الرئيسية | الذكرى التسعون لتأسيس جمعية العلماء | شعبة تبسة: مسار حافل بالإنجازات

شعبة تبسة: مسار حافل بالإنجازات

ما ذُكرت سيرة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين العطرة بمدينة تبسة؛ إلّا وهبّت النسائم الزكية لمشاهد العلم والإيمان للمجاهد الشهيد والعالم الرباني الشيخ العربي التبسي تغمده الله بوفير رحمته، حيث ولد الإمام العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات التبسي بقرية “السطح” النموشية نسبة إلى قبيلة النمامشة جنوب غرب تبسة وتبعد عنها بنحو مائة وسبعة عشر كيلو مترا، وذلك في سنة 1312هـ/1895م.
وكانت ثمرة نشاطه العلمي في بداية عمره التحاقه بجامع الزيتونة بتونس العاصمة حيث نال شهادة الأهلية واستعد لنيل شهادة التطويع ؛لكنه لم يتقدم للامتحان، و رحل إلى القاهرة حوالي سنة 1339هـ/1920م، ومكث فيها يطلب العلم في حلقات جامع الأزهر ومكتباتها الغنية إلى غاية سنة 1927م، ثم رجع في السنة نفسها إلى تونس وحصل على شهادة التطويع العالمية.
مارس الشيخ نشاطه الديني بمدينة تبسة داعيا إلى الرجوع للدين الحنيف عقيدة وعبادة وسلوكا على المنهج القويم نابذا سُبل الغلو والتحجير، على الرغم من مضايقات المحتل الغاشم الذي كبّدَه مرارة الأسى المنتهي إلى الإعدام الأليم الأثيم، ممّا يدلّ دلالة واضحة على الحقد الدفين للمستدمر الفرنسي على رجالات الجمعية الصادعين بالحق المنافحين عن حرماته؛ إلى أن أشرقت مسيرته الدعوية بانضمامه إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد المقال المنشور في جريدة الشهاب التي أنشأها العلاّمة عبد الحميد بن باديس سنة 1343هـ/1924م، حيث نشر مقاله الموسوم بـ “أزفت ساعة الجماعة وتحرم عصر الفرد” سنة 1926م، ومما جاء فيه: “هذا العصر عطل الفرد ونبذ حكمه، وأمات مفعوله، وتجاهل وجوده، فأينما أملت سمعك أو أرسلت نظرك في الشرق أو الغرب، لم تجد إلا أمة فحزبا فهيأة منها وإليها كل شيء، فهي التي تذب عن الهيئة الاجتماعية، وتحرس الأمة في نوائب الدهر وعادية الأيام، وتغار على كرامتها وحسن الحديث عنها، وتأخذ بيدها قبل أن تغرق عند هبوب السماسم ولفح الأعاصير، وتكون لسانها الناطق بطلباتها، وحسها المتألم لألمها” حيث تحقق الأمل المنشود بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتاريخ: 05من ماي 1931م.
أهم نشاطات الشيخ العربي التبسي بعد إنشاء الجمعية:
– في سنة 1932م ألحّ عليه سكان مدينة تبسة بأن يرجع إليهم؛ فاشترط عليهم تأسيس مدرسة ومسجد فوافقوا على شرطه، فرجع وأسس “مدرسة تهذيب البنين والبنات” التي جهزت تجهيزا عصريا، وبلغ عدد تلامذتها عام افتتاحها 1934م خمسمائة تلميذ، وبجانب المدرسة بنى مسجدا جديدا لا يخضع لمراقبة الإدارة.
– في سنة 1935م تم تعيينه كاتبا عاما للجمعية خلفا للعمودي كما كان رئيس لجنة الفتوى فيها.
– في سنة 1940م انتخب الشيخ التبسي نائبا لرئيس الجمعية الجديد الإبراهيمي الذي كان منفيا في “آفلو” ، وابتدأ التدريس في الجامع الأخضر في السنة نفسها.
– وفي سنة 1942م قررت جمعية التربية والتعليم بقسنطينة نقل نشاطها الذي كان بالجامع الأخضر إلى تبسة نقلا مؤقتا ليشرف عليه الإمام التبسي عن قرب.
– بعد افتتاح معهد عبد الحميد بن باديس عام 1947م انتقل إلى قسنطينة بعد أن أسندت إليه مهمة إدارته وقد بقي على رأسه إلى يوم غلقه سنة 1956م.
– وفي نوفمبر 1950م ذهب إلى فرنسا للمطالبة بتحرير التعليم في الجزائر مع الإبراهيمي، فلما رأى حال العمال الجزائريين هناك وحاجتهم إلى التعليم، لفت الأنظار إلى القضية ودفع بالجمعية إلى تنظيم الدعوة في فرنسا.
– في سنة 1952م رحل الإبراهيمي إلى المشرق فتولى رئاسة الجمعية نيابة عنه إلى أن توقف نشاطها، وبعد غلق معهد ابن باديس انتقل إلى العاصمة لإدارة شؤون الجمعية فيها وما بقي من مدارسها ومساجدها، واستأنف دروس التفسير للعامة في مسجد “حي بلكور” الذي كان يكتظ بالمستمعين على الرغم من ظروف الحرب.
– وأمام تصلب موقفه المعادي للاستدمار وبعد فشل كل محاولات إسكات صوته، اقتحمت فرقة من المظليين من الجيش الفرنسي منزله ليلا، يوم الخميس المصادف لـ 04 من أفريل سنة 1957م، واقتادته من فراشه بوحشية دون مراعاة كبر سنه ومرضه إلى وجهة مجهولة،وذكرت جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين يومها، أن الجنود الفرنسيين اقتادوا “الشيخ حاسر الرأس حافي القدمين، والمفاجأة كانت في اليوم التالي عندما سئل عنه في الإدارات الاستدمارية حيث تبرأت كلها من وجوده عندها أو مسؤوليتها عن اختطافه”،اختفى الشيخ العربي التبسي من يوم اختطافه، ولا يزال قبره مجهولا لغاية اليوم. ومن أشهر الروايات على اغتياله، أن السلطات الاستدمارية، وضعته في قدر معبئة بزيت السيارات والإسفلت، ووضع على النار لدرجة الغليان وخير بين وضعه داخل القدر أو التراجع عن دعم الثورة، فاختار الشهادة رحمة الله تعالى عليه.
نشاطات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة تبسة:
كانت بدايات الجمعية ونشاطاتها بمدينة تبسة محتشمة لم ترق إلى المستوى المطلوب واللائق بحجم الجمعية وسمعتها العلمية والدينية، حيث ألقيت عدة محاضرات بالمدينة، ومارس أعضاؤها عدة نشاطات دعوية وعلمية؛ إلّا ان الركود العلمي والثقافي بالمدينة لم يهيء لها الأرضية المناسبة للانطلاقة الحميدة والمباركة المنشودة، إلى أن تم اعتماد المكتب الولائي المؤقت بتاريخ: 23من فيفري2021م، فكانت هذه الانطلاقة الجديدة بادرة بركة وأنس للمدينة وابتدأت نشاطاتها في جوانب عدة أهمها:
– الحصول على مقر بالإيجار للمكتب الولائي للجمعية بحي 150 سكن بمدينة بئر العاتر.
– اعتماد شعبة الجمعية في مدينة بئر العاتر بتاريخ: 10من مارس 2021م.
– تحفيظ القرآن الكريم لجميع الأعمار ابتداء من 08 سنوات رجالا ونساء.
– إشراف د.الربعي عمير على إلقاء دروس الفقه والسيرة النبوية؛ لتمكين التفقه في الدين على مذهب الإمام مالك رحمه الله، ورفع الجهل عن الأمة، وعلى وجه الخصوص ما مست الحاجة إليه من الضروري فيه.
– فتح ركن فتاوى وأحكام على منصة الفايسبوك ،للإجابة عن استفسارات وانشغالات سكان الولاية، يشرف عليه كل من فضيلة د.حمزة رابح و د.الربعي عمير.
– دورة طبية للنساء عموما والحوامل على وجه الخصوص، حول أمور مهمة مثل :
– التغذية الصحية عند المرأة الحامل ورضيعها.
– القولون العصبي ،أسبابه والوقاية منه.
– الفيتامين د والكالسيوم ،أعراض الانخفاض ،وتجديد المخزون.
– الإمساك ،أسبابه والوقاية منه ،وذلك بتأطير ثلاث طبيبات على مستوى مقر المكتب الولائي بمدينة بئر العاتر .
