مقالات

[تيار جارف وسدود متعددة] الباديسية والنورسية تجربتان إصلاحيتان نموذجيتان

أ. د. أحمد محمود عيساوي/

تغوص هاته المداخلة الفكرية الفلسفية والمنهجية والسياسية في أعماق تجربتين دينيتين إصلاحيتين، شهدهما طرفا العالم الإسلامي مطالع القرن العشرين الرابع عشر الهجري [الجزائر، تركيا]، قرن سطوة الآلتين التدميريتين الباغيتين: الغزو والاحتلال العسكري، والعلمانية الطاغية على العالمين العربي والإسلامي، قرن التيار الجارف، قرن الاستعمار، ذلك التيار الذي حمل معه رياح العلمنة والمسخ والتشويه والتغريب والتمسيح والقهر.. فكان من سنن الله في الذبّ عن حمى الإسلام والذود عن بيضة الدين وثبة هذين العالمين الإسلاميين الجليلين: [عبد الحميد بن باديس 1889-1940م] و [بديع الزمان سعيد النورسي 1873-1960م] يصدان ويردان ويدفعان بقوة وصدق وإيمان كل غوائل وعاديات القهر العلماني والاستعماري، مراعيين ظروفهما وبيئتهما وأحوال عصرهما، فأنتجا لنا سدين منيعين أمام ذلك السيل الجارف، وأنجبا لنا تجربتين مختلفتين لمقاومة كل أشكال الغزو الفكري والثقافي والديني واللغوي والأخلاقي، فحميا الهوية العربية والإسلامية من التفكك والتفتت والضياع والانهزام، وحافظا على الرمق الأخير من حصون الممانعة العربية الإسلامية، فهما تجربتين متميزتين جديرتين بالدراسة والنظر، والاستفادة منهما في عملية التغيير في جزائرنا الحبيبة، التي تحتاج إلى التغيير الهادىء والإصلاح السوي والدعوة الوسطية، بعيدا عن كل أشكال العنف والتطرف، فهل سنجد في هاتين التجربتين ضالتنا كمفكرين ومصلحين؟ جواب ذلك في ثنايا المداخلة، التي تتأسس على المحاور التالية:

 

1 – قراءة مختزلة حول بيئة ومميزات وخصوصيات الشخصية الباديسية، وشعار الشيخ الونيسي: [يا بني لا تقرب الوظيف ولا تطلب العلم للرغيف].
2 – قراءة مختزلة حول بيئة ومميزات وخصوصيات الشخصية النورسية، والشعار الذي كتبه النورسي على باب غرفته في خان الشركجي: [هنا يُجاب على كل سؤال، وهنا تُحل كل مشكلة].
3 – منهج الرجلين في حماية هوية الأمة: اللغة، الشريعة، الشعائر، الإنسان، المرأة، تاريخ وثقافة وخصوصية الأمة).
4 – خصائص ومميزات كلا المدرستين الإصلاحيتين تحت مبدأ: المرحلية، والوسطية، والاتزان، والهدوء، والحفاظ على المنجزات المكتسبة، والتغيير السنني الرفيق، والابتعاد عن كل أشكال التشنج والعنف والتخريب والتدمير.. فالشعوب المثخنة بالجراح ما أحوجها إلى أطباء مهرة. فهل نكون نحن أولئك الأطباء المهرة وأصحاب الوصفات الناجعة؟ وذلك من خلال قراءة تحليلية مركزة للتيار الجارف.
أولا– الجارف الأول لعهد بديع الزمان سعيد النورسي [العلمانية]:
يمكن وصف العصر الذي ولد وعاش فيه الشيخ بديع الزمان النورسي [1293-1379هـ/1873-1960م] بأنه عصر بداية النهاية لسقوط السلطنة العثمانية حامية الإسلام والمسلمين في العالم.
تلك السلطنة التي لم يفدها وجود رجل داهية ومؤمن بقيمه الإسلامية كالسلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918م) -رحمه الله- الذي حكم الخلافة العثمانية في أشد وأحلك مراحلها السياسية والتاريخية (1876-1909م)، ذلك العصر الذي اتسم بالآتي:
1 – خروج الدولة العثمانية مهزومة في حربها مع روسيا سنوات (1876- 1879م) هزيمة شنعاء.
