الرئيسية | وراء الأحداث | جرائم لا تغتفر ومقاومة لا تقهر!

جرائم لا تغتفر ومقاومة لا تقهر!

أ. عبد الحميد عبدوس/

لم تصبح ردود الفعل الأمريكية والأوروبية غريبة على الفلسطينيين ولا على الشعوب العربية والإسلامية، فكلما ازدادت المجازر الصهيونية وحشية وضراوة وإيغالا في سفك الدم الفلسطيني سارعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة والناطقون باسم الاتحاد الأوروبي إلى الإعلان بأنهم متضامنون مع إسرائيل ويؤيدون «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وكأن الشعب الفلسطيني الذي يغتصب ما تبقى من أرضه، وتنتهك مقدساته في المسجد الاقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهدم منازله في غزة والضفة الغربية وتتواصل محاولات استيلاء المستوطنين اليهود القادمين من مختلف بقاع العالم على منازل العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح بالقدس وطردهم منها، ليس له حق الدفاع عن نفسه والاعتراض على انتهاك مقدساته من طرف العدوان الصهيوني، الذي يقتل الفلسطينيين بالسلاح الأمريكي الفتاك الذي ينتهك في استعماله حتى القوانين الأمريكية حسب ما يرى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي يؤكد «أن المساعدات الأمريكية العسكرية المقدمة إلى إسرائيل تنتهك قانون ليهي، الذي يحظر المساعدات العسكرية للوحدات المتورطة في انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان». ورغم أن الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية ند برايس اعتبر في حوار مع قناة (الجزيرة) القطرية أن قضية الشيخ جراح كانت هي السبب في اندلاع المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، يرى أن العدوان الصهيوني الإرهابي على الفلسطينيين «لا يشكل مبالغة كبيرة» من طرف إسرائيل في ردها على الهجمات الصاروخية التي تشنها حركة حماس، أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ارتكبت بلاده في مثل هذا الشهر من عام 1945 مجازر وحشية ضد الشعب الجزائري يندى لها الجبين، فيدعي أن «حماس وغيرها من الجماعات الإرهابية تعرض شعب تل أبيب للخطر وتضر بأمن إسرائيل».
الحقيقة أنه كلما اشتد عود المقاومة الفلسطينية وتجلى مخزون إيمانها وصلابة إرادتها وتنامي قدرتها كلما افلحت في إسقاط زيف الشعارات الكاذبة لقوى الاستكبار الغربي المتبجحة بالدفاع عن قيم الحضارة وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
ربما نجحت إسرائيل في تنغيص فرحة الفلسطينيين بعيد الفطر المبارك، وتمكنت من إلحاق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات في الطرف الفلسطيني، ولكنها لم تنجح رغم قدراتها العسكرية الهائلة وتواطؤ القوى الدولية الإمبريالية مع عدوانها وانبطاح الأنظمة العربية المطبعة أمام عجرفتها وعربدتها العسكرية، في كسر إرادة المقاومة الفلسطينية التي لم تكتف بالصمود والمغالبة ولكنها نقلت الرعب إلى أوساط المعتدي الصهيوني، وسجلت بطولات خارقة وقدرة قتالية غير متوقعة ووحدة وطنية مبشرة بنصر قريب.
لم يتعلم الصهاينة من دروسهم السابقة في مواجهتهم مع المقاومة الفلسطينية، ففي 2008 في عهد حكومة إيهود أولمرت بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي هجوما شاملا على غزة بدأ في 27 ديسمبر 2008 تمت الهجمات الإسرائيلية بالصواريخ والطائرات ثم في 3 جانفي2009 بدأت القوات البرية بالتقدم داخل غزة، وتم الهجوم البري بأعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين العاملين والاحتياطيين مدعومين ببوارج حربية ودبابات ومدفعية وسلاح الطيران، كما استخدمت إسرائيل في حربها القذرة على غزة أسلحة محرمة دولياً كالقنابل الفسفورية وقنابل اليورانيوم المنضب بغرض القتل والترويع وارتكاب أبشع الجرائم ،لقد دخل المحتل الإسرائيلي قطاع غزة بنية القضاء على حركة «حماس»، ولكن المقاومة لم ترفع الراية البيضاء، وردت بقصف المستوطنات بعشرات الصواريخ محلية الصنع وفي 18 جانفي 2008 توقفت المعركة بعد ثلاث أسابيع من الحرب المدمرة التي خلفت 1328 شهيداً أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ والصحفيين وأعضاء الطواقم الطبية و5450 جريحا وتهديم العديد