الرئيسية | مساهمات | مأساة 8 ماي 1945 في الشعر الجزائري

مأساة 8 ماي 1945 في الشعر الجزائري

أ / الأخضر رحموني/

تحت شعار (الذاكرة تأبى النسيان) يحيي الشعب الجزائري هذه السنة الذكرى 76 لمجازر 8 ماي 1945 الرهيبة، والتي تعتبر من أبشع الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها الاستعمار الفرنسي، في وقت تساهم الأقلام المخلصة من أبناء هذا الوطن الحبيب في كتابة تاريخها الصحيح. وحتى لا تنسى صور هذه الملحمة التاريخية الكبرى التي اختلطت فيها الدموع بالدماء، ارتأينا الوقوف وقفة قصيرة مع بعض الشعراء الجزائريين الذين خلدوا الأحداث الأليمة في نتاجهم الشعري، للبرهان على أن الأديب قد واكب مسيرة الثورة المباركة، وتفاعل بقلمه وجدانيا، وعبر عن وحدة المشاعر والأحاسيس التي تربطه بشعبه، وأنها خير شاهد على مشاركة شعبه طموحاته وآلامه.

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من الأسماء التي شاركت في التأريخ لهذه الأحداث الدامية وصورها بدقة تعبيره وجمال بيانه، له مقالات عديدة وقصيدة نشرت بجريدة البصائر- لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- في سلسلتها الثانية، فكلما حل يوم ثامن ماي تعود ذاكرة الشيخ الإبراهيمي إلى الوراء، تلتقط بلوعة وأسى مأساة هذا اليوم المشؤوم، يسجل ما حدث فيه من مآس ومذابح عاشها معايشة شعورية حتى لا تنسى الأجيال القادمة ماضيها المشع، ولتبقى الذكرى نبراسا ينير لها الطريق نحو الهدف المنشود و تتوارثها الأجيال المتعاقبة، كيف لا وهو الذي تم أسره بمدينته سطيف وزج به في السجن مع رجالات جمعية العلماء والحركة الوطنية منهم السياسي فرحات عباس يقول: (يا يوم، لك في نفوسنا السمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تنسى، فكن من أية سنة شئت، فأنت يوم 8 ماي وكفى، وكل ما لك علينا من دين أن نحيى ذكراك، وكل ما علينا لك من واجب، أن ندون تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان في النفوس).
كما وصف هذا اليوم المشؤوم قائلا: (يوم مظلم الجوانب بالظلم، مطرز الحواشي بالدماء المطلولة، مقشعر الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السماء بأرواح الشهداء، خلعت شمسه طبيعتها، فلا حياة ولا نور، وخرج شهره عن طاعة الربيع، فلا ثمر ولا نور، وغبنت حقيقته عن الأقلام فلا تصوير ولا تدوين).
والقصيدة عبارة عن أرجوزة رباعية المقاطع، ضمنها الشيخ الإبراهيمي فكرته السابقة، يوم الثلاثاء ثامن ماي يتذكره المرء في الغدو والرواح حتى في الليل الدامس عندما يزوره طيفه،فإن الكرى يهجره، كيف لا وأحزانه عميقة تسكن الأحشاء والأسى يبكيه:
ذكراك يا يوم* تحز في الأحشا
إذا أقبل القوم * وحش تلا وحشا
ذكراك يا يوم * لا تأتي حوما
تعتاد في النوم * فتطرد النوما
يا يوم ذكراك * لم تبرح البالا
لو طاف مسراكا* بالليث ما صالا
في مثل هذا اليوم أرادت الجماهير الجزائرية مشاركة فرنسا فرحة الانتصار على ألمانيا الغازية وحلفائها بعد الحرب الكونية الثانية (1945-1939)، خاصة وأنها وعدت الأحزاب السياسية بمنح الاستقلال للشعب الجزائري مقابل مساعدتها والمشاركة في الحرب ضد ألمانيا، كان لها ما طلبت لكن بدل الاستجابة لوعودها المعسولة نكثتها في آخر لحظة، وحصد رصاص غلاة المستعمرين 45 ألف من خيرة أبناء الوطن. ويصدق هنا شطر البيت الشعري – وإذا أكرمت اللئيم تمردا –هذا ما نلمسه في قول الشيخ الإبراهيمي وهو يعبر عن الكارثة:
ريع الحمى فيكا * والأهل في غفلة
لم يعف عافيكا * طفلا ولا طفلة
ساقت لهم نصرا * جازوه بالكسر
كمن فدى الأسرى * فبات في الأسر
زرعت أحساكا * منبتها الصدر
فكيف ننساكا * إنا إذن غدر
الشاعر أحمد بن ذياب يتفق مع الشيخ الإبراهيمي على أن ثامن ماي لا تستطيع ذاكرة الشعب نسيان بشاعته، ويتمنى أن لا تحل ذكراه، لأنّها كالضيف الذي تستثقل المجالس حضوره بينهم، لما تركه من آثار أليمة لا تزال منقوشة على جبين الدهر، وحتى لا تنكأ الجراح العميقة من مرة أخرى:
يقولون (ثامن ماي) غداوذكراه لا تمحى أبدا
له في الجزائر وجه كريهوظل ثقيل طويل المدى
يذكرها فتكات اللئاموهم يحشرون إليها الردى
مآس تجاوز أفق الخيالويغدو النهار بها أسودا
كما أن ثامن ماي يذكر الشاعر ابن ذياب بقافلة الشهداء الأبرار الذين سقطوا في ميدان الشرف برصاص الغدر والخيانة، ذنبهم الوحيد أنهم خرجوا في مظاهرات سلمية تطالب بالاستقلال وتقرير المصير كباقي شعوب العالم، كما وعدوا، وعندما كشفت فرنسا عن قناعها المزيف، تأكدت الأحزاب الوطنية من عدم جدوى النشاط السياسي والطرق السلمية المتبعة من خطب ولوائح مطلبية، وحتى عقد مؤتمرات، وأن الوسيلة الصحيحة لنزع الحرية من يد الاستعمار هي قوة السلاح وطريق الثورة الشعبية، يقول:
أثامن ماي عليك السلامعلى الشهداء الضحايا الكرام
على الأبرياء الذين هوواوهم يحسبونك عيد سلام
أتوك بآمالهم ينشدوننشيد الأخوة بين الأنام
يلوكون ما كرر الحلفاءسماسرة السوق سوق الكلام
يقولون نحن حماة الضعيفدعاة الإخاء ورسل الوئام
يقف الشباب دوما في طليعة، وخلال هذه الأحداث الأليمة قدم المثل الرائع في التضحية والفداء، الشاعر عز الدين ميهوبي في قصيدته (نطق الدهر) يذكره ثامن ماي بطولة وشجاعة أول شهيد سقط في قلب مدينة سطيف خلال هذه المظاهرة، إنه الشاب (بوزيد سعال) المنخرط في صفوف الكشافة الإسلامية، حيث أطلقت عليه الشرطة الفرنسية نيران رصاصها لا لذنب اقترفه، سوى أنه رفع علم بلاده عاليا ليعانق الشمس، بعد أن سئم البقاء مطويا. وإن غاب وجه الشهيد –سعال – عن الوجود، فإن كل مشارك في المسيرة تقمص دوره وتحول في لحظة غضب إلى –سعال – جديد، وبقيت المظاهرة السلمية رغم البطش ومحاولات تفريقها بعنف ،تواصل سيرها بعزيمة وتحدي، وقودها دماء -بوزيد سعال- وإخوانه من شهداء الواجب المقدس، في مدن: سطيف و خراطة وقالمة وعين الكبيرة وغيرها من القرى الجزائرية، رفعت الأعلام الوطنية، واللافتات كتبت عليها مطالب الجزائريين في التطلع للحرية والسلام وإطلاق سراح السجناء وهتفت الحشود بحياة الجزائر:
ومضى (سعال) يطوي الموت فجرامثلما الصقر طوى بيدا قصايا
مزقوا وجهك في مليون عينفغدا كالحلم في ليل الفتايا
صلبوا عينيك سعال ولكن.بقيت عيناك تستجدي المطايا
خرجوا والراية الحبلى تنادي:لن تصير الأرض ملهى للبغايا
الشاعر الجزائري الكبير محمد العيد آل خليفة في قصيدته (لا أنسى) لم يستطع نسيان الذكرى، ولا كتمان همومه وآلامه الدفينة، لأن جراحات ثامن ماي العميقة لا تندمل بمرور الزمن، يقول في ثورة نفسية متأججة:
أأكتم وجدي أو أهدئ إحساسيو(ثامن ماي) جرحه ما له آسي
تمر الليالي وهو يدمي فلم نجدله مرهما منهم سوى العنف والباس
إذا ما رجونا برأه ثر دافقابأحداث سوء وقعها مؤلم قاسي
وعود المستعمر الدخيل كذبتها جرائمه الشنيعة في حق أبناء الجزائر، فمن هدم للبيوت الآمنة، وتشريد للسكان في الصحاري، ساق الأبرياء الى السجون والمحتشدات دون مراعاة للسن أو الجنس:
فظائع (ماي) كذبت كل مزعملهم، ورمت ما روجوه بإفلاس
ديار من السكان تخلى نكايةوعسفا، وأحياء تساق لأرماس
وشيب وشبان يسامون ذلةبأنواع مكر لا تحد بمقياس
ومعتقلات في العراء مبيدةعليها لصوص في ملابس حراس.
النساء لم تسلمن من جبروته واضطهاده، أمامهن ينزع المحتل إنسانيته المزعومة، ويتحول الى أسد هصور يحلو له تعذيب فريسته وإذلالها، وسرق المجوهرات والحلي الثمينة، ولا يتوانى حتى في هتك الأعراض الطاهرة الشريفة:
وغيد من البيض الحسان أوانستهان على أيدي أراذل أنكاس
ويسلبن من حلي لهن مرصعبكل كريم من جمان وألماس
وينكبن في عرض لهن مطهرمصون الحواشي، ىطيب العرف كالآس
فيا لك من خطب تعذر وصفهفلم تجر أقلام به فوق أطراس.
ثم يخاطب الشاعر محمد العيد المستعمرين بدعوتهم لاحترام أنفسهم، وعدم تشويه وجه الحياة وتدنيسها بالمظالم والأعمال الحقيرة، وقتل الأنفس البريئة بغير حق، مؤكدا على أن الجزائريين جبلت نفوسهم على الانشراح أمام الشخص الذي يحترم كرامتهم، في الوقت نفسه فإن قلوبهم تقسو قساوة الحجارة على كل غاز مستبد، وإن حاول مراوغتهم وكسب المودة بطرق خبيثة ملتوية:
فيا أيها المستعمرون تنزهواولا تسموا وجه الحياة بأرجاس
ولا تطمعوا أن تستلينوا قلوبنافتلك قناة لا تلين لجساس.
وفي الأخير يتوجه الى شعبه الأبي الأعزل والقوي بإيمانه، داعيا إياه الى طرح صور القنوط واليأس حتى ولو تجرع من كأس المرارة، مع مطالبته بالتحلي بالصبر وزرع بذور الأمل، لأن تباشير فجر الخلاص من الدخيل تلوح في الأفق القريب:
ويا أيها الشعب المروع لا تضقبدنياك ذرعا واطرح خلق اليأس
وقل للذي آذاك: لا وصل بينناوموعدنا العقبى، فما أنا بالناسي.
ثامن ماي يعتبر بالنسبة إلى الشاعر أبي بكر مصطفى بن رحمون بركانا انفجر في الوقت المناسب، لم ينحصر في بقعة جغرافية ضيقة، بل تجاوزت حمم أصدائه التصور، ووصلت الى أغلب مدن الشرق الجزائري، وتناقل من حضره أخبار المشاهد الدرامية الأولى للفجيعة:
دوت كعصف الرعد في الآذانوتفجرت في الشرق كالبرهان
منها الجزائر لا تسل عن وقعهاعما تكابد من أسى وتعاني.
من المواصفات التي يجب أن يتحلى بها الحكم عندما تطرح أمامه قضية من القضايا هي العدل والإنصاف في الأحكام، غير أن الحكم الفرنسي الذي رفعت إليه شكوى الشعب الجزائري المقهور، عكس الآية المعهودة، فبدلا من الوقوف إلى جانب الحق مع مطالب المظلوم، راح يبرئ ساحة المعتدي بدعوى أن الانتصار الشكلي على شعبنا الأعزل، ما هو إلا نصر آخر يضاف الى سلسلة انتصارات فرنسا على ألمانيا وحلفائها، يقول الشاعر ابن رحمون:
يا أيها –الحكم – الفخور ببغيهمأكذا مواساة الجريح العاني
أيكون عتبكم على سفهائكمتبرير ما اجترحوه من عدوان
وترون إثمهم انتصارا فاتكمأن تكسبوه على بني – جرمان-
وترونه إن قام ينشد حقهأهلا لكل مذلة وهوان.
الشاعر الشهيد الربيع بوشامة كانت له المشاركة الفعالة في أحداث 8 ماي 1945 بمدينة خراطة، بسببها زج في السجن ومكث به مدة تسعة أشهر، ذاق خلالها العذاب الشديد، وعند حلول الذكرى الرابعة وقف والألم يعصر قلبه ليتأسف على منظر ماي الذي تحول بجرائم جنود الاستعمار من شهر ربيعي هادئ إلى شهر للتشاؤم والظلم:
يا –ماي – قد ظلموك حقا مثلماظلموا الضعاف و شوهوك بذام
وكسوك ثوب المجرمين إهانةمقصودة لسنائك البسام
ما كنت أهلا للفجائع و الأذىلولا هوى في دولة الأقوام
ورموك من بين الشهور بوصمةشوهاء، تبقى سبة الأعوام.
وراح في بداية وقفته، يناصب شهر ماي العداء ويرسل اللعنات و يرميه بالقبح، لأنه أصبح شهر الفجائع والأهوال:
قبحت من شهر مدى الأعواميا ماي كم فجعت من أقوام
شابت لهولك في الجزائر صبيةوانماع صخر من أذاك الطامي
وتفطرت أكباد كل رحيمةفي الكون حتى مهجة الأيام
تاريخك المشؤوم سطر من دمومدامع في صفحة الآلام.
ثمّ يثور لدعوة ماي ومن خلاله شعبه الأسير لفك القيد والثورة على الأعداء:
يا ماي مالك واجما لم تنتقمأو ما سقاك الظلم أسوأ جام
يا ماي إنا في انتظار حكومة فمتى يساق الظلم للإعدام
واسأل يد الجبار عاجل نقمة للظالم المستهتر الهدام
عجل لهذا (الغرب) من رب السما بقواصم مجتاحة وغرام.
حفظ الشعب الجزائري الأعزل الدرس، وما تلقاه في صمت من رسائل الشعراء ودعوتهم للتمرد والانعتاق، فاستعد خلال تسعة أشهر بالتخطيط والتدريب حتى فجر ثورته العملاقة في الفاتح من نوفمبر 1954، وناضل بإرادة صلبة حتى تكللت جهوده بالنصر والحرية، ودحر العدو البغيض من أرض أجداده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حـــــرب الـــذاكرة بيـــن الجــزائـــر وفرنســــا، ومــواقـــف قـــادتهـــــا فرانســــوا ميتــران «الاشتـراكــي» نمــوذجــا

باريس/سعدي بزيان/ كثر الحديث في المدة الأخيرة وعبر الصحف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وأدلى …