2 – خسارتها العسكرية والمادية والسياسية والجغرافية أمام المنتصرين والمتآمرين عليها من القوى الاستكبارية العالمية، وتراجع مكانتها بين القوى العالمية.
3 – بداية تصاعد الطموح اليهودي في تملك أرض فلسطين.
4 – توسع نفوذ وتأثير الحركات الهدامة: (الماسونية. الصهيونية. القومية) داخل بنية الدولة والمجتمع.
5 – تمزق الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب الكونية الأولى.
6 – تخلي النظام العلماني في تركيا عن نظام الخلافة وإلغائها سنة 1924م وعن تبني الإسلام كمنهج حياة للفرد وللمجتمع وللنظام.
7 – استبدال القانون الشرعي الإسلامي بالقانون الوضعي السويسري، الذي ألغى كل صلات تركيا بالإسلام وبلغته وقيمه وحضارته وماضيه ومستقبله.. فمنع الزي الإسلامي للرجال وللنساء خاصة، ومنع الأذان باللغة العربية، واستبدلت الحروف العربية بالحروف اللاتينية.. .
8 – سيطرة القادة الكماليين العلمانيين المنحدرين من الأصول اليهودية (يهود الدونمة) على حكم تركيا ممن تبنوا الخط العلماني والإلحادي منهجا للدولة وللمجتمع وللفرد التركي المسلم. وقادوا حملات التنكيل والقمع والإبادة لكل ما هو إسلامي، أو يمثل تذكارا لماضي الحضارة والدولة العثمانية الإسلامية.
ودون الدخول في تحليل الأوضاع السياسية وتأثيراتها السلبية المختلفة على الخارطة الجيوسياسية الإسلامية في العصر الحديث، فإن الشيخ بديع الزمان عاش في ظل هذه الأوضاع المتردية، المتسمة بالقمع والإرهاب والبطش السلطوي، الذي منع وحرم كل أشكال الحرية والكرامة الإنسانية.. للعلماء وللشيوخ وللدعاة الإسلاميين بالإضافة إلى قمعه للجماهير المسلمة.
كما أن حياته -رحمه الله- كانت سلسلة من التضحيات الجسام، محاولة منه لإنقاذ دولة الخلافة. ثم هي سلسلة من الابتلاءات والمحن والآلام والمكابدات القمعية.. التي عاناها من جبروت وقمع الكماليين الذين قطعوا صلة تركيا بالإسلام والمسلمين، تحت شعارات مختلفة كالقضاء على الرجعية والرجعيين.
ثانيا – الجارف الثاني لعهد عبد الحميد بن باديس [الاستعمار]:


كما يمكن وصف الفترة التي ولد ونشأ وعاش ودعا فيها إلى الله.. الشيخ عبد الحميد بن باديس [1308-1359هـ/1889-1940م] بأنها أظلم فترة مرت بالجزائر العربية المسلمة طيلة وجودها الرسالي في تاريخ الحضارة الإنسانية، وبعد أن مضى على الوجود الاستعماري في الجزائر قرابة القرن، وأيقنت فرنسا أن الجزائر قد آلت إليها وإلى الصليبية العالمية للأبد، وأنه لن تقوم لها قائمة بعد القرن العشرين في سماء العروبة والإسلام.
فقد مضى على آخر ثورة شعبية مسلحة في الجزائر حوالي ربع قرن . وكان قد انتهى عهد الثورات المسلحة، والانتفاضات الكبرى -عدا انتفاضة الشيخ بوعمامة وأولاد سيدي الشيخ- وابتدأ عهد جديد، جيله يخالف جيل الثورات والانتفاضات العنيد، الذي تميز بشراسة رجاله ومقاومتهم البطولية. وابتدأ عهد جديد، تمثل في ظهور جيل جديد من العلماء والمثقفين والسياسيين يرى في مهادنة الاستعمار أسلوبا تكتيكيا حديثا، ونمطا للحفاظ على الرمق الأخير من حصون العربية والإسلام المتبقية في الجزائر.
