الرئيسية | شعاع | التفكير بصوت مسمــوع / عن الهندسة النفســـية للإنســــان الجزائري …مَـن قتل فيه «الوعي»؟

التفكير بصوت مسمــوع / عن الهندسة النفســـية للإنســــان الجزائري …مَـن قتل فيه «الوعي»؟

يكتبه: حسن خليفة/

هل هنـاك فرق حقيقـي بين «زمن كورونا»، في هذه الفترة التي امتدت فينا على مدار أكثر من سبعة عشرشهرا (بداء من شهر مارس2020 ـ في أقل تقدير حتى الآن، وبين الأزمنة العادية(الحياة العادية قبل هذا الوباء)…هل هناك فروق عندنا كجزائريين؟:
أخشـى أن يكون الجواب: لا فروق.
يكـفي أن تنظر بشيء من التمعّن في شوارع مدننا الكبرى لتعرف إن كان ثمّة فروق.
وأستدرك : ربما يكون هناك فرق، فرق بسيط يتمثـل في وجود خرقة قماش على الوجوه تُشبه «العجار» الذي كانت تضعه أمهاتنا وجدّاتنا من قبلُ، والتي صارت تسمـّى (الكمّامة اللثام ــ وأكثرها ينطقها بالإفرنجي يا للأسف «بافات»)!!
… وحتى هذه الكمامة لاتوضع كما يجب فالإبداع الجزائري، كما نعلم شامل يمس ُّ كل شيء، فلمَ نستثني هذا «العجار»(المفروض)..والناس في هذا الباب ألوان وأشكال: هناك من يعلق الكمّامة في أذن واحدة، وهناك من يلفها حول رقبته، وهناك من يغطي بها فمه فقط ، وهناك ـ وهذا هو التميّز الجزائري ـ هناك من يضعها في ذارعه!!أليس هذا الأمر في ذاته ممّا يحتـاج إلى مركز دراسات لفهم حقيقة هذا الإنسان الجزائري العجيب.
لا، الأمر لا يقف عن هذ ا الحدّ…
– سيول من البشر في الشوارع، تسيـر في كل الاتجاهات، تمتليء بهم المحلات، والأسواق، والحوانيت، والمطاعم.
– انتشار غير عادي في كل الأماكن،
– أسرٌ بأكملها مع أطفالها تتحرّك في عزّ الحرّ..
– أمهات مع بناتهـن في محلات الأقمشة ، ودكاكين الأواني («لمّاعن» )،ولا بأس بوجود البعض أمام محالّ المثلّجات أو «البيـتزا» أوالإطعام السريع…بمختلف أنواعه وهي كثيرة ومتنوعّة، وتشهد ازدحاما رهيبا؛ خاصة من النسـوة والبنات…وثمّة ما يستدعي ـ هنا ـ التدخل بالدراسة في هذا الانتشار الرهيب للأكل، في الشوارع وفي المحلات من النساء والبنات، فرادى وأسرا وعائلات، فهو مظهر من مظاهر «التغير» السلبي الساحق في المجتمع، إضافة إلى مظاهر تغيّر كثيرة أخرى، في أنساق وسياقات مختلفة متنوّعة في شؤون (الزواج ـالطلاق ـ الخلع ـ الصداقات ـ نمط الحياة والعيش ـ العلاقات المحرّمةـ انتشار الفواحشـ الانفلات الاجتماعي ـ طغيان المادية…الخ).
إذن..
مما يسجله كل ملاحظ بشأن السلوك الاجتماعي في هذه الجائحة الطويلة المدى، الثقيلة النتائج..
إنـه لا تبـاعد ولا احترام للمسافات،وبالطبع لا خوفَ ولا وجل ولا حذر، بل عفوية تـامة في السّيـر واحتكاك مباشر،واصطـدامات،وتجمّـعات/والأصح ّ «تكدّسات» بشرية هائلة متناثرة، في الشـوارع والأزقـة، وصُراخ، وكلام عـادي بأصوات مرتفعة عن أي شيء..دنيـوي، فضلا عن مقادير لا بأس بها من الكلام الذي هو نمـيمة وغيبـة، و….ما تعرفون.
يبدو الأمر على هذ ا النحو تماما…وكأنه ـ فعلا ـ ليس هناك شيء اسمه «كورونا».ليس هناك شيء اسمه «وباء» وقد حصد حتى الآن أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، وأرقام المصابين بعشرات الملايين ..وهو يتصاعد يوميا، ويتحركُ وينتقل من دولة إلى أخرى، يفتك بالبشـر شرقا وغربا، شمالا وجنوبا (الكرة الأرضية).
