الرئيسية | الحدث | القــــدس وغــــزة … فــــي العيـــــون

القــــدس وغــــزة … فــــي العيـــــون

د. يوسف جمعة سلامة*/


يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)
إنّ للشهادة مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي الحنيف، فالشهداء قوم أحبهم الله، واختارهم لجواره، وحياتهم لها طرازٌ خاص من التكريم الإلهي، كما جاء في الحديث الشريف عن أنسِ بن مالكٍ –رضي الله عنه- عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم – قال: (مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا وَلَهُ مَا عَلَى الأرْضِ مِن شَيْءٍ، إِلا الشّهِيدُ يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الكَرامَةِ)
والشهداء : جمع شهيد، سُمِّي بذلك لأن الملائكة الكرام يشهدون موته فهو مشهود.
والشهيد أرفع الناس درجة بعد الأنبياء والصّدّيقين فقد جاء في الحديث : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الصَّلاةِ والنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِنِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّلاةِ، قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا ؟ ” فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ –عليه الصلاة والسلام- : إِذًا يُعْقَرُ جَوَادُكَ وَتُسْتَشْهَدُ).
ولقد نهانا الله سبحانه وتعالى أن نقول للشهداء إنهم أموات، بل هم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون ولكن لا تشعرون بذلك لأنهم في حياة برزخية أسمى من هذه الحياة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ)، فهذه الدماء التي تسيلُ من الشهداء هي وقود لإحياء هذه الأمة وإيقاظها، فلا يدخل اليأس إلى قُلوبنا.
غـــزة… الجريحــة
لقد توقَّف العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة المحاصر، هذا العدوان الإجرامي الذي خلّف دماراً هائلاً أهلك الحرث والنّسل، وأصاب البشر والشجر والحجر، فقد اسْتُشْهِد أكثر من (250) شهيداً، منهم: (66) طفلاً و (39) سيدة، وهناك عائلات اسْتُشْهِدَ جميع أفرادها، بالإضافة إلى أكثر من (1950) جريحاً معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، وما نتج عن ذلك من تدمير للأبراج السكنية، والبيوت، والمساجد، والمصانع، والمؤسسات، والمشافي، والمدارس ، وأصبحت مئات الأُسَرِ بلا مأوى، بالإضافة إلى انقطاعٍ للكهرباء والمياه، ونقصٍ حادٍ في الأدوية.
ومن المعلوم أَنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد أمْعَنَتْ في عدوانها الغاشم بحقّ ما يقرب من مليوني فلسطيني في قطاع غزة ، ضاربة عرض الحائط بكل الشرائع السماوية والمواثيق والمعاهدات الدولية، التي تكفل حياة كريمة لكل إنسان في وطنه بأن يعيش حُرًا كريمًا آمنًا على أرضه، فهل يُعْقل أن يعيش أبناء غزة بلا كهرباء، ولا ماء ، ولا دواء ،ولا غذاء ، وكذلك تَوَقُّف الأجهزة الطبية ومحطَّات الصرف الصحي عن العمل، مما يُنْذِر بانتشار الأمراض والأوبئة بين أبناء شعبنا الفلسطيني، خاصة أننا نعيش في ظلّ جائحة الكورونا.
وجوب نصرة أهل القدس وفلسطين
إِنّ قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين جميعاً لارتباطها الوثيق بدينهم وعقيدتهم وتاريخهم وتراثهم، لهذا كان الدفاع عنها والعمل على تحريرها فرضاً على كل عربي ومسلم، وكان التَّخلف عن ذلك إثماً كبيراً.
فالواجب على الأمتين العربية والإسلامية مساندة الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لهجمة شرسة طالت الأرض والإنسان والمقدسات، حيث إِنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعمل على طمسِ الطابع العربي والإسلامي للمدينة المقدسة، وَمَحْوِ معالمها التاريخية والحضارية؛ لتصبح مدينة يهودية، حيث نرى في كل يوم جرافات الاحتلال تدفن جزءاً من تراثنا، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديد من مقدساتنا، لذا يجب على كل الأيدي الشريفة أن تمتدَّ لنصرة القدس والمسجد الأقصى والمقدسات بصفة خاصة وفلسطين بصفة عامة، وأن تعمل كل ما في وسعها لوقف المجازر بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة المحاصر الذي يتعرض لمجزرة بشعة، مِن قتلٍ للأبرياء، وهدم للمساكن والبيوت على رؤوس أهلها، وتدمير للبنية التحتية والمنشآت الصناعية والتجارية، وقصف للمساجد والمقابر، وكذلك ضرورة دعم المرابطين في بلادنا المباركة كما جاء في الحديث النبوي عن ميمونة مولاةِ النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم- قَالَتْ: (قُلْتُ يَا رَسُوَلَ اللهِ، أَفْتِناَ فِي بَيْتِ الْمَقِدْسِ، قَالَ:” أَرْضُ الْمَحْشَر ِوالْمَنْشَر، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فيِه، فَإِنَّ صَلاَةً فِيِه كَأَلْف صَلاَة فِي غَيْرِهِ”، قَلتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إليه؟ قال:” فَتُهْدِي لَهُ زَيْتاً يُسْرَجُ فِيهِ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذِلكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ).