وهو الجيل الذي تخلى عن الثورة والانتفاضة والكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لتحرير الجزائر، نظرا لاشتداد سطوة القمع والقهر الاستعماري من جهة، ولاستكمال الدورة السننية بانبعاث جيل من الثائرين المستنيرين المقتنعين بالاستقلال والحرية من جهة أخرى، ولكنه -مع سلميته وثقافته ووطنيته- ظل وفيا لماضي الآباء والأجداد التليد، الذين هم في نظره ومخياله الباطن رجال القيم والحق والإسلام، وهم خيرة المجاهدين. وأنهم هم النموذج المثالي الدنيوي والأخروي، وأن الرقي والكرامة لا تتمثل إلاّ بانتهاج منهجهم الجهادي.
هذا الجيل يتميز عن الأجيال اللاحقة له بكونه يحمل نفس تصورات وقيم ومبادىء وأصالة.. الجيل الجهادي السالف، ولكنه يختلف عنهم في كثير من المقومات، منها ما هو واقعي يعود لمرور فترة طويلة للوجود القمعي الاستعماري الجاثم على الجزائر، ومنها ما هو اجتماعي وتربوي يتمثل في انعدام جيل التغيير، الذي سيحتضن الفكرة المقدسة، ويهب لإشعال نار الثورة، ومنها ما هو سنني حضاري يستدعي استكمال الدورة السننية الكافية للتغيير الإسلامي، وغيرها من العوامل..
ومن هذا الجيل الحركي الفاعل -الذي ولد أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الرابع عشر الهجري- كان الإمام والداعية المصلح، مجدد العصر الشيخ [عبد الحميد بن باديس] رائد الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة في الجزائر.
ثالثا- التيار الجارف وإنسان وثقافة المرحلة:
يمكننا وصف التيار الجارف الذي اجتاح بيئتهما الإصلاحية بأنه: تيار تدميري استئصالي متوحش وحاقد على كل مقومات الشرق ومكونات الإسلام والحضارة العربية الإسلامية. فهو تيار يحمل هدفا واحدا بتسميتين مختلفتين فقط، فالتيار الذي قاومه ابن باديس استعمار استيطاني خارجي أجنبي، وذاك الذي واجهه النورسي تيار علماني داخلي وطني استئصالي حاقد ومدمر لكل قيم الإسلام، تميز فرده المستعمر بالآتي:
1 – إنسان المرحلة:
كما يمكننا وصف معالم الفرد الذي حاولا التعامل معه وإنقاذه مما وقع فيه، بأنه فرد متخلف يتصف بالصفات الآتية:
أ – منشطر بين زمانين، زمان الحضارة العربية الإسلامية الزاهي الزاهر الذي أفل من واقع وحكم وتوجيه الحياة اليوم، وبين زمن تعيس بئيس قبيح متعثر ذليل فاسد.
ب – لا يعيش عصره البتة، بل هو غائب بإرادته واختياره، أو مُغيّب عنه بالرغم منه.
ج – أنه يمثل ظاهرة اجتماعية وثقافية وفكرية وتربوية وأخلاقية عامة تشمل جميع أفراد المجتمع العربي والإسلامي، وليس حالة فردية.
د – يشكل حالة انتكاسة حقيقية وانفلاتة سلوكية وقيمية باتجاه تعزيز قيم البداوة على قيم الحضارة والتحضر والمدنية.
هـ – يجسد روح الانهزام، وواقع القابلية للاستعمار، والتبعية للآخر القوي.
2 – ثقافة المرحلة:
كما يمكن وصف ثقافة المرحلة التي حاولا التدافع معها بالمواصفات والمعالم التالية:
أ – غلبة نزعة المديح والثناء والحمد والشكر الممل.
ب – غلبة نزعة التعلق بالماضي والتشظي معه.
ج – غلبة نزعة التسامي والاستعلاء والتفاخر بالماضي التليد.
د – غلبة نزعة الشاعرية والأحلام والطوباوية والتعلق بالخيال.
هـ – غلبة طابع الاعتزاز بالكم والحجم والشكل.
و – غلبة نزعة التجزيء والتفكيك والتفتيت.