الناس يعيشــون حياتهم، بشـكل مريـح للغـاية، لا يبدو عليها أي أثر لـ «للخوف» من إمكانية التقاط هذا الفيروس المتطوّر اللامرئي..القـاتل..
والأسئلة التي ينبغي أن تُطرح هنا :
ـ إذن تلك الأرقام التي تقـدم يومـيا عن الوفيات والإصابات التي قاربت عندنا نحو 150 ألف مصاب، إن كانت الأرقام صحيحة ودقيقة وسليمة..
ـ وأحاديث «البروفيسـورات» والأطباء والحكماء والمرشدين والإعلاميين والأئمة، والتوجيهات والإرشادات الطبية وما يلحق بها …ما هو وقعها في نفوس وعقول هذه الجماهير التي تملأ الساحات والشوارع والحافلات، والمحلات؟
وتحذيــرات الحكومة ومصالح الصحـة واللجان العلمية وغير العلمية، ومصالح الأمن المختـلفة..أين موقعها في خريطة عيش الجزائريين والجزائريات..؟
ثمّ…الحجـر..والحجـز…والمنزلي منه خاصة، واحتـرام المعاييـر، وحرص الإنسان على حياته وحيـاة أفراد عائلته..ما موقعـه هو الآخر في إطار منظومة محاربة الوباء.؟
أين هو «الوعي» الذي يعني الإدراك القوي المتبصّر للخطــربشكل دقيق وحاسم،وفهم مايجري فهما علميا ـ إنسانيا.
أينَ الاحتياط والاحتراز؟…أين الانضباط والالتزام؟
هل توجد موانـع تجعل الإنسان عندنا يعدّل سلـوكه بعض الشيء؛ لأن ذلك ضروري ، في بعض الحالات..,وهذه واحـدة من أهم الحالات التي تسـتوجب تغييرنمط تفكيرنا، ومن ثمّ نمط سلوكنا.(انتشار وباء خطير).
هل إن الأمر يتعلـق بما يمكن تسـميته بـ «الهندسة النفسـية» للإنسـان الجزائري…والتي يبدو أنها تتأبّـى على «التسيير»، وتتـأبّى على التطبيـق الصحيح لما يجب تطبيـقه، وتتأبي أيضا على الالتـ.زام الجمعي بأي إجراءات أو قوانين يجب تطبيـقها لفائدة المجتمع والصالح العام.
شيء مذهـل فينـا يجب أن نجـد له تفسيـرات وتحليـلات ، ثم حلـولا حقيـقية؛ لأنه إذا كان الخطـر الحقيـقي لا يردع…فكيـف يرتدع الجزائري (إذن)؟.وهل لذلك صلة بعدم الثقة في الحكومة مثلا؟
مسـؤولية من هذه في النهاية؟
والأمر ـ في واقع الحال ـ أبعد مدى من مجرد التـذرع بالوباء..الأمر يتعلق بحقيقـة الإنسان الجزائري، وطبيعة المجتمع الجزائري وما صار إليه أو أصبح عليه و انتهى إليه ؟.وماذا ينبغي بشأنه بالضبط؟
..الأمر يتعلق بمصفوفـة التغييــر كلها..والأسئلة كثيرة هاهنا:
• هل دُجـّن/وقولب وعُلّب الجزائري بشكل كبير وقاس؛ بحيث يصعب «تعديله»؟
• هل قُتل التغيير فيه بشكل قاس وجسيـم؟.
• هل لُعب بهندسته النفسية واستبيح عقله ووجدانه لدرجة لم يعد ممكـنا معها انتظار «إثمار»منه؟.بما يعني أنه يجب ان يبـقى هكذا إلى أجل غير مسمّى؟.
• هل غُيّب وعيـه بشكل دمّر فيه كل «حياة» واستبصار ونباهة ويقظة؟
الأسئلة كثيرة جدا..ومهمة جدا…والتلكؤ في البحث عن إجابات قد يحيلـنا إلى نومــة «تخلف» طويلة الأمد.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ثقافة المعارف المقدسيـة …الطريق إلى التحرير

يكتبه: حسن خليفة/ كنتُ كتبتُ شيئا لشعاع هذا الأسبوع عن «الأمازيغية» من منظور الشيخ الإبراهيمي …