الرئيسية | قضايا و آراء | هل يتخلى الغرب عن الكيان الصهيوني؟

هل يتخلى الغرب عن الكيان الصهيوني؟

أ. عبد القادر قلاتي/

لا يختلف اثنان أنّ الغرب بمؤسساته السياسية ومراكزه البحثية، ونخبه الفكرية، مسؤول مسؤولية كاملة على زرع الكيان الصهيوني في الجغرافيا العربية، وأن مجمل تلك الرؤى الفلسفية والتاريخية والدينية التي نظّرت كثيرا لحق اليهود التاريخي في فلسطين، اعتماداً على دراسات وحفريات في التراث الفلسطيني، وتوصلت إلى رؤية حدّية ونهائية، تجعل من سرقة الأرض واستلاب حقوق الشعوب رؤية معرفية تلزم الآخرين الايمان بها وتصديقها، كلّ ذلك تمّ وفق المشروع الليبرالي القائم على الرؤية الاستدمارية التي وظفت النموذج المعرفي الغربي في خدمة السياسة الامبريالية الخادمة للمشروع الاستعماري الغربي الذي عاث فسادا في جغرافيا العالم الإسلامي وما يزال، فكان حق الصهاينة في فلسطين مبنيا على تلك الرؤية، ولولا تلك الرؤية المعرفية (المتهافتة)، لما صدّق الغرب -الشعوب طبعا- تلك الأسطورة الفارغة، وهي حق اليهود في أرض فلسطين، وتعاطفهم مع فكرة قيام كيان سياسيّ لليهود، وأن هذا الحق يتصل بمرحلة زمانية غائرة في التاريخ الإنساني (أكثر من ثلاثة آلاف سنة)، ولعلّ التحولات السياسية التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى فرض فكرة عولمة العالم، وانحصار فكرة القوميات يجعل من فكرة الحق اليهودي في أرض فلسطين، مجرد هوس بتقديس الماضي التليد للشعوب، وليس فكرة محورية ترتبط بالرؤية العولمية المتجاوزة للخصوصيات الثقافية والدينية في العالم، وإن كان هذا الكلام سابقا لأوانه، حيث مازلت دولة الكيان تمتلك الكثير من شروط وجودها، إلاّ أنّ هذا الوجود مرهون بقواعد جديدة سيضطر إليها المجتمع الدولي في تعامله مع الكيانات السياسية الخارجة عن التصنيف السياسي المألوف، والقائمة على رؤى فكرية وفلسفية شديدة الخصوصية والانغلاق (دوغمائية)، فاستحالة استمرار هذا النموذج السياسي سيكون الخيار النهائي الذي سيضطر إليه الغرب للتخلي أو ربما التخلص من دعم الكيان الصهيوني، وبعيدا عن التنبؤات الدينية التي يتلهى بها البعض وينتظر -وفق هذه التنبؤات- زوال دولة الكيان، فإنّ الشروط الموضوعية والواقعية لوجود هذه الدولة النشاز بالنسبة لجغرافيا وتاريخ المنطقة العربية، بدأت تفقد صلابتها وقدرتها على فرض الأمر الواقع الذي تقوم أساسا عليه هذه الدولة، التي تستند إلى موروث ديني مازال محلّ حسم معرفي حقيقي، وبشهادة كبار المؤرخين والانثروبولوجيين اليهود أنفسهم، فثملاً قبول فكرة يهود أوروبا وهم الاكثر كثافة في كيان هذه الدولة، لم يحسم بل هو محلّ شك مستمر في الكثير من الكتابات الرصينة والهامة التي تعرفها الاكاديما اليهودية سواء داخل الجامعات الصهيونية (الاسرائلية) أو في الجامعات الغربية المتفلتتة من قبضة اللوبيات اليهودية المزروعة في أوروبا وأمريكا، حتى غدا هناك صراع واضح المعالم بين اليهودية باعتبارها ديانة لشعوب منتشرة حول العالم والصهيونية كايديولوجيا سياسية نشأت في الغرب لأسباب مرتبطة بمجمل التحولات السياسية والفكرية التي عرفها -أي الغرب- خلال القرن الماضي، وربما هذا أحد العوامل المهمة في تفكك هذا الكيان (المصنوع)، وهو ليس صراعا جديدا بل ظهرت بوادره مع ظهور فكرة نشوء دولة لليهود، حيث قوبلت الفكرة بجدل عقائديّ وفلسفيّ كبيرٍ بين اليهود في العالم، لكن الإرادة الغربية -التي كانت تقف وراء الفكرة – حسمت الموقف لصالح الحركة الصهيونية، التي كان الغرب ينتظر منها تصفية الرؤية الدينية (الدوغمائية) داخل الجماعات اليهودية والتي كانت تُشكّل منافسةً حقيقيةً في المجتمعات الغربية المسيحيّة.
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا يجاوز حناجرهم…

مداني حديبي/ ظاهرة مرضية ظهرت عند الخوارج قديما فهم أهل تعبد.. جباههم مقرحة من السجود.. …