ز – غلبة نزعة المظاهرية والشكلانية والاحتفالية والمهرجانية.
ح – العجز عن إدراك روح المدنية وحقيقة الحضارة الغربية الضالة.
ط – التعلق بمظاهر وشكلانية المدنية الغربية والتفكير في الحصول السهل على منتجاتها دون التنبه لمخاطرها وأضرارها.
ي- عدم القدرة على التحكم في أدوات إنتاج المدنية وتسييرها، ثم التخلص من نفاياتها.
رابعا– أسلوب المواجهة:
1 – السد الباديسي:
بعد عودته من الزيتونة أواخر سنة 1913م – 1331هـ بدأ يدرّس في قسنطينة كوكبة من طلاب العلم، الذين شكّلوا بعدها نواة الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائر في منتصف الخمسينيات، ولكن مفتيها المعين من قبل الإدارة الاستعمارية الشيخ [المولود بن الموهوب] غفر الله له، وعلى الرغم من باعه وتطاوله في العلوم الشرعية والعربية عارضه بقوة، وسبب له الكثير من المشاكل تنفيذا للسياسة الاستعمارية التي كانت ُتملى، مسببا نوعا من التعثر لمشروعه الإصلاحي في بدايته، ففكر في الهجرة من جديد، واستأذن والده في الحج فأذن له في موسم 1331هـ 1913م، ونزل المدينة المنورة عازما على الحج والهجرة معا، وهناك التقى شيخه الأول [حمدان الونيسي] والشيخ [حسين أحمد الهندي المدني] والشيخ [الوزير التونسي]، كما التقى علامة الجزائر وأديبها الشيخ [محمد البشير الإبراهيمي]، الذي تذاكر معه لمدة أربعة شهور كاملة أوضاع الجزائر خاصة والعالم الإسلامي عامة في ظل موجة القهر والاستعمار الصليبي الحديثة .

2 – المواجهة لا الفرار:
وقد وصف الشيخ البشير لقاءاته الإصلاحية المثمرة تلك بالشيخ عبد الحميد بن باديس بقوله: ((.. كنا نؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها الشيخ بالمدينة المنورة. كانت هذه الأسمار كلها تدبيرا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كلها صورا ذهنية تترى في مخيلتنا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913م هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تبرز للوجود إلاّ في سنة 1931م..)) .

وفي المدينة المنورة المباركة كان قد أبدى رغبته في البقاء فيها أمام الشيخ حسين أحمد الهندي المدني، فنصحه -لما توسم فيه أمارات النجابة والذكاء والإخلاص لدينه ولغته- بأن يعود إلى وطنه الجزائر، الذي هو بحاجة ماسة إلى دعوته وعلمه ونشاطه، وقال له: [.. ارجع إلى وطنك يا بني، فأمثالك هنا كثير يغنون عنك، ويقومون مقامك، ولكنهم في وطنك قليل، وخدمة الإسلام هنالك أجدر بك وأنفع له من بقائك هنا]، ولما عزم على الرجوع أخبره شيخه حمدان الونيسي بأنه سيرخص له في التدريس، وأخذ عليه العهد ألاّ يتولى الوظيف ولا يطلب بعلمه الرغيف ولا يتخذ منه سلما لأغراضه الدنيوية.. فعاهده وعاد إلى الجزائر مارا بمصر والشام ولبنان .
عملتْ نصيحة الشيخ حسين أحمد الهندي رحمه الله في ابن باديس عملها، وقرر العودة للجزائر بعد أن تدارس مع الشيخ البشير الإبراهيمي وضعها الأليم وظروفها الصعبة، ولما ودّع أستاذه حمدان الونيسي أعطاه كتابا إلى الشيخ [محمد بخيت المطيعي] مفتي الديار المصرية . فنزل مصر وذهب إليه وأعلمه بأنه جاء من قبل الشيخ حمدان الونيسي فقال له: (ذاك رجل عظيم)، ثم أجازه للتدريس في علوم الشرع، ومنها عرّج على الشيخ [أبا الفضل الجيزاوي] في الإسكندرية فأجازه أيضا .