فهذه دعوة نبوية إلى الأمة الإسلامية بوجوب الوقوف مع المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ودعمهم ومساندتهم؛ كي يبقوا محافظين على مسرى الرسول -عليه الصلاة والسلام- من اعتداءات المعتدين صباح مساء.
لذلك فإننا نناشدكم ضرورة العمل الجاد على إعادة إعمار مَا تَمَّ تدميره في قطاع غزة، من منازل ومستشفيات ومدارس ومصانع ومؤسسات، فقد عَوَّدتمونا دائماً على نجدة أشقائكم في فلسطين، ووقوفكم معهم في السَّراء والضَّراء، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضا.
إننا نؤكد على موقف فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأَنَّ: ( قضية القدس بالنسبة للملسمين هي المقياس الذي يُقاس به مدى الانتماء والالتزام بالقضية العادلة لفلسطين، فكل مسلم يجب أن يسأل نفسه إذا كان ما يُقَدّمه لفلسطين والقدس وغزة كافيًا إزاء ما يقوم به العدو الصهيوني).
رســائل عاجلــة
* كم كنتَ عظيماً أيها الشعب الفلسطيني المرابط!! وهذا هو عهدنا بك دائماً ، فقد جُدْتُم بأرواحكم وأبنائكم من أجل الحرية والدفاع عن الأقصى والقدس والمقدسات، فالجود بالنفس أسمى غاية الجود.
فإننا بهذه المناسبة نُوَجِّه رسالة حُبٍّ وتقدير واعتزاز لأهلنا في مدينة القدس وفلسطينيي الداخل بصفة عامة، وإلى سدنة المسجد الأقصى المبارك وحراسه والمصلين والمرابطين والمعتكفين بصفة خاصة، على دورهم المُمَيز في الدفاع عن مسرى النبي- صلّى الله عليه وسلّم – والمدينة المقدسة، وما قيامهم بالتصدي لقطعان المستوطنين أثناء اقتحاماتهم المتكررة للمسجد الأقصى المبارك عنّا ببعيد، فجزاهم الله عنا وعن الأمتين العربية والإسلامية خير الجزاء.
* نُوَجِّه التحية لأهلنا في حي الشيخ جراح المرابطين الصامدين فوق أرضهم المباركة، ثِقُوا أيها الأخوة الكرام بأنّ النصر حليفكم وأنّ ثباتكم وصمودكم سَيُفْشِلُ كلّ المؤامرات والمُخططات لترحيلكم، فقد أثبتم للعالم أجمع أنَّ غطرسة قوات الاحتلال الإسرائيلي واستخدام القوة المُفْرِطَة لن تُثني أبناء شعبنا عن التمسك بحقوقهم المشروعة في بيوتهم وأراضيهم ومقدساتهم.
* نُوَجِّه التحية لأهلنا الصابرين في غزة ،اصبروا على ما أصابكم وثقوا بأنّ النصر مع الصبر ، وسيأتي الفرج بعد الضيق، واليُسْر بعد العُسْر، فلا تحزنوا ولا تضجروا، فلن يغلب عُسْرٌ يُسْرين بإذن الله.
* نتوجه بالتحية والتقدير إلى ملائكةِ الرحمة من الطواقم الطبية ورجال الدفاع المدني الذين يحملون أرواحهم على أَكُفِّهم، لِيُضَمِّدُوا جراحات أشقائهم في القدس والمحافظات الشمالية والجنوبية، ولإنقاذ حياة المئات من الجرحى الذين أُصيبوا بآلة الحرب الإسرائيلية المدمرة خلال العدوان الغاشم على قطاع غزة، فشعبنا الفلسطيني سيبقى يذكر ولن ينسى هذه المواقف المُشَرِّفة لكم أيها الأطباء والممرضون ورجال الإسعاف والدفاع المدني، فجزاكم الله خير الجزاء، وحفظكم الله من كل سوء.
* نتوجه إلى الدول العربية والإسلامية الشقيقة بأصدق آيات الشكر والتقدير لقيامهم بمعالجة الجرحى الفلسطينيين، وفتح المستشفيات لاستقبال المصابين، وإرسال المساعدات الإغاثية والطبية للمستشفيات الفلسطينية، وكذلك سيارات الإسعاف والأدوية والأجهزة اللازمة، فجزاهم الله خير الجزاء.
* كما نُوَجِّه تحية إلى الأخوة الصحفيين والإعلاميين بصفة عامة والصحفي الفلسطيني بشكل خاص، هذا الجندي المجهول الذي يُقَدِّم حياته رخيصة في سبيل الله، ومن أجل وطنه الغالي وقضيته العادلة ، ويعمل ليل نهار رغم الظروف الصعبة والأخطار المُحْدِقة، حيث قَدَّم الصحفيون الفلسطينيون كوكبة من خيرة زملائهم شهداء من أجل كشف الحقيقة وفضح الممارسات الإسرائيلية الإجرامية، والدفاع عن أعدل قضية ( قضية فلسطين وشعب فلسطين)، سائلين الله العلي القدير أن يحميهم من كيد الكائدين، إنه سميع قريب .
نسأل الله أن يحفظ بلادنا وقٌدْسَنَا ومقدساتنا وشعبنا من كلّ سوء.
وصلّى الله على سيّدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-  وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

معادلة النِّضال بين الدَّولة القطريّة والأمّة الإسلاميَّة الجامعة

أ. جمال غول/ استغَّلت قوى الاستكبار الغربيّ مرحلة ضعف أمَّتنا الإسلاميّة وأعملت فيها التَّقسيم، فحوّلتها …