الرئيسية | قضايا و آراء | الحكمةُ الباديسية في ذكراها التّسعين

الحكمةُ الباديسية في ذكراها التّسعين

أ/العربي عيلان

 

مضى من تاريخ تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تسعون عاما، إلاّ أنّ الإحاطة الكلّية بتفاصيل تاريخها المجيد لم تتمّ إلى حدّ الساعة، فبعد آثارها هناك دور الأرشيف التي لم تستنطق كلّها، سواء داخل الجزائر أم خارجها، كما أنّ هناك أرشيف عائلات أبناء الجمعية، وطلبتها. فتلك الآثار وغيرها شاهدة على نماذج القدوة والحكمة، التي يمكن أن تقوم عليها المواقف الحاسمة، درأً للمفاسد وجلبا للمصالح.
فالشيخ عبد الحميد بن باديس إضافة إلى ما حباه الله عزّ جلّ به من علمٍ وتوفيقٍ، بسطَ عليه رداءً من الحكمة الجامعة لشتات الجزائريين آنذاك؛ فكان يشعر بثقل الأمانة، وحِملها، لا سيما بعد أن نصّبه إجماع الأمّة الجزائرية لرئاسة «خير جمعية أخرجت للنّاس»، كما يقول «الحسني».
لعلّ أغلب الباحثين والدارسين مرّ به مقال الشيخ عبد الحميد بن باديس المُعنون بـ:
«لمن أعيش»، الذي افتتحه بمقدّمة مختصرة؛ وضّح فيها علاقته بصفته داعية من دعاة التربية والتعليم مع المدعوّين أنفسهم، ثم رأى من الواجب عليه أن يُبيّن منهجه الإصلاحي؛ فطرح تساؤلا: لمن أعيش أنا؟ وأجاب: أعيش للإسلام والجزائر؛ فشكّل في ذهنية المخاطَب أنّه ابن للوطن الجزائري، وأخ للجزائريين، وأبٌ لأبناء الشعب الجزائري، في إطار التعاليم الإسلامية الداعية إلى وحدة الأمّة الجزائرية في نفسها، أو في علاقتها مع غيرها من الأمم، مهما اختلفت أنماط الانتماء، ومهما تفرّقت سبُل التفكير، مستدلاّ بعدّة نصوص قرآنية منها قوله تعالى في الآية 13 من سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وهذا هو بيت القصيد من هذا التذكير بهذه الذكرى، فالسّبب الرئيسي الذي جعل من الشيخ عبد الحميد بن باديس يكتب المقال المذكور آنفا هو كون آماله كانت لبناء الجزائر أكبر من الجزائر نفسها؛ كما ورد في كتاب «قسنطينة مدينة الجسور المعلّقة» لصاحبه الشيخ الطّيب عيلان، ثم يضيفُ صاحب الكتاب بصفته – شاهد عيان- أنّ الشّيخ عبد الحميد بن باديس كانت له:{محاضرة أسبوعية يلقيها كلّ يوم أحد بمدرسة التربية والتعليم، -بقسنطينة- وكانت الأحزاب السياسية تتنافس لاستمالة الشيخ إليها..، وفي يوم من الأيّام وبعد حلول وقت المحاضرة، مُنِع شخصٌ ينتمي إلى حزب .. من الدّخول، والذي منعه ينتمي إلى حزب آخر، فنشبت معركة عنيفة بين الرّجلين تطاير لها غبار الأرض، فلمّا سمع ابن باديس، وفهم الأسباب، كتب مقاله «لمن أعيش»} .
إٍي وربّي إنّه لحق مثلما أنكم تقرؤون وتكتبون، فما أحوج الجزائر للحكمة الباديسية في الذكرى التّسعين، وفي غيرها من أيّام الله، وما أحوجها لعَالم يستمدّ الرّشاد، من جمع الشتات، وما أحوجها لعَالم يعي أنّ عقبة نهضة «جزائر الاستقلال» لا تتعلّق بكينونتها، بل بسُبل بعثِ ثوابتها وِفق تطلّعات شعبها في مصاف الأمم القوية، وما ذلك على الله بعزيز.
ailanelarbi28@gmail.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

الصهيونية توحد صفوفها

أ. محمد الحسن أكيلال/ «جو بايدن» يقود الإمبريالية تعيش البشرية حاليا جوًّا مشحونا بكثير من …