ثم عرّج على سورية ولبنان، وعاد إلى الجزائر، وباشر عمله التربوي والتعليمي في قسنطينة ربيع عام 1332هـ – 1914م، وظل يعلم الصبيان في الكتاتيب والمساجد من سنة 1914م إلى أن تكوّنت نخبة من خيرة الطلبة على يديه .
3- عوامل نجاح المواجهة:
يمكن إجمال عوامل نجاح المواجهة في العناصر الآتية:
أ – نشأته في أسرة فاضلة حرصت على تحفيظه القرآن الكريم مبكرا.
ب – طلبه لعلوم الشرع على يد خيرة العلماء أمثال الشيخ محمدان الونيسي ومحمد النخلي القيرواني.
ج – رحلته لطلب العلم بجامع الزيتونة وتدريسه عاما كاملا فيه.
د – معاصرته للأحداث التاريخية الجسام التي عصفت بالعالم عامة وبالأمة الإسلامية خاصة.
هـ – رحلته إلى المشرق العربي والحج والتقاؤه بخيرة علماء الشرق الإسلامي.
و – تأثره بالحركة الصحفية والإعلامية في المشرق العربي ولاسيما العروة الوثقى ومجلة المنار، التي طلب علماء الجزائر من السيد [محمد رشيد رضا ت 1936م] عدم التعرض فيها لسياسة فرنسا الاستعمارية في الجزائر حتى لا تمنع دخولها إليهم، لأنها هي المدد لأرواحهم، وهي التي تصلهم بروح الشرق.
ز – تأثير سياسة القمع الاستعماري فيه، وتأثره من وضعية الشعب الجزائري المزرية.
ح – احترامه لمنهج ووصية شيخيه الونيسي والقيرواني، إذ قال فيهما: ((وأذكر منهم رجلين كان لهما الأثر البليغ في تربيتي وفي حياتي العملية حمدان الونيسي القسنطيني نزيل المدينة المنورة ودفينها، وثانيهما الشيخ محمد النخلي القيرواني المدرس بجامع الزيتونة المعمور رحمهما الله. وإني لأذكر للأول وصية أوصاني بها، وعهدا عهد به إليّ، وأذكر أثر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي وتاريخي كله، فأجدني مدينا لهذا الرجل بمنّة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدّد عليّ أن لا أقرب الوظيف ولا أرضاها ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت. وأذكر للثاني كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية..)) .
ط – عودة فئة من العلماء الجزائريين العاملين من الزيتونة ومن المشرق العربي أمثال: [محمد الطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، وأبو يعلى سعيد الزواوي، والعربي التبسي، والمولود الحافظي الأزهري، ونعيم النعيمي، ومحمد خير الدين، ومحمد السعيد الزاهري..]، وانخراطهم في العمل الدعوي والإصلاحي الجمعي في إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .
4 – آليات ووسائل المواجهة الباديسية:
يمكن تقسيم آليات المواجهة الإصلاحية عند الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- وفق الإطار الزمني التالي:
أ- مرحلة التأسيس التربوي والتعليمي والصحفي والدعوي 1331 – 1347هـ 1912- 1928م.
ب – مرحلة تأسيس جمعية الإخاء العلمي سنة 1343هـ / 1924م.
ج – مرحلة تأسيس ورئاسة جماعة الرواد 1347هـ / 1928م.
د – مرحلة رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومجلسها الإداري 1931م- 1940م .
5 – وسائل النهضة والمواجهة الباديسية:
بعد عودة العالمين الجليلين من الحجاز قطبا الحركة الإصلاحية الإسـلامية في الجزائر الحديثة الشيخ محمد الطيب العقبي والبشير الإبراهيمي سنة 1338هـ/1920م تبلور الرأي الإصلاحي أخيرا لدى الشيخ باديس على ضرورة توحيد الجهود في إطار العمل الجمعي وتأسيس جمعية دينية قوية، تضطلع بالعمل الإصلاحي الإسلامي في الجزائر، لمواجهة المخططات الاستعمارية ضد الشعب الجزائري الأعزل، وأهم هذه المخاطر:
أ- فساد الطرق الصوفية ونشرها وترويجها للبدع والخرافات والأوهام والأباطيل الطرقية بين صفوف الشعب الجزائري الجاهل، وتواطؤها البشع مع الإدارة الاستعمارية لاستغفال الشعب الجزائري.
