الرئيسية | الحـــق الـمر | ليلة مباركـــــة…

ليلة مباركـــــة…

يكتبه د. محمّد قماري/

احتفى القرآن الكريم بليلة القدر، حيث تحمل سورة من سوره اسمها (سورة القَدر)، وفي تلك السورة نقرأ تعظيمًا لشأنها، حيث تتجاوز في خيرتها بحساب الزمن (الألف شهر)، وحُقَّ لها أن تكون كذلك لأنَّها الليلة التي شهدت نزول القرآن الكريم: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؛ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»، فهي ليلة إحياء الذكرى السنويّة لحادث عظيم وقع، وينزل موكب الملائكة يقوده جبريل (الروح الأمين) في ايقاع خاشع (تَنزَّل الملائكَةُ والروح فيها)…
وهي ليلة (مباركة) لأنه برحمة من الله نزلت (كلماته) من جديد على البشر، ليهديهم إليه ويذكرهم بعهدهم الذي أخذه عليهم في الأزل «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ» (الأعراف/172)، تلك نفحة من نفحات الله الرحمن الرحيم بعباده، ولطفه ببني آدم أن ينزل عليهم من علاه ما يسدد مسيرتهم، ويذكرهم بعهدهم ويقطع حبل غفلتهم…
إنها بركة كبيرة من الله بركة الزمان (الليلة) وبركة المكان (الحرم المكي): « إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ « (الدخان/3)، وهذا هو الشعور المطلوب من المسلم وهو يدخل شهر رمضان (الذي أنزل فيه القرآن)، ويستحضر ليلة القدر (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، فالأمر لا يتعلق بالمؤمنين الأفراد وحسب، إنها مناسبة روحيّة عظيمة، يجب أن تقدرها الأمة حق قدرها، فإذا كانت الملائكة (تتنزّل) في موكب كريم، فيجب على المؤمنين أن يكثفوا مواكبهم، ويرى منهم خالقهم آيات الحمد والشكر…
وإذا كان صوم البطن عن المفطرات يذكرنا بحاجات أجسامنا المادية، فإن شهر رمضان وليلة القدر فيها تذكرنا بتلك المائدة العامرة التي تشبع جوعة الروح وتطفئ عطش الروح، إنها مائدة القرآن، ويجب أن نستحضر تلك الصور كلها ونحن نودع هذه المناسبة السنوية، مناسبة إحياء ذكرى نزول القرآن الكريم…
ليلة القدر هي تذكير بتلك (الكلمات) التي أقالت عثرة أبينا آدم وهو يتلقاها من ربه، فتاب عليه وسدد مسيرته، وهي ذات الرسالة التي نزلت على المصطفين من الأنبياء والرسل عبر تاريخ البشرية الطويل، كلما (نسوا) وحدثت الغفلة جاء التذكير رحمة الله ببني آدم، والقرآن هو الرسالة الخاتمة من السماء، وتكفل الله بحفظه نصا وكلّف أمة المسلمين بحفظه منهاجًا في حياتهم…
تلك هي أجواء رمضان الذي يغادرنا في هذه الدورة، وتلك هي أجواء ليلة القدر التي شهدت بداية نزول الكلمات على البشر، وتلك رحمة أخرى من الله ولطف بعباده أن يذكرنا في كل عام بنعمته علينا، ويذكرنا بحرمة وقدسيّة كتابه، فهو الله الخالق المهيمن العزيز الجبار، يقيل برحمته عثرات عباده ويمدهم بمصباح يهتدوا به في ظلمات المجاهيل « قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ؛ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (المائدة/16)…
لقد تبلّد شعور كثير من المسلمين، وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وفقدوا حاسة الذوق الذي يجعلهم يستشعرون معاني ذكرى نزول القرآن، وذكرى تلك الليلة المباركة التي شهدت انقاذ البشرية وهي تقف على شفا جرف النار، فجاءت كلمات الله لتصوب مسيرتها وتهدي سيرها…
والبشرية اليوم وقد ملكت من امكانات المادة، وسخرت كثيرا من قوات الكون، لهي أشد ظمأ وعطشًا لقطرات الوحي الندي الذي يشبع الأرواح الظمئة ويضبط ايقاع سير هذا الاندفاع المحموم نحو الماديات، حيث يفقد المعنى وتغيب الوجهة…
إن ليلة القدر…الليلة المباركة…تعود ذكراها كل سنة مادامت الدنيا قائمة، وهي قطعة كريمة مباركة على محور الزمن، فيها تجلت إحدى مظاهر كرم الله وحنانه ورعايته لهذا المخلوق، فهو سبحانه الذي كلم موسى تكليما، يخاطب هذه الأمة مباشرة عبر كلمات القرآن الكريم (ومن أحسن من الله قيلاً)، ذلك هو الشعور والهيبة والوقار الذي يجب أن تحمله النفوس والضمائر وهي تستعد لمغادرة ذكرى نزول الوحي، آملين من الله أن نشهد ذكريات أخرى نحييها شاكرين له أنعمه علينا، وأكبر نعمة هي هذه الكلمات…

عن المحرر

شاهد أيضاً

سليمان بخليلي…نسيج وحده

يكتبه د. محمّد قماري/ كُلُ اِبنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ *** يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ …