الرئيسية | الحـــق الـمر | في معنــــى النصــــر…

في معنــــى النصــــر…

يكتبه د. محمّد قماري/

قرأت يوما في كتاب (البداية والنهاية)، وهو كتاب في التاريخ ألفه العلامة ابن كثير، رحمه الله، أن التتار يوم استباحوا العالم الاسلامي، وقضوا على ما بقي من خلافة العباسيين، كانوا يجوبون في الطرقات، ويعملون سيوفهم في الناس قتلاً، وقد بلغ حجم ما تكدس من الجثث أكواما تضاهي الجبال، وأن الريح كان كانت تنقل أثر تعفنها من العراق إلى الشام، وقال ابن كثير تلك العبارة الحزينة: ليت أمي لم تلدني وكنت نسيًا منسيًا…
بل لقد ذكر ابن كثير ان التتري الواحد كان يدخل السوق، ويأمر كل واحد فيه بأن يأتي بحجر ويتمدد أمامه، فيفعل الناس ما يؤمرون به في ذلة، ويقوم التتري بتهشيم رؤوسهم بأحجارهم التي جلبوهم واحدا واحدا…
إن ذلك المشهد المخزي، يدل على زوال أمة من التاريخ، لكن وجدنا الغالب (التتري) بعد ذلك بسنوات يدخل في دين المغلوب، ولم يأت الأمر اعتباطا، فقد تحركت المقومات الثقافية في الأمة، ونشطت معها جبهة المقاومة، والحسم في الحقيقة يعود الفضل فيه لتلك المقومات الثقافيّة التي على رغم الهوان لم تفقد بوصلتها…
إن المعارك والصراعات عبر التاريخ جولات، وأخطر هزيمة هي الهزيمة التي تغزو النفوس، فتفقد روح المقاومة، وتندثر شيئا فشيئا، لتحلل وتصبح نسيجا في خلق آخر، وهذا هو قانون التاريخ في زوال المجتمعات والأمم، ولأجل ذلك أيضا يحرص الغزاة على قتل الروح المعنوية والمكونات الثقافية للمقاومة…
إنه لم يكن منتظرا من المقدسيين أو من غزة خلال الأسابيع الماضية أن يحرزوا انتصارا عسكريا على دولة الكيان الصهيوني، فذلك في الوقت الحاضر منافيا لسنن التاريخ، لكن ما تحقق من اعادة استحضار روح المقاومة، وكف المد (التطبيعي) القائم أساسا على فكرة القبول بالهزيمة، فذلك هو النصر في هذه الجولة، إذ لا يمكن أن تحسب حياة الأمم ومصائرها بعدد السنين، بل بتراكم الخبرة في المقاومة…
لم يكن منتظرا من تلك الصواريخ التقليدية، أن تحسم معركة تتعدى فيها قدرات العدو قدرات المقاومين آلاف المرات، وخلفهم يقف العالم أجمع سرا وجهرا، وبأجهزته الناعمة والخشنة، يبارك الجريمة والمجرمين…
يكفي أن لا يخفت صوت جرس الانذار، لتسمعه الأجنة في بطون أمهاتهم، أجنة أهل بيت المقدس ومن حوله، وأجنة الغزاة الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم وأسلحتهم، فيتم ترحيل المعركة إلى جولات قادمة، لكنها أبدا لن تموت وتقبر في كواليس الاجتماعات والمؤامرات، وهذا هو النصر في هذه الجولة…
نصر تحيا معه روح المقاومة، ويتردد صداها في العالم أجمع، ويعاد معه بعث القضية من جديد، وتزول معه فكرة الفلسطيني التائه الذي يستجدي حق العودة أو يتوق إلى (حق) اللجوء، إلى ذلك المرابط على أرضه لا يرى عنها بديلا ولا تحويلا…
صحيح ان صور الدمار مرعبة، وعدد الشهداء كبير، لكن لكل معركة وقودها، ودماء الشهداء تسري في عروق جديدة، تدفع حامليها إلى الاستعداد والكرامة، وتفتح أبصارهم على الواقع الذي عرف التدمير والخراب، لتكتب أسطرا ومعالم: هنا سقط الشهيد وهناك دمّر الاحتلال بيوتا ومساكن على من فيها…
كل ذلك المشهد يربك المطبعين ويسقط في أيديهم، ويذكرهم أن هرولتهم باطلة وميؤوس منها، فلا يمكن تصوّر حياتا ناعمة تبنى على دمار وأشلاء، فإذا كان أطفال الحجارة قد أفرغوا معاهدة (أوسلو) من محتواها، فإن ما قدمه أهل المقدس وأهل غزة قد أتعب المهرولين إلى التطبيع، فليس من الطبيعي أن تشيّد علاقات طبيعية مع من يهلك الحرث والنسل…
بهذا المعنى نفهم النصر، فلقد وعد الله المستضعفين من مسلمي مكة بنصر الروم على الفرس في بضع سنين، وهي سنين حمل الأمل في نصر أصحاب دين سماوي على عبدة النار من الفرس، أمل كان مسكنا لآلام تلك الثلة من المستضعفين من المؤمنين، أمام جبروت أهل مكة وهم يسومونهم سوء العذاب…
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل…وسواء أتحقق ذلك الأمل في بضع سنين أم في بضع عقود، فالمهم هو الحصانة الثقافيّة في مواجهة الموت الأبدي، وموت روح المقاومة ومعها موت توريث القضية لجيل آخر قادر على حمل تباعاتها، والخطر كل الخطر هو في اهالة التراب عليها داخل الغرف المظلمة، وقطع شرايين امتداداتها الطبيعية في العالم الإسلامي.
لقد كانت قضية فلسطين ولعقود طويلة (ورقة توت) تستر سوءات الأنظمة العربيّة، وترّحل بسببها كل اخفاقاتها، وتساوم شعوبها على مقايضة (الأمن بالحريّة)، فلا الأمن تحقق ولا الحريّة عرفت طريقها إلى واقع حياة تلك الشعوب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا تحسبوه شرا لكم…

يكتبه د. محمّد قماري/ تتوالى الأخبار الحزينة من فلسطين الجريحة لتذكر الأمّة الإسلامية بعجزها، الوظيفي …