ب- محاولة إيقاف مد حركة التبشير والتنصير المستمرة بين الشعب الجزائري، التي تستغل ظروفه الصعبة لتنصيره، أو لتحويله عن دينه الإسلامي .
ج- إيقاف زحف الفرنسة، وإنقاذ اللغة العربية المحاربة من قبل الاستعمار الفرنسي.
د- إيقاف المد التغريبي بين صفوف الشعب الجزائري، الذي يسعى لخلق النخب الجزائرية الطامحة للاندماج في فرنسا.
هـ- مقاومة سياسة المسخ والتشويه التي تمارسها الإدارة الاستعمارية تجاه قيم ودين الشعب الجزائري.
و- الإعداد الصحيح لبناء الفرد الجزائري العربي المسلم، الواعي والمتسلح بدينه وقيمه ولغته.
ز- الحفاظ على آخر حصون الممانعة العربية والإسلامية في الجزائر السليبة.
6 – وسائل الدعوة والإصلاح الباديسية:
تنوعت أساليب الشيخ عبد الحميد بن باديس الدعوية والإصلاحية، بحيث لم يترك وسـيلة ناجحة يستطيع أن يوصل بها الوعي والهدى للناس إلاّ وطبقها، ويمكن حصر وسائله الدعوية والإصلاحية في الوسائل الآتية:
1 – التربية والتعليم وإنشاء المدارس.
2 – الخطب والدروس الدينية والمواعظ، وإنشاء المساجد الحرة.
3 – البعثات العلمية للمشرق وبخاصة إلى الزيتونة والقرويين.
4 – الكتابة وإنشاء الصحف والمجلات.
5 – تأسيس الجمعيات الوطنية والمحلية.
6 – عقد المؤتمرات والندوات والتجمعات المتخصصة والعامة.
7- مهادنة الإدارة الاستعمارية، وإنشاء العلاقات التهادنية معهم لغض الطرف عن نشاطه الديني.
8 – استغلال نفوذ وثراء وجاه عائلته وبخاصة أبيه لخدمة العمل الدعوي.
9 – الاعتماد على كوكبة من العلماء الأجلاء المخلصين العاملين.
10- تشجيع المبادرات الخيرة مهما كان مصدرها.
11- ربط الصلة بالمشرق العربي لغة وروحا.
12- إحياء قيم وماضي وتاريخ وأمجاد الجزائر في نفوس الشعب الجزائري الأمي الجاهل.
13- محاربة الطرقية البدعية، وكل أشكال الخرافة.
14- الدعوة إلى الاجتهاد والتفتح الأصيل، والتمسك بالقيم الأصيلة.
15- نبذ كل أشكال التقليد والتبعية والانقياد الأعمى.
16- إنشاء النوادي الثقافية والفكرية والأدبية والرياضية والفنية والمسرحية الهادفة.
17- الدعوة الفردية والجمعية والجماهيرية.
18- الدعوة القولية والعملية والتناصحية.
19- الابتعاد عن الصراعات الهامشية، والانتصار للذات.
20- بث روح الأمل في الشعب الجزائري، ودعوته للتخلص من غشاشـة اليأس والقنوط، التي غرسها الاستعمار الفرنسي في نفسية الشعب الجزائري، وتصحيح التصورات والأفكار والرؤى والمعتقدات والقيم حيال أمهات القضايا العقدية والروحية كتصحيح الفهومات الخاطئة حول عقيدة القضاء والقدر والجبر والاختيار .
وبهذه الوسائل والأساليب والطرق المتنوعة استطاع الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- أن يؤسس لطليعة الحركة الإصلاحية العربية الإسلامية السنية والسلفية الأصيلة في الجزائر، التي أوشكت على الضياع التام من حياض العروبة والإسلام، وأوشكت أن تكون أندلس ثانية وفلسطين ثالثة، كما كان يتخيلها شياطين الاستعمار والاستيطان الفرنسي يومها.
