الرئيسية | وراء الأحداث | مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … تمضي الذكرى وتبقى الجريمة

مجـــازر الثــامـــن مـــــاي 1945 … تمضي الذكرى وتبقى الجريمة

أ. عبد الحميد عبدوس/

حلت يوم السبت 8ماي 2021 الذكرى السادسة والسبعون لمجازر الثامن ماي 1945التي تم الاحتفال بها في الجزائر تحت شعار «الذاكرة تأبى النسيان»، و رغم أن مظاهر إحياء الذكرى في هذا العام، كانت أقل بروزا على المستوى الاحتفالي والاستعراضي من السنوات السابقة ،بسبب ما فرضته جائحة كورونا من الحد من تنظيم التظاهرات الرسمية والشعبية، إلا أن احياء الذكرى السادسة والسبعين كانت أكثر فاعلية من الناحية الرمزية في ترسيخ هذه المحطة التاريخية في الذاكرة الوطنية ، فقد اتخذ رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في العام الماضي قرارا باعتبار الثامن ماي من كلّ سنة، يومًا وطنيا للذاكرة، وإطلاق قناة تلفزيونية وطنية خاصة بالتاريخ، وهو القرار الذي يندرج في إطار تحصين تاريخ مقاومة الشعب الجزائري وإعادة الاعتبار لتضحياته.
جريمة الثامن ماي 1945 لم تكن معزولة أو متفردة في سجل الهمجية الفرنسية في الجزائر، بل كانت مخططة ومتعمدة، فغداة مظاهرة الثامن ماي 1945م أعطى حاكم فرنسا الاستعمارية الجنرال شارل ديغول أوامره الصارمة لقوات الاحتلال في الجزائر بالقول: ”استعيدوا النظام“! فتصدت قوات الاحتلال الفرنسي للمتظاهرين العزل بنيران الدبابات والطائرات والمدافع والرشاشات، وجندت قواتها البرية والبحرية والجوية لارتكاب مذابح بشعة راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شهيد، ولم يكتف المحتل الفرنسي بالتقتيل والترويع للمدنيين المتظاهرين، ولكنه قام أيضا بحل الحركات الوطنية والأحزاب السياسية الجزائرية وزج بزعماء تلك الحركات في السجون مع إعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد وإلقاء القبض على آلاف المواطنين، وإيداعهم المعتقلات بحجة أنهم خارجون عن القانون وأصدار في حقهم أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية. وللمفارقة إن كل هذه الأعمال التي تفوق في وحشيتها الممارسات النازية كانت بأمر مباشر من بطل تحرير فرنسا الجنرال ديغول، حيث قامت الحكومة العامة الفرنسية في 12 ماي1945م بالإبلاغ عن برقية أرسلها ديغول مؤكدا فيها: «رغبة فرنسا المنتصرة في عدم السماح بالمساس بسيادة فرنسا بالجزائر»، وطالب زعيم المقاومة الفرنسية باتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع كل السلوكات المعادية لفرنسا والتي تقوم بها أقلية من المحرضين ـ حسب قوله ـ وبعد هذه المجزرة التاريخية للجزائريين المنتفضين سلميا في 8 ماي 1945م أبرق الحاكم العام الفرنسي في الجزائر لقائده الجنرال ديغول يقول له: ”إن العرب خضعوا بعد إبادتهم”. وذكرت الكاتبة فرانسيس ديساني أن السفير الأمـريكي في القاهرة بانكنـي توك أخبر رئيس الجامعة العربية عزام باشا بأن هناك «45 ألف جزائري» قتلهم الفرنسيون في مظاهرات 8 ماي 1945م، مما أغضب الجنرال ديغول من هذا التصريح باعتبار ما قامت به فرنسا في الجزائر «قضية داخلية».
اليوم، ورغم صدور العديد من الشهادات والاعترافات من جنود وضباط فرنسيين كانوا شهودا على الجريمة أو مشاركين في الحدث، ومع توفر الوثائق الدامغة والحقائق التاريخية الساطعة عن مسؤولية الدولة الفرنسية عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بصورة مخططة وممنهجة ضد المدنيين الجزائريين، ورغم تغير الحكام في فرنسا فإن طبيعة الاستهتار الرسمي الفرنسي بحق الجزائر في الحصول على اعتراف واعتذار عن الجرائم التاريخية التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي طوال 132سنة، لم تتغير.
مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قصر الرئاسة في فرنسا، ظهر بصيص أمل في إمكانية التوصل إلى معالجة منصفة لملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا خصوصا بعدما صرح خلال زيارته للجزائر في شهر فيفري 2017 بصفته مترشحا لانتخابات الرئاسة الفرنسية بأن ما قامت به فرنسا في الجزائر ”هو شكل من جرائم ضد الإنسانية وأن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي، إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية»، ولكن بعد ستة أشهر من انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسا لفرنسا لحس كلامه بلا خجل ولا وجل، وصرح في نهاية نوفمبر 2017، في بوركينافاسو أن: «فرنسا اليوم لا تتحمل استعمار الأمس».
في العام الماضي (2020) استؤنفت جهود محاولات غلق جراح الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، حيث كلف الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون كلا من المؤرخين عبد المجيد شيخي من الجزائر وبنجامين ستورا من فرنسا بإعداد تقارير لمعالجة قضايا الذاكرة. لكن يبدو أن الجانب الفرنسي ما زال متمسكا بتحويل ملف الذاكرة إلى مجرد مناورة سياسية لكسب الوقت وإرضاء بعض التوجهات المتعصبة والمتطرفة في فرنسا وكسب الأصوات الانتخابية المتعاطفة معها، والتهرب من تحمل مسؤولياته التاريخية والقانونية عن جرائم قرن وثلث قرن من الاستعمار. كمثال على ذلك ما جاء في توصيات المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا الذي قام بتسليم تقريره للرئيس الفرنسي في جانفي2021 الذي تضمن22 توصية، كانت عبارة عن خطوات صغيرة أوإشارات رمزية لا ترقى إلى ما كان منتظرا منه في الجانب الجزائري، فتقرير بنجامين ستورا اعتبرته الحكومة الجزائرية على لسان الناطق الرسمي باسمها عمار بلحيمر وزير الاتصال أوضح وزير الاتصال الناطق الرسمي للحكومة عمار بلحيمر بأنه: «جاء دون التوقعات ولم يكن موضوعيا، إذ يساوي بين الضحية والجلاد وينكر مجمل الحقائق التاريخية».
فوق التعنت والانكار مازال هناك في الجانب الفرنسي من السياسيين والإعلاميين والكتاب من أصبح يطالب الجزائريين بأن يشكروا فرنسا على أنها استعمرتهم، ومن ذلك على سبيل المثال ما صدر في الشهر الماضي عن الكاتب الفرنسي، غيوم بيغو، في قناة فرنسية ذات توجهات يمينية متطرفة متخصصة في مهاجمة الاسلام والمغتربين وترويج الفكر العنصري عندما قال في مداخلته: «يجب أن نقول للجزائريين نحن الفرنسيون نفخر بأن روما استعمرتنا، يجب أن تفخروا أنتم أيها الجزائريون بأن فرنسا استعمرتكم».
وأمام هذا التبجح الفرنسي بالجريمة والرفض المستمر للاعتراف بجرائم الاستعمار، فقد آن الأوان للسلطات الجزائرية أن تعيد ترتيب أولياتها الوطنية والتاريخية مع فرنسا التي مازالت لم تنه حربها ضد الجزائر وذلك برفع التجميد عن قانون تجريم الاستعمار وإعادة طرحه في البرلمان قصد إقراره وإصداره في شكل قانون ملزم للدولة الجزائرية وشاهد على الحقيقة التاريخية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكرى الشيخ أحمد حماني: العالم المجاهد المجتهد

أ. عبد الحميد عبدوس/ مرت في الأسبوع الماضي (الاثنين 28 جوان 2021) الذكرى الثالثة والعشرون …