الرئيسية | الحـــق الـمر | نسيــــت الحــــوت

نسيــــت الحــــوت

يكتبه د. محمّد قماري/

حدثتكم في مقال سابق عن داء النسيان الذي يعتري الكاتب، والنسيان وإن كان داء في مجال العلم والثقافة، فإنه من أكبر أوجه رحمة الخالق، سبحانه، بعباده؛ فلولا النسيان ما تحملنا الحياة وثقلها ومآسيها، فالإنسان وهو يتعرّض لمحن الحياة وإحنها، آتاه الله قدرة على تجاوز تلك المحن، والتطلّع إلى المستقبل، العلماء اكتشفوا أن أغلب تلك الترتيبات والفرز يتم خلال فترة النوم، وربما لهذا وصف القرآن النوم مرة بالسبات {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} (النبأ/9) ومرة وصف الليل كناية عن النوم بالسكن {لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} (النمل/86).
إن الإنسان ليتعلّق في بداية عمره بوالديه، بأمه التي يظن أنه إذا غابت عن ناظريه فقد ضاع، ويتعلق بوالده وبباقي أفراد أسرته، لكنه في مراحل تاليّة يبتعد شيئا ما عن كل ذلك، وربما غيّب الموت أحد أولئك، فما الذي جعله يركن إلى زوجه وأبنائه وعائلته الجديدة، ويتعلق بهم حتى ليظن أن فقد أيًا منهم يعني نهايته هو، إنه ممارسة شيء من النسيان إذا كانوا أحياء، أما إذا فقدهم بالموت فيتسلى بالنسيان الكامل…
لأجل ذلك شنّع القرآن مسلك الذين نسوا الله، أكّد على أن نسيان الله رديف لنسيان الإنسان نفسه، بمعنى أنه يصبح في الحياة دون معالم تهديه، والناس يتحدثون في زماننا هذا عن مرض (الزهايمر)، ويخشونه ويتوجسون من ذكره، لكن نسيان الله هو نوع آخر من (الزهايمر) وإن كان صاحبه يتذكر باب داره وطريق عمله، ويتعّرف إلى وجوه زوجه وأبنائه {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحجر/16).
إننا نخشى من عدم تذكر معلومة بسيطة في حياتنا، تفيدنا في امتحان دراسي أو شأن من شؤون الحياة، ونحرص على تقييدها، والتقييد هنا أن نجعل لها قيدا فلا تنفلت منا، فكيف إذا نسي الإنسان نفسه؟
القرآن وصف هؤلاء بـ(الفاسقين) وأصل الفسق في اللغة هو من (فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِهَا)، القشرة التي تحمي التمرة وهي رطبة تحميها من عوادي الزمن، وتحفظ لها صلاحيتها، والذين نسوا أنفسهم بنسيانهم لخالقهم (فسقة) دون حماية ولا غطاء، وإن لبسوا أفخر الثياب وتلهوا بأبهى المتع، فدواخلهم خواء وعراء وشقاء…
فالنسيان نعمة من الخالق، والنسيان يذّكر الإنسان بحدود طاقته، والنسيان قد يكون وبالاً على الإنسان، إذا تمادى به إلى نسيان نفسه، ولذلك تجد من يسترسل في الحديث أو يأتي بما لا يليق يقول: (نسيت نفسي) أو يذكره من معه (نسيتَ نفسك)، فيخرج من ذلك الرداء الذي يغطيه بالعقل والحلم، ويبدو في صورة مشوهة…
وأحمد الله أنني لم أنس نفسي، لكن نسيت الأخ مدير تحرير (البصائر)، فقد اتصل بي مشكورا يذكرني بمقالي، وشعرت بالحرج فأنا خارج البيت، ولا أستطيع أن أجيب طلبه، وكنت ملتزما بإرساله البارحة، أي الليلة التي تسبق غلق مواد الصحيفة، واشتغلت بقضايا بعضها يخصني وبعضها يخص غيري من الناس، ولكن أدركت مدى قصورنا نحن البشر لولا ان يمدنا الله بقوة منه وتسديد…
وهي سانحة لي أيضا في الترحم على معلمي الأول (سيدي المدب)، إذ كنت في سن الخامسة من عمري، وكان يردد على مسمعي تلك الحكمة الذهبيّة: (العلم صيد والكتابة قيده)، وأعود بذهني إلى حال من تنوعت أشغالهم وازدحمت أوقاتهم من الناجحين في العالم، إنه يتعينون بالتدوين والتوثيق والقيد، فلا يضلون ولا يحرجون…
لقد كتب الدكتور (برنار كروازيل) هو طبيب أعصاب متخصص في الذاكرة، وتابع العديد من حالات مرضى الزهايمر: (الذاكرة كالعضلة، والعضلة التي لا تعمل تصاب بالضمور)، لكن مع قوة التدريب والحفظ والتذكر، فإن للذاكرة حدودها، فقال: (الذاكرة في الإنسان كباقي الأعضاء قد تشيخ، وإذا كنا نستعين بالعكاز في المشي ونحن شيوخ، فالكتابة هي عكاز الذاكرة).
ورب ضارة نافعة، فقد كان لذلك النسيان قبل أشهر ثمرة، إذ كتبت مقالا عن نسيان الكتاب والمثقفين، وحرصهم على تدوين ما يعن لهم من أفكار على الورق أو حتى على كم أقمصتهم كما كان يفعل جبران خليل جبران، ومن ثمرة نسيان مقال هذا الأسبوع هذه الكلمات التي نرجو أن تجد من يستفيد منها…

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا تحسبوه شرا لكم…

يكتبه د. محمّد قماري/ تتوالى الأخبار الحزينة من فلسطين الجريحة لتذكر الأمّة الإسلامية بعجزها، الوظيفي …