الرئيسية | الحدث | مسرى محمد ومنطلق معراجه.. قضـــيــــة الأرض الـمقـــدســـة بيـــن الأمــــس واليــــــوم

مسرى محمد ومنطلق معراجه.. قضـــيــــة الأرض الـمقـــدســـة بيـــن الأمــــس واليــــــوم

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/

تحت هذا العنوان “مسرى محمد ومنطلق معراجه، قضية الأرض المقدسة بين الأمس واليوم”، كتب قلم ” التحرير” لمجلة ” المسلمون” العريقة، وأظنه أحد أقلام مشايخنا المشرفة على المجلة، إما الشيخ العلامة محمود بوزوزو، أو الشيخ الدكتور سعيد رمضان، رحمهما الله في العدد الأول، يوليو 1964 من مجلة “المسلمون”، الصادرة يومها عن المركز الإسلامي بجنيف، علما أن مجلة “المسلمون” عريقة مع مر سنوات عمرها، ويصدق فيها فعلا قول أحد مشايخنا “مجلة رحالة” متنقلة، كلما ضاقت بها السبل في مكان ما، طارت إلى أرض الله الواسعة، حيث كان مولدها في نوفمبر1951، حين كانت إدارتها في منيل الروضة بالقاهرة، وظلت تصدر من هنالك ثلاثة أعوام، ثم انتقل مقر إصدارها إلى دمشق، حيث استمر صدورها ثلاثة أعوام أخرى، ثم كانت بعد ذلك هجرتها إلى جنيف بسويسرا، ببلاد الغرب، ومكثت بها حتى سبعينيات القرن الماضي، وها أنا ذا أعود لأرشيفها، لأتزود مما كتبته أقلام السلف للخلف عن فلسطين وبيت المقدس، فوجدت هذا البحث المسهب الذي بعث به ” الشباب الفلسطيني المسلم” لإدارة التحرير، محاولين استعراض طبيعة المؤامرة وتاريخها وأهدافها القريبة والبعيدة، لأن قضية القدس وأرض فلسطين بالنسبة للمسلمين، قضية ضاربة الجذور في عقيدتهم وعمق إيمانهم، ولها ارتباط وثيق بدينهم، يصعب معه على أي كان من أعدائهم وخصومهم مهما بذلوا ومكروا وكادوا، أن يصرفوا الأمة عن حمل هم القضية وهم تحريرها من الغزاة الغاصبين، وتطهيرها من دنس بني صهيون.
فأرض فلسطين أرض مباركة، وبيت المقدس بقعة طاهرة مقدسة ومكان ثان لبيت وضع لعبادة الله وحده، تعاقبت فيه دعوات الرسل والأنبياء وهي مدفن المصطفين الأخيار، ومملكة داود وسليمان عليهما السلام حيث أقاما الدين وحكما بشرع رب العالمين، ولا يستحق وراثتهما إلا من كان على منهجهما في التوحيد والإسلام لرب العالمين.
فهي مسرى الحبيب المصطفى ومعراجه إلى السماوات العليا حيث تلقى فريضة الصلاة التي يقيمها المسلمون في كل يوم خمسة مرات، فتستعصي بذلك القدس عن النسيان من ذاكرة المؤمنين، مهما فعل من يجتهدون في طمس الحقائق، ومهما هرول المطبعون، ومهما برر بعض الضعفاء من “أهل العلم” فكلما عجز جيل عن أداء حق تلك البقعة المباركة في التحرير سلم المهمة للجيل الذي يليه، حتى يبعث الله عبادا له {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}.
فالموعد مع البقعة المباركة سيبقى قائما ينتظره الصادقون، يهيئون ما يناسب المنازلة الحضارية الكبرى بين عبدة العجل وأحفاد عمر وصلاح الدين وعباد الله الصالحين، ينتظرون بشوق عودة أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى دار الإسلام، ويحنون إلى علم السلام الحقيقي يرفرف على مدينة السلام ليهدوا زيت القناديل للأقصى وشموع النصر لقبة الصخرة وجميع أركان وزوايا ودروب المدينة المباركة..
