رمضانياتمعالجات إسلامية

ليلة القدر … وصدقــة الفطر والعيـد

د. يوسف جمعة سلامة*/


يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ*سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
لقد شرَّف الله سبحانه وتعالى ليلة القدر بنزول القرآن الكريم فيها، وجعل لها سورة كاملة سُمِّيت باسمها، كما جعلها خيراً من ألف شهر، حيث ظهر ذلك جليًّا من خلال السورة السابقة.
من المعلوم أنّ القرآن الكريم نزل في ليلة مباركة كريمة هي ليلة القدر، التي تَمَيَّزَتْ بهذين الوصفين اللذين لم تحظَ بهما ليلة غيرها من ليالي العام كلِّه، وهما ليلة القدر كما جاء في سورة القدر، والليلة المباركة كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}.
رمضان… شهر القرآن
لقد نزل القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، قبل أن يُفْرَضَ فيه الصيام، فهو شهر القرآن قبل أن يكون شهر الصيام، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.
من الجدير بالذكر أنّ كل شيء يرتبط بالقرآن الكريم يُصبح عظيماً، فقد نزل سيّدنا جبريل – عليه السلام- بالقرآن الكريم فأصبح سيّدنا جبريل أفضل الملائكة، ونزل القرآن الكريم على سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم- فأصبح سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم- سَيِّدَ الخلق، وجاء القرآن الكريم إلى أمة محمد – صلّى الله عليه وسلّم- فأصبحت أمة محمد – صلّى الله عليه وسلّم- خير أمة، ونزل القرآن الكريم في شهر رمضان فأصبح خير الشهور، ونزل القرآن الكريم في ليلة القدر فأصبحت خير الليالي وخيرًا من ألف شهر.
إِنَّ القرآن الكريم إذا نزل في قلب الإنسان أصبح خير الناس؛ لأنّ النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم– قال: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)، وإذا نزل القرآن الكريم في حياتنا وفي يومنا يكون ذلك اليوم أفضل الأيام.
كم هو جميل أن نتحدث عن القرآن الكريم في كلّ وقت ، ولكنّ أجملها أن نتذاكر القرآن الكريم في شهر القرآن، هذا الشهر المبارك الذي زاده الرحمن تشريفاً بنزول القرآن الكريم فيه.
ليلـة القـدر خيرٌ من ألف شهر
ما فضل ليلة القدر؟ : ليلة القدر تحدثت عنها سورة بأكملها سُمِّيت باسمها، كما تحدث عنها
الرسول –صلّى الله عليه وسلّم – فقال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
هل ليلة القدر باقية أم رُفعت؟: إنَّها باقية، لقوله – صلّى الله عليه وسلّم–: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، ولا فائدة في تحرِّي ما هو مرفوع.
ما وقت ليلة القدر؟: لقد أخفى الله ليلة القدر لحثّ المؤمنين على الاجتهاد في طلبها وإحيائها بالعبادة والطاعة، وقد اختلف العلماء في وقت تحديدها حيث وردت عدة أحاديث في ذلك، منها: قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، وأرجى وقت تُلتمس فيه ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان للأحاديث الواردة، ومنها: قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، وكذلك ما رُوي عن أُبيّ بن كعب- رضي الله عنه- أنه قال: «وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ – يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي-، وَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا»، كما استنبط ذلك من عدد كلمات السورة، فقال: ليلة القدر تسعة أحرف وقد أُعيدت في السورة ثلاث مرات فذلك سبع وعشرون، وهذا ما أخذَ به الأكثرون.
إذا هيأ الله لي ليلة القدر فماذا أقول؟: إذا هَيَّأ الله سبحانه وتعالى للمسلم ليلة القدر فعليه أن يَتَّبعَ ما أرشدنا إليه رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم -، كما رُوِي عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيّ لَيلةٍ لَيلةُ القَدرِ، ما أقولُ فيها؟ قالَ- صلّى الله عليه وسلّم-: قولي: «اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كَريمٌ تُحبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
زكاة الفطر
