قضايا و آراء

حتام يتجرع أهل اليمن كلّ هذه المحن…؟/بقلم الأستاذ محمد العلمي السائحي

إنّ اليمن الذي كان فيما مضى، يسمى باليمن السعيد، بات اليوم في عناء شديد، ولا يد له فيما جرى أو يجري من قريب أو بعيد، وما جرّ عليه كلّ هذه المحن إلاّ الصراع الإقليمي الذي اتخذ منه ميدانا لتصفية حساباته، كما استغلت الدول العظمى الحرب الدائرة فيه لاختبار تكنولوجياتها العسكرية، وتسويق أسلحتها، ولو كان ذلك على حساب إزهاق آلاف الأرواح، من الرجال والنساء والأطفال، وتدمير البنى التحتية، وتخريب البلد، ولا يخفى على أحد أن المستفيد من هذه الحرب بالدرجة الأولى إنمَّا هي الولايات المتحدة الأمريكية ثمَّ بريطانيا وروسيا، وليست السعودية ولا إيران وإن ظنتا ذلك بأي حال من الأحوال، فهذه الدول مجتمعة هي التي تصدر إلى المتحاربين جميع أصناف الأسلحة التي يتقاتلون بها، ومن مصلحتها أن تستمر الحرب ولا تتوقف، لما يجنونه من أرباح خيالية من صفقات الأسلحة التي يعقدونها مع المتحاربين، كما أنّ هذه الحرب بفعل ما تولده باستمرارها وشدتها، وتتسبب فيه من خراب في البنى التحتية، ومختلف مرافق الحياة، تهيئ لها سوقا هامة لعرض خدماتها، وبيع منتجاتها، بعدما تضع الحرب أوزارها، لذلك تقاوم حكومات هذه الدول كلّ المساعي والجهود المبذولة لوضع حد لهذه الحرب البائسة، التي لم يشهد التاريخ الحديث أبشع منها، ولا أشدّ فتكا، وأكثر تدميرا، باستثناء ما جرى ويجري في سوريا والعراق.

 إنّ الإدارة الأمريكية السابقة منها واللاحقة تتحمل مسؤولية ما يجري في اليمن إلى حد بعيد، فالإدارة السابقة، غضت الطرف عن دعم إيران للحوثيين، لحاجتها إلى طي صفحة الملف النّووي معها، والإدارة الحالية استدرجت السعودية إلى محاربة إيران في اليمن لتصريف مخزونها من الأسلحة ولضمان تشغيل اليد العاملة في مصانعها العسكرية من جهة، ومن جهة أخرى لإنهاك إيران وتشتيت جهودها، حتى ترخي من قبضتها على سوريا، ولا تشكل سندا يدعم تواجد الدب الروسي فيها، الذي جاء يزحمها في المنطقة ويشاركها في الهيمنة عليها.

وإذا صحّ ما تقدمنا به، فإنّ الخاسر في هذه الحرب إنمّا هو السعودية وإيران، بعد اليمن، فالسعودية خسر ت سياسياً هذه الحرب، من حيث أنها آذت الشعب اليمني، فأوغرت الصدور، وولدت أحقادا سيتوارثها الآباء والأولاد والأحفاد، على مرّ السنين وتعاقب الأحقاب، وفقدت احترامها لدى الشعوب العربية لكونها تنمّرت على شعب ضعيف لا حول له ولا قوة، وفقدت تقديرها لدى الشعوب الإسلامية التي كانت تنظر إليها باعتبارها راعية للإسلام، وحامية للمسلمين، فإذا بها تدخل في حر ب مع جارها المسلم وشقيقها، الذي كان أولى بها أن تحميه وترعاه، لا أن تعتدي عليه، وتكون هي سبب بلواه، وخسرت عسكريا، إذ عجزت حتى الآن على أن تحسم المعركة، وتحقق أهدافها التي سطرت لها، على الرغم من تفوقها العسكري في القوة والسلاح وما حشدت من حلفاء، أما إيران فهي ليست بأقل خسارة من السعودية، فقد رفعت هذه الحرب الغطاء عن نواياها في الهيمنة على الخليج ودول الجوار، وأنها تريد حقا أن تهيمن على الدول العربية دولة دولة، وتفرض نهجها السياسي، ومعتقدها الديني، على المنطقة برمتها، وهذا من شأنه أن يفجر المقاومة في وجهها، ويستحث بنيها على التصدي لها، وإخراجها منها، مهما تطلب ذلك من وقت وتضحيات جسام، فخسارتها وإن تأجلت مؤكدة.

ومن المهم الآن أن تتظافر الجهود لإقناع السعودية بوضع حد لهذه الحرب، التي أكلت الأخضر واليابس، فما عاد اليمن يتحمل أكثر مما تحمل حتى الآن، ولابد من حملها على رفع الحصار عن موانئ ومطارات اليمن، وترك المساعدات الإنسانية تتدفق عليه، وتصل إليه، وهي بحكم مركزها الديني، وفقهها السياسي، خير من يعلم أن القتل بالتجويع دليل عجز لا قوة، وهو ليس مما يبيحه الإسلام، ولا هو من شيم الكرام، ثمّ أن اليمنيين لن ينسوا لها أنها منعت عنهم القوت حتى داهمهم الموت…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com