7 – السيد النورسي وآليات ووسائل المواجهة النورسية:


كانت حياته -رحمه الله- سلسلة من التضحيات الجسام، محاولة منه لإنقاذ دولة الخلافة. ثم هي سلسلة من الابتلاءات والمحن والآلام والمكابدات القمعية.. التي عاناها من جبروت وقمع الكماليين، الذين قطعوا صلة تركيا بالإسلام والمسلمين، تحت شعارات مختلفة كالقضاء على الرجعية والرجعيين ( ). وتنقسم حياة الشيخ بديع الزمان النورسي الدعوية والفكرية إلى المراحل الثلاثة التالية:
1 – المرحلة الأولى: (1873-1926م/1293-1343هـ)، وهي مرحلة الولادة والنشأة والتعلم والتربية والتكوين والجهاد العسكري.

2 – المرحلة الثانية: (1926-1950م/1343-1368هـ)، وهي مرحلة المجاهدة والمكابدة والمعاناة من قمع الكماليين. وفيها ظهرت رسائل النور إلى الوجود لأول مرة.
3 – المرحلة الثالثة: (1950-1960هـ/1368-1379م)، وهي المرحلة الأخيرة التي أثمرت فيها رسائل النور وجماعة النور، وكابد فيها الشيخ أعظم المكابدات من النظام الأتاتوركي القمعي.
ولكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث طبيعتها، ونوعية نشاطاتها، وإنتاجها الفكري والدعوي (). غير أنها كلها تشترك في رسائل النور التي وعى بها الشعب التركي الذي تعرض للتغريب والمسخ والتشويه فحفظ برسائله النورية تلك الإسلام في تركيا العلمانية، ووقف سدا منيعا ضد كل المحاولات التغريبية والعلمانية حتى قيض الله لتركيا الحديثة أن تنهض بمشروعها الحضاري الإسلامي المعاصر.
وتميزت رسائل النور بالمميزات التالية:
1 – أستاذية ومرجعية القرآن الكريم وحده دون سواه من المصادر والمراجع الأخرى.
2 – إبراز القرآن الكريم بصفائه ومعانيه الحقيقية الصادقة.
3 – تجردها وموضوعيتها التامة في إبراز معاني القرآن، وتجرد وإخلاص الشيخ سعيد.
4 – استجابة القرآن لحاجات وضرورات وتطلعات الناس، زمانا ومكانا وكيانا وإمكانا.
5 – الإيجابية والحركية والفاعلية في البرهنة والتدليل والإثبات.
6 – مخاطبة جميع أبعاد الإنسان (العقل، الروح، الوجدان) دون إهمال لمتطلبات الحياة.
7 – العمل بالحديث والسنة.
8 – محاولة التأثير في سلوكات الإنسان الذي يطلع عليها.
9 – استهانتها بالصعوبات والعقبات والتحديات، وإيجاد الحلول للتعامل معها.
وبعد.. فهذا هو الشيخ (بديع الزمان سعيد النورسي).. وهذه تجربته الدعوية القاسية والمتميزة.. وهذه هي حياته الدينية والروحية والحياتية.. كلها جهاد، ومعاناة، ومآس في سبيل الله.. حياة.. كلها تشريد، ونفي، ومطاردة في سبيل دين الله.. حياة.. كلها دعوة، وتنوير بدين الله.. حياة.. كلها عزوف عن الدنيا، وإقبال على الآخرة.. ولهذه الدعوة عاش سعيد.. ومن أجلها تعذب.. ولها قضى نحبه.. فليرحمه الله في الخالدين.
وها هي تركيا اليوم تتقدم في عالم الاقتصاد والمال والسياسة والفكر.. ويتطور ويتقدم فردها ومجتمعها بعودة تمسكه بالإسلام وبشريعته الغراء، في ظل نظام ديمقراطي تعددي متميز، يمكن أن يكون منارة لكثير من الشعوب العربية والإسلامية المتخلفة، ولتصبح تركيا اليوم القوة الاقتصادية الرابعة عشرة في العالم.

أستاذ الدعوة والإعلام (جامعة الحاج لخضر – باتنة 1 –)والفكر الإسلامي الحديث والمعاصر/ كلية العلوم الإسلامية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com