على بصيرة

وداعـــا .. يا رمــضــان!

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

رمضان، يا سيد الشهور، ويا مالئ النفس بالحبور ويا واهب المؤمن الأجور، وكاسب الأطفال كل السرور!
لقد آذنتْ أيامك بالرحيل، لتكف لياليك عن التكبير والتهليل، فينجح في امتحانك القليل، ويؤوب آخرون بالخيبة، والإحباط وضلال السبيل.
يا طب النفوس ودواءها، ويا بلسم القلوب وشفاءها، إنه ليعز علينا أن تغلق أبواب مصحتك ذات الاختصاصات، فتعمنا –من جديد- أمراض الشهوات، ونغرق في مصائب الفتن، ومختلف الآفات.

عهدناك المروّض للنفوس على صيغة منتهى الفضائل، فتغسل الجوارح والنفوس والقلوب، من شتى الرذائل، وتصوغ لها، من القيم، كل البدائل.
سموت بنا يا رمضان – عن الحيوانية البهيمية، التي هي لصيقة بكل انسان، فحررت الأذن من سماع اللغو والبهتان، وعلمت العين غض البصر عن رؤية مفاتن الشيطان، ونظفت اللسان من اللغو والعنف وكل أسباب النزاع والشنآن.
أبعد الشفاء من كل ما كنا نعانيه من الشرور نعود بعدك، للسقوط في ويلات البهيمية والوحشية، وما ينتج عنهما من بلايا ومن شرور؟
ستتجلى لياليك – يا رمضان- بصبح العيد، والعيد في جوهره، جلال وجمال يتجلى في اتحاد المسلمين على التهليل والتكبير، ليمتد بعد ذلك، إلى معاني الحب، والتضامن، والتسامح، بين الصغير والكبير.
ويأتي، الصوم هذه السنة، وأمتنا تخوض معركة من أشرس المعارك، هي معركة الوباء، محاطة بانتشار الداء، وشيوع الغلاء، وندرة الدينار والدواء، وتغييب الموت بسبب الكورونا، لمختلف أنواع الأحياء.
رحماك ربنا! لقد طفح الكيل، وفاض السيل، وعم الويل، فمس الضر الرأس والذيل.
إننا – في هذا الابتلاء- لا نملك إلا أن نستنجد بدروس الصوم، وما تعلمناه من قيم الصبر والثبات، والحزم، والغرم، لنتحرر من ألم المعاناة، ونتخلص من آثار الشهوات، ونتحصن بأخلاق الصوم، لنهزم اليأس والقنوط وما يحيط بالذوات.
فهل نعي الدروس، فنخرج أقوى من المحن، ونتسلح بقيم الإيمان، لنقضي على الفتن، ونتجلى بقوة الاستجابة، التي تمكننا من القضاء على التحديات، ومصائب الزمن؟
يجب أن نعمل – في زمن الحراك والعراك على توحيد صفوفنا، والتحرر مما تسلل إلينا، لإضعاف وجودنا، والمساس بوحدة شعبنا وجنودنا، والتشويش على رايتنا وبنودنا.
صحيح أن الامتحان عسير، وأن التحدي كبير، لكننا بالعزم والوثير، والإيمان الغزير والدعم القدير، لقادرون على تحقيق المقصد العسير، وهزم العدو الشرّير.
فلئن كنا مطوقين بالفتن من جميع الحدود، وتقام في طريقنا مختلف السدود، وتُكاد لنا المكائد من أعداء الجحود والكنود، فإننا نملك كل ألوان المقاومة والصمود، وإننا لقادرون، على بذل كل ما لدينا من جهود.
فقد كتب على الجزائر، أن يتكاثر أعداؤها، وأن يتضاعف ابتلاؤها، ولكن العلاج هو أن يتكاتف أبناؤها، وأن يعلو لواؤها، فيتلألأ نورها، وضياؤها.
إننا ونحن نخرج من مستشفى بجميع مزاياه وفضائله، ونستقبل العيد بما يحمل من آماله وبشائره، لنتوق إلى أن تنعكس فضائل العيدين على نفوسنا وإرادتنا، لنعيد بناء مجدنا، وعزتنا، فننطلق في رحلة جديدة نحو الحياة، فليس العيب أن نتعثر أو نسقط، ولكن العيب كل العيب هو أن نبقى ساقطين.
فيا بني وطني، ونحن نعيش المعاناة، ليكن الصوم محصنا لنا ضد كل أنواع الموبقات، وعاصما لنا من عدوانية قوى الشتات، فقد علمنا التاريخ، أن القوة لا تقاس في ساحة الزوال – بالعتاد المادي، ولكنها تقاس بقوة الحق الإنساني.
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية 249].
إننا أقوياء بقوة الإيمان، وبحقنا الثابت في الحياة، وبعزمنا وحزمنا في مواجهة الملمات، مقابل قوى الشر السائرة على غير هدى، والموزعة طرائق قددا.
فمهما اشتدت الكروب، ومهما ادلهمت الخطوب وصعبت الدروب، فإن الصبح سيهزم الغروب، وإن النصر سيعيد الحق المنهوب، ويحقق الهدف المطلوب، ويشد على القلوب.
على أننا موقنون، بأن المطلوب منا ليس الاكتفاء بالدعاء، وهو أمر مطلوب، ولكن يجب أن يعزز الدعاء باتخاذ الأسباب، والإعداد بتحصين كل الأبوب، فذلك وحده الكفيل بالمحافظة على وحدة التراث، ضد دعاة التفرقة والهدم والخراب.
إننا إذ نودع رمضان، بعيون دامعة، وقلوب خاشعة، نأمل أن يعود علينا رمضان وقد انقشعت أنواع الضباب من سماء بلادنا، وعادت البسمة والفرحة، إلى أجوائنا ورحابنا.
فوداعا، يا رمضان! يا سيد الشهور، فقد أحيينا لياليك، وتغذينا من مغانيك وشددنا الرحال لقيام صلواتك، بالعيش في محراب قيمك ومعانيك.
ويا أيها العيد الذي يأتي متهاديا وحاملا للبشرى متماديا، أقبل علينا بوجه طلق المحيا، لتمحو من محيطنا بقايا البؤس والأذية.. لقد سئمنا معاناة الوباء، ومللنا عواقب الغلاء، ومسنا الضر والبلاء، فاللهم منك الدواء، ومنك الشفاء ومنا التضرع والدعاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com