– تكريم الأوائل على مستوى سبع ثانويات وثلاث عشرة متوسطة بمدينة بئر العاتر بمتقنة محفوظ سعد بتاريخ: 10/04/2021؛ إحياء ليوم العلم وذكرى وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس.
– فتح الفرع النسوي بحي الشهداء ،لجنة المرأة والأسرة والطفولة ،تشرف عليه الدكتورة :حياة.ع، إلى جانب أربعة فروع أخرى في الأحياء التالية:الحي العمراني،حي الحرية،حي 59سكن،حي المطار،على أمل أن تتوسع في بقية الأحياء الأخرى في قادم الأيام .
آفاق جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة تبسة:
لا تزال الجمعية في بداية نشاطها تحت مظلة المكتب الولائي المؤقت، ولذا فهي سعي دؤوب ونشاط حثيث لاستكمال نشاط سلفها من لدن الشيخ ابن باديس إلى القود المتأخرة، رافعة راية العلم والإصلاح للمجتمع كافة، ممتطية في ذلك بركة التكاثف والتعاون بينها وبين الهيئات التنفيذية في الولاية وعلى رأسها الموفق والي ولاية تبسة الذي قدّم معاني الاحترام والتكريم للجمعية وأعضائها، ما يحدو به قُدما معها إلى بذل الموجود للوصول إلى المقصود من خدمة المجتمع والدين والدولة بما يصل بها إلى مراقي الدرجات، حيث تأمل الجمعية بهذه الولاية المباركة السعيدة إلى تحقيق عدة أهداف على المستوى القريب من بينها:
– اعتماد عدة شعب أخرى للجمعية على مستوى بلديات الولاية، وعلى أوسع نطاق قدر الإمكان.
– برمجة توزيع 55 حقيبة تنفس بتسلميها لمديرية الصحة لولاية تبسة تحت إشراف السيد الوالي.
– السعي لتوفير مقر لممارسة نشاط رياض الأطفال بمعايير تناسب التطور الحاصل في التعليم والتأهيل الموافق للإطارات.
– الحصول على مقرات مناسبة للمشاركة في ترقية التعليم الأكاديمي على مختلف المستويات.
– التفكير في إنشاء نواد علمية تساهم في الإحياء الفكري والديني لمختلف شرائح المجتمع ،وكذا تشييد قاعة محاضرات كبرى.
– إعادة مشاريع الأوقاف خدمة للأيتام وحفظة القرآن الكريم ،حيث تنوي شعبة دائرة بئر العاتر إقامة مستثمرة فلاحية للزيتون بمنطقة الحرشان تتربع على 5000شجرة زيتون وقفا على طلبة العلم والأيتام.
– فتح مدرسة خاصة بالشراكة مع أحد الخواص ،في الطورين الابتدائي والمتوسط.
– إقامة ملتقى دولي حول جهود العلامة الشيخ العربي التبسي ،بالتنسيق مع جامع الزيتونة بتونس.
– بناء المدرسة القرآنية “الشيخ العربي التبسي”بحي البركة .
-وختاما:
يمكن القول أن المشعل لا بد له من رجال يحملونه، ويوصلون بركة العلم والدين إلى كلّ قاص ودان، ولا بد من وجود كفاءات وقلوب تحمل همّ هذا الدين وتعلم ما يحتاجه النشء من آليات وأفكار تنهض به إلى يتنظر منه ومنهم، بغية الوصول إلى الأهداف العلية والنتائج التي سطرها الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا.
وليس ذلك بالأمر الهين ولا السهل، ولكنّ صدق العزيمة في التوجه إلى الحق والعمل به والتعاون عليه من أهم ركائز النجاح والفلاح، فلا بد لكلّ طالب إصلاح أن ينخلغ من ربقة الفردية والاعتزاز بالذات إلى الجماعة والفخر بالدين والوطن، من غير أن يكون هناك اعتبار لشخص بذاته دون آخر؛ فالهمم العالية تأبى الركون إلى الأثرة وتُحلّق بأجنحتها إلى الإيثار، وترفض المصالح الخاصة؛ لتصبح مصلحة الأمة هي الغاية المأمولة، وذاك لو صدقنا الله لمكّن لأمته في الأرض، وما ذلك على الله بعزيز.
وصلّ اللهم على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من شعب الجمعية/ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعبة تلمسان

الأستاذ محمد الهاشمي لقد كانت للزيارات المتكررة إلى تلمسان من طرف الشيخ الإمام عبد الحميد …