رمضانيات

الصيام والاستغفار

أ.د/ مسعود فلوسي*

تحدثنا في المقال السابق عن الدعاء، وقلنا إنه عبادة يُطلب من الإنسان أن يمارسها في كل وقت وفي كل حين وعلى كل حال، وإن يجعل شؤونه كلها مرتبطة بهذه العبادة، بحيث يسأل الله عز وجل في كل شأن التيسير والتوفيق والتسديد.. من أنواع الدعاء؛ الاستغفار.. الاستغفار دعاء، ولكنه دعاء خاص، فهو طلب المغفرة من الله عز وجل.. الاستغفار مطلوب شرعا حتى بدون ذنب، فليس من الضروري أن يقع الإنسان في ذنب لكي يستغفر.
الاستغفار من الذنب يسمى التوبة، إنسان ارتكب ذنبا وعرفه وأراد أن يطلب من الله المغفرة، فهذه توبة وإنابة. أما الاستغفار المطلوب شرعا فهو طلب المغفرة من الله حتى بدون أن يكون هناك ذنب، هذا الاستغفار مطلوب من المؤمن دائما باعتباره عبادة قائمة بذاتها يأجر الله عز وجل الإنسان عليها، لماذا؟
لأن الإنسان كما قال عنه ربه عز وجل:{وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}؛ فالإنسان ضعيف، ضعيف ماديا ومعنويا، وهذا الضعف يجعله يقع في أخطاء كثيرة هي عند الله عز وجل ذنوب، ولكن الإنسان لا يعلم عنها شيئا، والإنسان ربما تقع منه أخطاء من هذا النوع في كل وقت وحين دون أن يدري أنه يرتكب ذنوبا، فلو أنه ترك الاستغفار لتراكمت عليه هذه الذنوب، ولذلك شرع لنا ربنا سبحانه وتعالى الاستغفار حتى نمحو هذه الذنوب وحتى يمحو الله عز وجل عنا هذه الذنوب الصغيرة التي لا ننتبه إليها ولا نعرفها.
يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}، هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرتكب ذنوبا بالمعنى الذي نفهمه نحن؟ هل هذا معقول؟ فكيف يكون معصوما إذن؟ هو معصوم عن الذنوب، ومع ذلك يأمره الله عز وجل باستغفار ذنوبه {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}، فأي ذنب يستغفر منه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هو هذه الذنوب التي لا يعرفها الإنسان ولا يعتبرها ذنوبا.
فمثلا، الرسول صلى الله عليه وسلم، بسبب الاضطهاد الذي كان قومه يسلطونه عليه، ربما حدثته نفسه بترك الدعوة، فمجرد خطور هذا الخاطر ودورانه في النفس قد يكون عند الله ذنبا، مع أنه ليس ذنبا فعليا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك الدعوة ولم يخضع لضغوط المشركين ولم يتسامح في شيء من دينه، ومع ذلك هو بشر، فهذه الخواطر قد تأتيه كما تأتي غيره، فيستغفر الرسول صلى الله عليه وسلم منها. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: «إنَّه لَيُغانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفِرُ اللهَ في كلِّ يومٍ مئةَ مرَّةٍ»، ما معنى يُغان على قلبي؟ أي أنه يشعر بالضيق والهم، فكل إنسان أحيانا – وبدون سبب – يشعر بالضيق، يحس بأن روحه ستزهق بدون سبب واضح، فهذا الضيق الذي نشعر به جميعا وربما كل يوم في كثير من الأحيان، هذا الضيق لا ندري سببه، ما الذي يرفع هذا الضيق؟ هو اللجوء إلى الاستغفار، وهذا ما كان عليه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحتى يدفع هذا الضيق، كان يلجأ إلى الاستغفار فيذهبه الله عنه.
الرسول صلى الله عليه وسلم تحقق له كمال الإيمان، ولا يوجد أحد بلغ مبلغه في الإيمان، فقد كان الوحي ينزل عليه وتأتيه الملائكة، وقد عرج الله به إلى السماوات العلى وأراه الآية الكبرى، فإيمانه كامل، ومع ذلك كانت تأتيه هذه الحالات، حالات الضيق، ضيق النفس والشعور بأن النفس تكاد تزهق، فكان عليه الصلاة والسلام يلجأ إلى رفع هذه الحالة بالاستغفار.
فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المصطفى وهو المعصوم وهو المحفوظ من كل الذنوب ما ظهر منها وما بطن، يأمره ربه عز وجل بأن يستغفر، وكان عليه الصلاة والسلام يستغفر، وفي حديث آخر يقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (رواه البخاري عن أبي هريرة).. إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر، فنحن أولى بالاستغفار، نحن أولى بأن نطلب من الله عز وجل في كل وقت وفي كل حين أن يغفر لنا، باعتبار هذا الأمر عبادة قائمة بذاتها، سواء كان هناك ذنب فعلي أم لم يكن هناك ذنب فعلي، فالاستغفار مطلوب بحد ذاته يتوجه الإنسان به إلى ربه كعبادة قائمة بذاتها.
هذا الاستغفار مطلوب حتى مع العبادة نفسها، فقد شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر مباشرة بعد الخروج من الصلاة، فبمجرد أن يقول المصلي: السلام عليكم، عليه أن يقول: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، فأول كلام يقوله بعد التسليم من الصلاة هو أن يستغفر الله ثلاثا، لأنه لا يدري هل تقبل صلاته هذه أم لا، ربما لم يُقبل شيء منها، ربما لم يقبل منه نصفها أو ثلثها أو ربعها.
الاستغفار، إذن، عبادة ينبغي لكل مؤمن أن يجتهد فيها دائما وفي كل وقت، كلما نسيها وجب عليه الرجوع إليها، فينبغي للمؤمن أن يجعل الاستغفار ذكرا دائما على لسانه، ولا يربطه بأوقات معينة، وإنما يجعله ذكرا يتردد على لسانه في كل وقت، فيكثر من الاستغفار ما استطاع.
وأي صيغة يستعملها الإنسان في الاستغفار فهي مقبولة، لكن هناك صيغة علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صيغة عظيمة لأنها تجمع الدين كله في بضع كلمات، هذه الصيغة سماها رسول الله (سيد الاستغفار)، فقد روى البخاري وغيره عن شَدَّاد بن أَوْسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قال: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ».
هذه الصيغة على كل مؤمن أن يحفظها ويجتهد في الاستغفار بها، لأنها جمعت بين العقيدة والعمل.
«اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»، هذا تحقيق للتوحيد، فالإنسان يعترف لله عز وجل بأنه الرب الذي خلق كل شيء، والذي يتصرف في كل شيء، والذي يرزق العباد والمخلوقات كلها في كل حين، والذي لا يندُّ عن علمه شيء، فليس هناك من يتدخل مع الله في تصريف شؤون الخلق ولا في تسيير أمور الكون. هذا تحقيق للتوحيد، وأعظم شيء في الدين هو التوحيد.
«خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»؛ العبد يعترف لربه أنه هو الذي خلقه وصنعه، هو الذي أحياه، هو الذي جعله من أهل الحياة بفضل وكرم منه سبحانه وتعالى، فهذا اعتراف بموقف العبودية.. أنا مجرد عبد، مجرد مخلوق ضعيف ليس لي أي قوة ولا حول ولا شأن، كل ذلك من الله عز وجل، هذا اعتراف بموقف الخضوع والذل أمام الرب الخالق سبحانه وتعالى.
«وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ»؛ التزام مع الله عز وجل بالسير على صراطه المستقيم، التزام من العبد بالعهد الذي قطعه على نفسه حين قال: «لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»، فهو قد قطع على نفسه عهدا ألا يعبد إلا الله، ولا يخرج عن منهج الله، ولا يحيد عن شريعة الله، فهذا تأكيد للعهد بالسير على صراط الله قدر المستطاع، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
«أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ»؛ استعاذة بالله، لجوء إلى الله، احتماء بالله من شرور النفس، والنفس تأمر بالسوء وتزين الحرام وتدفع الإنسان إلى الوقوع في الموبقات والمحرمات والمعاصي كبيرها وصغيرها. فالإنسان يحتمي بالله من شرور نفسه، ومما تزينه له نفسه سواء وقع فيه أم بقي حديثا في النفس، ما من إنسان إلا وتحدثه نفسه بالمعاصي، ما عدا من عصمه الله عز وجل، وما من إنسان إلا وتزين له نفسه كل معصية، والمعصوم من عصمه الله، ولا ينجو من شرور النفس إلا من حفظه الله، ولذلك فإن المؤمن يحتمي بالله ويفر إلى الله ويلجأ إلى الله ويتمسك بحبل الله حتى يحميه من الوقوع فيما تزينه له نفسه.
«أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ»؛ أعترف بكل ما أنعمت به عليَّ، وأنا لا شيء لولا فضلك، وما كنت لأكون لولا أن خلقتني، وما كنت لأعيش لولا ما ترزقني به، وما كنت لأستطيع أن أتحرك أو أفعل شيئا لولا الصحة والقوة التي منحتنيها، فكل ما نحن فيه من نعم هو من الله، كما قال تعالى:{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}(النحل: 18)، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(النحل: 53).
«وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي»؛ أي أن الذنب الذي أرتكبه أعترف بأنني وحدي المسؤول عنه، فالله عز وجل لا يوقع عباده في الذنوب ولا يتحمل مسؤولية ما يرتكبونه من معاص، فإذا ما وقعتُ في ذنب فأعترف بأنني المسؤول عنه، وأتحمل المسؤولية الكاملة عنه.
«فَاغْفِرْ لِي»؛ أنا أعترف لك يا رب أني أخطأت، فأنا خطاء، ولولا لطفك يا الله لكنت أخطئ بالآلاف في كل يوم، ولكني ألجأ إليك وأحتمي بك وأستسمحك مما أرتكبه من أخطاء.
«فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»؛ ماذا لو أن الله عز وجل لم يهيئ لعباده أن يتوبوا من ذنوبهم ويستغفروا منها ولم يفتح لهم باب التوبة لكي تُمحى ذنوبهم ولا تبقى في سجلاتهم، بحيث يأتي يوم القيامة بكل ما ارتكبه من سيئات دون مغفرة ويأتي كذلك بكل حسناته، لاشك أن السيئات ستكون أكثر بكثير وهو ما يعرضه لدخول النار والحرمان من الجنة، لأن من غلبت حسناته كان من أهل الجنة، ومن غلبت سيئاته كان من أهل النار، لو كان الأمر هكذا، لما دخل الجنة سوى الأنبياء لأنهم وحدهم المعصومون من الذنوب، أما بقية الناس فكلهم يدخلون النار لغلبة ذنوبهم على طاعاتهم، ولكن من فضل الله عز وجل أنه جعل الاستغفار والتوبة سببا لمحو الذنوب، فأنت من كثرة الاستغفار تأتي يوم القيامة وقد لا تجد أي ذنب في سجل أعمالك، ليس لأنك لم ترتكب ذنوبا، فقد ارتكبت فعلا ملايين الذنوب ما ظهر منها وما بطن، إلا أن فضل الله عز وجل كان عليك عظيما فيمحو ذنوبك بما تعمله من صالحات وبما تطلبه سبحانه وتعالى من مغفرته: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(هود: 114)، فكلما فعلت حسنة يمحو الله لك بها سيئات كثيرة من سجل أعمالك، ربما أنت لا تعلمها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com