميّة بنياناً محكماً، عصيٍّ على معاول الهدم التي تسعى لتخريبه وإسقاطه، إنّ الدِّفاع عن مصالح الموظَّفين المعنوية والمادية، والسَّعي الحثيث لانتزاع حقوقهم، كما يخدم الموظَّفين، فهو كذلك يخدم الأمّة؛ لأنَّه كلَّما تعافت فئة من فئات المجتمع أسهم ذلك في تعافي ذلك القطر، وحينما تتعافى الأقطار تتعافى معه الأمّة. فأيّ معنًى لأيّ نضال محلِّيٍّ يُدير الظّهر لنضال لصالح قضايا الأمّة، فهو كمن يسعى لملء دلو مثقوب ماءً.
فلا مناص إذن من الجمع بين النِّضالين، وأيُّ محاولة للتّفريق بين النِّضال لصالح فئة أو قطر والنِّضال لصالح الأمّة هو خدمة لأجندة القوى الصَّليبيّة والصُّهيونيّة، وقد أدرك أجدادنا هذه المعادلة، حيث لم ينشغلوا بمقاومة الاحتلال الفرنسيّ على حساب قضايا أمّتهم، ولم تمنعهم الظّروف العصيبة والتّحديات القطريّة الكثيرة عن الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلاميّة، والذي يطالع صفحات الجرائد الجزائريّة إبّان الحقبة الاستعماريّة يلحظ ذلك بوضوح، وعلى رأس تلك القضايا قضيّة فلسطين، يقول الإمام ابن باديس -رحمه الله-: (رحابُ مكّة والمدينة مثل رحاب المسجد الأقصى)، ويقول رفيق دربه الإمام البشير الإبراهيمي: (إنَّ فلسطين وديعة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عندنا، وأمانة عمر رضي الله عنه في ذمَّتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منَّا ونحن عصبة، إنَّا إذا لخاسرون).
ولذلك انخرطت نقابتنا المستقلّة للأئمّة وموظّفي قطاع الشّؤون الدِّينيّة ومعها نقابات أخرى في الحراك الشّعبيّ الذي انطلق في 22 فيفري 2019م، من خلال مبادرة المجتمع المدنيّ ثمّ السِّياسيّ، من أجل اقتراح ورقة طريق لحلِّ الأزمة القائمة آنذاك، وهو ما اعتبره البعض تدخّلًا في الشّأن السِّياسيّ، وتخليّاً عن الدّور الأساسيّ وهو الدِّفاع عن حقوق موظّفي القطاع.
إن النّظر المتبصِّر يؤكد أنّ الأزمة لم تكن مجرّد أزمة سياسيَّة، بل أزمة متشعّبة النَّواحي، لذا كان من صميم دورنا الانخراط في مسعى حلّ الأزمة، وتأجيل مطالبنا الاجتماعيّة إلى حين؛ رغبة صادقة في خدمة وطننا، من باب تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة، والكلّيّة على الجزئيّة.
ولذلك فإنّه لا حرج في الانخراط في كلّ جهد وطنيّ أو دوليّ يخدم وطننا وأمّتنا، بل إنّ الانخراط في جهود الدِّفاع عن المسجد الأقصى وفلسطين لهي من أوجب الواجبات، مع اعتقادنا بأنّ الأقصى مبارك، وأنَّ كلّ نضال من أجله هو نضال مبارك، وستحلُّ بركته لا محالة على النِّضال المحليّ والتّخصّصيّ عاجلًا أم آجلًا بإذن العليِّ القدير.
إنَّ النِّضال المبارك دفاعاً عن الأقصى وأهلنا بفلسطين بالنِّسبة لنقابة الأئمّة المستقلة والنقابات الأخرى، رغم البعد الجغرافيّ، والحصار ومعوِّقات الوصول إلى الميدان، له صور متعدّدة، تندرج ضمن الجهاد بمفهومه الشامل وإن كان على سبيل الاشتباك غير المباشر مع العدوّ الغاصب، أما الاشتباك المباشر فقد اضطلع به إخواننا المقدسيّون المرابطون بالمسجد الأقصى، وإخواننا المقاومون الغزّاويُّيون، وأبناء الضّفة الغربية، وأبناء فلسطين في المدن العربيّة المحتلّة في الدّاخل الفلسطينيّ.
هذا الاشتباك غير المباشر مع العدوّ كلّ بحسب موقعه وقدرته واستطاعته، وامتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ومن ذلك:
أوَّلًا- محاصرة العدوّ من خلال محاصرة قنصليّاته وسفاراته في الدّول الموجودة فيها، وملاحقة قاداته في المحاكم الدّولية، ومقاطعته اقتصاديّاً.
ثانياً- الجهاد بالمال لتسليح المقاومة، وخلافة الشّهداء في أراملهم، وكفالة أيتامهم، وعلاج الجرحى، وإيواء من لا مأوى له، والإسهام في الإعمار لاحقاً.
ثالثاً- إفشال التّطبيع، وبيان عوره، وأنّ كلّ مبرراته التي حشدها السِّياسيُّون المتزلّفون، وعلماء البلاط؛ باطلة، يُكذُّبها الواقع، كما كذّبتها العقيدة الصّحيحة.
رابعاً- اقتحام المجال الإعلاميّ بمختلف أشكاله، خاصّة شبكات التّواصل الاجتماعيّ، والحضور الفاعل فيها بالهاشتاغات، والصُّور والتّصاميم الفاضحة للانتهاكات الصّهيونيّة.
خامساً- تحريك منابر الجمعة بتوعية النّاس بمكانة القدس وفلسطين في الإسلام، والحديث عن المعركة وواجب النصرة، وبيان فتاوى العلماء في ذلك، وفضح مخطّطات وأخلاق اليهود، وتوعية النّاس بحقيقة الصِّراع، وتحذيرهم من مخاطر التّطبيع، والرّدِّ على شبهات المطبِّعين.
إنّه مهما تكن درجة المعادلة في النِّضال صعبة، فحلُّها سيكون سهلًا عندما نؤسِّسها على العقيدة الإسلاميّة الصّحيحة، والقراءة الصّحيحة للتّاريخ، والتّدبر الواعي لسنن الله في التّغيير والتّدافع، والاستفادة الكاملة من التّجارب النّاجحة على مرِّ التّاريخ، فلا نضيّع أوقاتنا في إيجاد المجهول، والحلّ بين أيدينا غير مفقود.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com