الرئيسية | أعلام | مقالات | الموسوعـــــة الفكريــــة لصلحاء الجمعيــة

الموسوعـــــة الفكريــــة لصلحاء الجمعيــة

أ‌. آمنة فداني/

إن التجارة المباركة والمربحة التي توصل صاحبها إلى المقصود الأسمى تكون بإنارته لمصباحين أساسيين، العلم والعمل، فالأول مبدؤه والثاني منتهاه، فهما موضوعان مفتوحان للجميع، وأنجى وأسلم مسلك للعبد العمل بهما، من خلال بيئته تضع له علامات ومعالم في طريقه تذكره بمواطن الخلل وتوصد أمامه سبل الهلاك، فلا علم بلا منهجية واضحة المعالم التي تؤدي حتما لانعدام الرؤية الصائبة وفقدان الهدف، إن تكاليف الشريعة السمحاء ليست تكاليف يلزمها المولى تبارك وتعالى على عباده، إنما ترجع كلها إلى تحقيق مقاصدها في الافراد، متمثلة في عقل ونفس ودين وعرض ومال.
إن حاضر اي أمة مهما كانت، عليها أن تستوعب تاريخها، فللماضي نصيب من مكونات الحاضر، فهما متكاملان ومتلازمان فالأخير غير مقطوع الصلة بالأول.
لقد كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أهم عناصر الحركة الوطنية خلال العقود التي سبقت الثورة الجزائرية المباركة في تصحيح المفاهيم الإسلامية والرجوع بالأمة إلى دينها ومبادئها، واعتبرها العام والخاص مدرسة للوطنية، حيث نجح رجالاتها في تكوين كوكبة من القيادات الإصلاحية جودة ونوعية في كل التخصصات، تجتمع فيها خصائص رسالية جمعت بين غزارة العلم ودقة الفهم، للعلم فإن لنجاح أي مشروع مجتمعي ما لابد من توفير شروط نجاحه كي تزدهر بذوره وتظهر ثماره المرجوة وهذا ما اعتمده صلحاء الجمعية، فكانوا باكورة خير على هذه الأمة العظيمة.
هذه النماذج التاريخية كان تأثيرها واضحا ومجديا ومنتجا في المجتمع، من خلال علاج رسم استراتيجية حضارية شاملة التقى فيها النص الشرعي واحتياجات العصر والإنسان، غيروا مفاهيم عدة في شتى النواحي الحياتية، بأياد بيضاء ولسان فصيح وقلم سيال، فتح الله بأيديهم مغاليق الأبواب عن طريق موسوعة فكرية سليمة، يترسمون خطو النبوة فيما يقولون ويفعلون، لا يتعرضون في أحاديثهم بالتجريح للأشخاص والهيئات، ينبذون كل ما يدعو إلى الخلاف والفرقة من وصاياهم الثلاث ((تعلموا، تحابوا، تسامحوا)) يعتقدون أن كل الأمور كلها تتم بإرادة الله سبحانه وتعالى وقدره، وأن مهمتهم الأخذ بالأسباب والوسائل المشروعة والنتائج فهي بيد الله تبارك وتعالى، فلقد كانوا للدين ركنا وللعلم شهابا لا يخبو، واسعي الفكر، بعيدي البصيرة، اتقنوا علمهم وأحسنوا عملهم، وكتاب الله مرجعهم، كل هذا تتويجا لعشرات السنين من الفكر المنتج الخلاق، إنها الموسوعة الفكرية لصلحاء الجمعية، من خلال كل هذا يتضح لنا أن العنصر الإسلامي والوطني كان من أقوى المقومات الشخصية الجزائرية، فمن واجب كل جزائري أن يحمي معلمه وروحه، فكل ساق سيسقى بما سقى يوما ما.
إنها حقائق لا ينبغي لنا إهمالها في كل دراساتنا وبحوثنا الأكاديمية، من خلال إبراز خصائص هذه القامات الفكرية الصحفية المصلحة القديمة منها والحالية أطال الله في أعمارها التي أكرم المولى تبارك وتعالى هذا البلد المجاهد بهم، وأكرمهم في نفس الوقت بهذه الأرض الطيبة المعطاءة، فوطننا من نعم الله التي لا تحصى، إننا نحن الأحفاد ورثة هذا التراث الأصيل، علينا الاستفادة من كنوزه الثمينة، لقد انطفأوا شمعة شمعة، وغادروا فردا فردا، في هدوء وصمت ولم يأخذوا حقهم كما ينبغي، عاشوا عظيمي الخطر، وماتوا جميلي الأثر، سنة الله في خلقه، فالموت طريق يسلكه الجميع {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً….}[ال عمران: 145].
ففقدان الجزائر لأية قامة علمية منتجة ومصلحة في كل التخصصات مهما كانت، تعتبر خسارة لا تعوض، لأن الزمن لا يجود بمثلهم في كل وقت، فليس كل زارع ينتظر الغلة، وليس كل داع ينتظر الإجابة، إنما يتقبل الله من المتقين.
هذا المشروع كان حاملوه في المستوى المطلوب، أعدوا لتحقيقه العدة، وتحقق لهم ما أرادوا، من خلال مسلك سليم اختاروه منهجا في العلم والعمل، فاستقامت طاعتهم، وحسنت نيتهم، فاطمأنت إليهم القلوب وارتاحت إليهم الضمائر، يموت المخلصون فلا يندثر فيهم إلا المادة الترابية التي ترجع إلى أصلها وتبقى معانيها في الأرض حية.
{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}[الانعام: 90] والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التعلم مدى الحياة مبدأ في التربية المعاصرة وتعليم التعلم شعار التربية الحديثة

د.خالد شنون * لقد شكل البحث في التربية والعملية التعليمية التعلمية ومواقف التعلم الفعال اهتماما …