وهناك نصوص شرعية من الكتاب والسنة، تعتبر بمثابة أصول للنظرة الإسلامية للقضية المشتعلة بيننا وبين الغاصبين ومن ورائهم من المناصرين والمؤيدين الذين يشكلون حبل الناس لبني صهيون، والذي به اليوم قائمون، وحتما سيقطعه غدا حبل الله الممدود من طنجة إلى جكرتا يوم يستيقظ المسلمون من غفلتهم، من هذه النصوص، دراسة مهمة في عشر نقاط، زودني بها أخي الأستاذ الدكتور وليد الشاويش- جزاه الله خيرا، وهو صاحب الاختصاص ولا فخر- عميد كلية الفقه المالكي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية بعمان(الأردنية). الدراسة بعنوان:” بين قوله تعالى لبني إسرائيل (ولَتَعْلُنَّ عُلُوًا كبيرا) وقوله تعالى:(وكلمةُ اللهِ هي العُليا)”، أحاول نقل ما جاء فيها بأمانة، والله ولي التوفيق:
أولا: معنى عُلُوِّ المفسدين:
فسَّر الكتاب علو الفرعون بتفريق أهل الأرض في سايكس بيكو قديمة، وارتكاب المجازر، وجحود الحق، فقال الله تعالى في علو الفرعون:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4)، وقال في جحوده الحق:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}(14)، وهذا معنى العلو في العادة الغلبة في المادة وقوة السلاح.
ثانيا: علو بني إسرائيل لا يختلف:
ولم تقم دولة الكيان إلا على تفريق المسلمين شيعا وأحزابا في سايكس بيكو حديثة، حولت الأمة إلى أقفاص ينفرد الجزار كل يوم بقفص، وأما فلسفته فهي جحود رسالة الأنبياء كسلفه الفرعون، وتحريفها، وعناده وكبره عن الإيمان برسالة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فما أشبه اليوم بالبارحة، وحقا إن العصا من العُصَية ولا تلِد الحيَّة إلا حَية.
ثالثا: وكلمة الله هي العليا:
قد يعلو الفرعون الكبير وتتبعه الفراعين الصغار، في غرور القوة وجحود الحق، وكما أن الله جعل كلمته هي العليا مع موسى عليه السلام، في انتصار البينة وسجود السحرة لله مؤمنين، فكلمة الله هي العليا الظاهرة بالبراهين والبينات ولم تكن يوما سُفلى سواء ظهرت قوة المسلمين العادية في المادة أم لا، فأدلة كلمة الله وبراهينها لا تقهر، وستبقى العولمة وأخواتها ترجع القهقرى إذا تجَاسرت يوما على الوقوف أمام بينات الشريعة.
رابعا: المنافقون لا يظهرون على مؤمني هذه الأمة:
مهما كثر المنافقون وكان لهم العلو الحسي كما لبني إسرائيل والفرعون، فإن هذا الظهور الحسي لا يغلب قوة الحق الدائم الذي عليه المؤمنون، ولم يفلح الفرعون بل هُزم في سجال البينات مع كونه متغطرسا في السلطة، أما سلطان المؤمنين الماثل في الثبات على الحق والصبر عليه، فهو معيار النصر الدائم، وليس معيارُ كلمة الله هي العليا هو سطوة السلاح وزخرفة الإعلام، ولكن هو سطوة البينة، وإن تسلط النفاق على قالَب المؤمنين الجِسْمي، فإنه لا سلطان له على قلبهم المعنوي المعلَّق بالله تعالى، كسحرة الفرعون حيث كان سلطانه على القالَب لا على القلب، وينظر المؤمن إلى الناس كفارا ومسلمين أنهم خُدَّام لقدر الله تعالى، فقلبه حر لا سبيل لأحد عليه.
خامسا: المؤمنون ظاهرون على الحق:
لذلك إن ثبات المؤمنين على دينهم والأمانةِ التي خولهم الله تعالى إياها وبقاءهم ظاهرين، وحاضرين بهذا البأس، وهذه القوة، فهذا هو الظهور الذي يقهر الله تعالى به قلوب أعدائه من الغاصبين وقتلة الأنبياء، فالمعارك الحاسمة وقتها قصير جدا من بدر، واليرموك، وحطين وعين جالوت فلا تكاد تفي شهورا بين قرون كثيرة، ولكن ظهور الفئة المؤمنة باق كل حين، وحضورهم بالثبات على الحق في المحن لا يخفى.