من المنازل والمدارس والمستشفيات والمقار الحكومية في الجانب الفلسطيني، وفي الجانب الإسرائيلي اعترف بمقتل 13 إسرائيليًّا منهم 10 جنود وإصابة 300 آخرين، إلا أن المقاومة أكدت أنها قتلت أكثر من 100 جندي، وأعلنت المقاومة عن إطلاقها أكثر من 1500 صاروخ وقذيفة على أهداف إسرائيلية خلال تصديها للعدوان، وخرجت بنصر معنوي من معركة الفرقان جعلها تصبح رقما أساسيا في المعادلة الفلسطينية، وإن كان بعض المحللين يرون أن جهود الوساطة عام 2008 أخطأت عندما انتهت إلى فرض وقف لإطلاق النار سمح للإسرائيليين بالعودة مجدداً إلى أعمالهم كالعادة وترك الحصار على غزة والظروف غير المحتملة المرافقة له على حالها، مما أدى إلى المزيد من القتال والدماء.
أما في عهد رئيس الوزراء الحالي المجرم بنيامين نتنياهو فقد خاضت المقاومة الفلسطينية أربع حروب مع المحتل الصهيوني ،كانت الحرب الأولى هي التي دارت من 14 إلى 21 نوفمبر2012 والمسماة من الجانب الإسرائيلي «عمود السحاب» وهي عبارة اصطلاحية من التوراة متعلقة بضياع اليهود في صحراء سيناء 40 عاما زمن سيدنا موسى، ومعناها المجازي «العقاب السماوي»، فيما اختارت المقاومة عبارة «حجارة سجيل»، اسما للمعركة وهي ذات دلالات دينية إسلامية ترمز للعقاب الإلهي للقوة الغازية لبيت الله الحرام بقيادة أبرهة الحبشي زمن ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم . فقد أسفرت وقائعها عن 155 شهيدا ومئات الجرحى من الجانب الفلسطيني. وفي الطرف الآخر قتل 6إسرائيليين، وأصيب 240، كما تم تفجير حافلة في تل أبيب، مما أسفر عن إصابة 28 إسرائيليا، ورغم تميز حرب 2012 بدخول نظام القبة الحديدية حيز الخدمة في إسرائيل في منتصف عام 2011 م والذي كانت إسرائيل تزعم أنه غير قابل للاختراق، فقد استطاعت المقاومة الفلسطينية إطلاق أكثر من 1456 صاروخا على إسرائيل وأصابت مدناً مثل أشدود.
وفي الحرب الثانية التي امتدت من 7 جويلية إلى 26 أوت 2014 التي سمتها إسرائيل بعملية «الجرف الصامد» واطلقت عليها المقاومة الإسلامية اسم « العصف المأكول» أو «البنيان المرصوص» فكانت حصيلتها في الجانب الفلسطيني 174 2 شهيدا 81% منهم مدنيون (7431) و 870 10 جريحا، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء، وفي الجانب الإسرائيلي 72 قتيلا 91 % منهم عسكريون (66)، وأسر جنديين إسرائيليين وإصابة 2522 بجروح، بينهم 740 عسكريًا، حوالي نصفهم باتوا معاقين.
وأما الحرب الثالثة فقد امتدت من 11 إلى 13 نوفمبر 2018 اندلعت عقب اكتشاف المقاومة الفلسطينية قوة إسرائيلية خاصة كانت تحاول التسلل إلى خان يونس جنوب قطاع غزة، ما أدى إلى مقتل قائد الوحدة الإسرائيلية وإصابة نائبه، بينما ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 14 شهيدا.
والحرب الرابعة هي التي مازالت أحداثها مشتعلة إلى حد كتابة هذه الأسطر (الجمعة 14ماي 2021)
كان مدى الصواريخ الفلسطينية في 2012 لا يتجاوز 50 ميلا أما في الحرب الحالية (2021) فقد أطلقت المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة ألاف الصواريخ منها صاروخ عياش الذي يبلغ مداه 250كلم.
لا شك أنّ القصف الصهيوني الهمجي على غزة وإطلاق الرصاص الحي على جماهير المتظاهرين الفلسطينيين العزل في بقية المدن الفلسطينية قد تسبب في كوارث إنسانية واقتصادية في اوساط الفلسطينيين، ولكنه شحذ إرادة المقاومة الفلسطينية لجعل العدو الصهيوني يخسر أمله في العيش بأمان وتحقيق حلمه في الاحتفاظ بالأرض والسلام معا. وإذا أقدمت إسرائيل على مواصلة مغامراتها العسكرية الفاشلة مستقبلا ضد المقاومة الفلسطينية فإن الأسوأ والأمر سيكونان في انتظارها، لان المقاومة تزداد قوة وامتلاكا لوسائل الدفاع عن نفسها وشعبها، رغم طوق الحصار المستمر على قطاع غزة منذ قرابة 14 سنة وشعار المقاومة في مواصلة الصمود والتصدي في وجه العدوان الصهيوني هو قول الله تبارك وتعالى في الآية 104 من سورة النساء {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما}.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فجــــر النصـــــر الفلسطــينـــي

أ. عبد الحميد عبدوس/ في صبيحة يوم الجمعة 9شوال1442 هـ الموافق 21ماي 2021 لاح فجر …