من المعلوم أن زكاة الفطر فُرضتْ في السنة الثانية من الهجرة في رمضان قبل العيد بيومين، كما جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «فَرضَ رسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ».
* حكم مشروعيتها: شُرعت زكاة الفطر لتطهير الصائم مما يكون قد وقع فيه من اللّغو وفحش القول ونحو ذلك مما لا يليق بالصائم ولا يُفْسد صيامه، ولإغناء الفقراء والمحتاجين عن السؤال في يوم العيد.
* شروط وجوبها: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم قادرٍ على إخراجها سواء أكان صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، حُرًّا أم عبداً، كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما -: «أنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِنْ رَمَضَانَ على النَّاسِ صَاعًا مِن تَمرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أو عَبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ».
* وقتها: ووقت وجوبها إدراك جزء من رمضان، وجزء من شوال، ويجوز إخراجها من أول شهر رمضان، وَيُسْتحبّ تأخيرها إلى أواخر الشهر، والأفضل إخراجها قبل صلاة العيد ليتمكن الفقير من شراء ما يحتاجه في العيد لإدخال السرور على عائلته، لقوله – عليه الصلاة والسلام-: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ».
وداع شهر رمضـان المبارك
من المعلوم أننا سنودع بعد أيام هذا الضيف الكريم شهر الخيرات والبركات، ففيه تتضاعف الحسنات، وتكتظ المساجد بالراكعين الساجدين من أهل القرآن، وفيه يظهر التكافل الاجتماعي في أبهى صوره.
لك الحمد ربنا، ذِكْراً وشكراً، بما أنزلتَ، وبما تفضَّلْتَ به علينا من أجر الصائمين القائمين والعاكفين والرُّكَّع السّجود ، سلاماً منك ورحمة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم .
فأحسنوا توديعه بالصدقة والزكاة كما أحسنتم استقباله بالصيام والقيام، ورحم الله القائل:
وَدِّعوا يا إخوتي شهرَ الصيام بدمـوعٍ فائضـاتٍ كالغَمَـــام
وَسَلُوا اللهَ قبولاً في الختــامفالكريـمُ مَنْ رجــاهُ لا يُضـام
اللهم اكتبنا من عتقاء شهر رمضان، واكتبنا في قوائم الأبرار، واكتب لنا سعَة الحال من الرزق الحلال، ربنا وارفع الإِصْرَ عن أمة حبيبك محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، واسلك بهم صراطك المستقيم ليكونوا من الذين أنعمتَ عليهم، آمين … آمين … يا ربّ العالمين.
العيد… وصلة الأرحام
إِنّ العيد مناسبة مباركة ، يجمع الله بها شمل المؤمنين، حيث يتقابلون في المساجد والمُصَلَّيات والأسواق والطُرقات فيصافح كلٌ منهم الآخر ، ويتبادلون التهاني والتبريكات، ومن السُــنـَّة قولُ المسلم لأخيه المسلم يوم العيد مهنئاً: (تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ).
وفي العيد يظهر الناس وقلوبهم مُتَحَابَّة وصدورهم مُتصافية وأيديهم مُتصافحة، فتبدو أُخُوّة المسلمين كأقوى رابطة وأوثق صلة، إذ العيد في الإسلام مناسبة طيبة لجمع الشمل وصفاء القلوب، وبرّ الوالدين واجتماع الإخوة، ووسيلة للتعارف وصلة الأرحام.
لقد اهتم ديننا الإسلاميّ بصلة الأرحام وحثَّ عليها، وَأَكَّد على ضرورة المحافظة عليها والعناية بأمرها، حتى جعلها مرتبة متقدمة من مراتب الإيمان بجانب برِّ الوالدين، وجاءت الوصية بها أيضاً بعد تقوى الله عزَّ وجلَّ.
وبهذه المناسبة الكريمة يطيب لنا أن نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات من أبناء الأمتين العربية والإسلامية بقُرب حلول عيد الفطر المبارك، سائلين الله العليّ القدير أن يجعله عيدَ خيرٍ وبركة على أمتنا، كما نسأله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة أن يحفظ أمتنا العربية والإسلامية وشعبنا الفلسطيني ومقدساتنا وقدسنا من كلّ سوء، وأن يجمع شملنا ويُوَحِّد كلمتنا، إنّه سميع قريب.
هنيئًا لمن صام رمضان حقَّ الصيام وقام ليله حقَّ القيام هنيئًا لمن واظب على الطاعات والقُربات واجتنب المعاصي والموبقات هنيئًا لمن عقدَ العزم على الاستمرار في طاعة الله عز َّوجلَّ تقبَّل الله منّا ومنكم الطاعات ، وكلّ عام وأنتم بخير وصلَّى الله على سيِّدنا محمد T وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com