سادسا: الحديث يبين أنهم (ظاهرين على الحق):
جاء في صحيح البخاري، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» يقاتلون وهم أهل العلم”، فالظهور بالحق والبينات شأن أهل العلم قولا وعملا، لا سيما أولئك الذين يتمثلون البينة قولا وعملا بأكناف بيت المقدس.
سابعا: الظهور يختلف عن الحسم العسكري:
والظهور غير الحسم في النصر العسكري، بل هو الثبات على الملة والقيام بواجب الشريعة وحراسة المقدسات، وأن أساس هذه البينات هم العلماء القائمون بالحق كما ترجم لذلك الإمام البخاري، ويؤكده قوله تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}، فالثبات على الإسلام والمجالدة عنه بالوسع والطاقة، بالرغم من عاديات الليالي، وصروف الأيام، هو معنى الظهور، مهما قل العَدَد وقلت العِدَد.
ثامنا: النصر مكافأة نهاية الخدمة:
إن الفئة المؤمنة الظاهرة هم القائمون على حراسة الشرع وبيانه، وبيان الشرع حارس لمقدسات المسلمين في كل بقعة وعلى رأسها مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتقييم النصر والظهور هو بالثبات على مراد الشرع، والحضور بالعِزَّة والنكاية على مستوى العالم، سواء حصل الحسم العسكري أم لا، لأن قصد الشارع هو الابتلاء للناس وتمييز الخبيث من الطيب، أما النصر فهو مكافأة نهاية الخدمة، فلا تنشغل عن الخدمة بمكافأة نهاية الخدمة.
تاسعا: لا يأس مع فقه الظهور والنصر:
أ- أساس التقييم الخطأ.
إن تقييم المسلمين انتصارهم بالنصرالعسكري، دون التفات إلى نصر الظهور والعزة بالإسلام والنبوة والتمسك بالمقدسات، سيفسد عليهم ثقتهم بأنفسهم، وسيؤدي بهم إلى الشك في وعد الله تعالى واليأس منه، بسبب سوء تقييم أسس النصر، وإهمال نصر الظهور والثبات في المحن الذي عليه مدار الابتلاء.
ب – أساس التقييم الصواب :
لذلك لا بد من تقييم النصر الدائم هو بالظهور والثبات على الشرع وتحمل المحن، وعندئذ سيرى المسلم أن له العلو في كل لحظة، وهذا سيزيده قوة وعزما في طريقه إلى النصر الذي هو مكافأة نهاية الخدمة، وهذا هو عهد الخدمة الدائمة:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(23)، فإما أن تَفِي بِنَحْبِك وهو العهد، وإما أن تنتظر الوفاة على ذلك العهد، فاستمسك بعقدك مع الله، ولن يضروكم إلا أذى.
عاشرا: لا يحزنك الذين كِرِهَ الله انبِعاثهم:
ستجد من خذلوا المسجد هم الذين انحرفوا عن الدين، وخذلوا الشرع من قبل، فاعلم أن هؤلاء القَعَد مِن غير أولي الإربة من الرجال، كرِه الله انبعاثهم بسوء ما قدموا لأنفسهم، فثبطهم الله، وحرمهم من شرف القيام بواجب الشرع، وما قدسه الشرع من البقاع والمساجد، فلا تظن أن المسجد له قداسة عند من لا يعظم الشرع، لأن قدسية المسجد من باب النبوة الباقية، وليست من باب الشَّعبويات الزائلة، والعَنْتريات القومية الفانية… والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

(يتبع بحول الله)

عن المحرر

شاهد أيضاً

انتصـــار الــمقاومــــة الفلسطينيـــة بأعيــــن الصحافـــــة العـــالـميـــــــة

الغارديان: على إسرائيل أن تعرف أن الرأي العام الدولي ينقلب ضدها قال الكاتب جوناثان فريدلاند …