الذكرى التسعون لتأسيس جمعية العلماء

جريدة البصــائر فــي صحبــة طلبــة معهــد ابـن باديـــس

إعداد: فاطمة طاهي/

 

محمد الصغير بلعلام: مكثت تقريبا سنتين في الجبل، ثمّ رجعت لإكمال دراستي بأمر من العقيد سي عميروش.


بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والموافق لـ 05 ماي 1931م، ارتأت جريدة البصائر أن تعود إلى حصن كبير من حصونها التعليمية وهو “معهد عبد الحميد ابن باديس” بقسنطينة، الذي أسسته جمعية العلماء المسلمين كقبلة للطلبة الجزائريين خريجي الزوايا القرآنية لمواصلة تعليمهم وللحصول على شهادة الأهلية التي كان يشرف عليها مشايخ الزيتونة، فكان المعهد قبلة للمخلصين لدينهم ولوطنهم ولغتهم. تخرج منه ثلة من العلماء الجزائريين، والطلبة الذين التحقوا فيما بعد بجيش التحرير الوطني للكفاح والنضال من أجل الحرية والاستقلال، جريدة البصائر تقربت من بعض الطلبة الذين زاولوا دراستهم بالمعهد قبل التحاقهم بتونس لمواصلة تعليمهم بجامعة الزيتونة من أمثال: المجاهد محمد الصغير بلعلام، والدكتور حسن بهلول، والكاتب الصحفي سعدي بزيان لكشف كيفية التحاقهم بالمعهد وظروف ومناهج التعليم به، وعن نشاطاتهم وما هي أبرز أسماء المشايخ الذين تتلمذوا على أيديهم؟
المجاهد محمد الصغير بلعلام: جمعية العلماء المسلمين كانت -زورق الإنقاذ- أمام التحديات الاستعمارية
أشار الباحث في الفكر الإسلامي وفي التراث الأمازيغي، الأستاذ محمد الصغير بلعلام، إلى أن معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة يعتبر المدرسة الوحيدة في الجزائر التي تعلم العلوم العربية والشرعية في الجزائر وذلك في الحقبة الاستعمارية، إلى جانب دور الزوايا المنتشرة بكثرة خاصة في منطقة القبائل، مضيفا أنّ جمعية العلماء كانت بمثابة “زورق الإنقاذ” في تلك الحقبة أمام التحديات الاستعمارية التي سعت من أجل طمس اللغة العربية، حيث تمّ إصدار قانون سنة 1938م يمنع تدريس اللغة العربية، لتنشأ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعض المدارس، كما أنشأت معهد عبد الحميد ابن باديس الذي جاء تتويجا لهذه المدارس، حيث أن المدارس التي أنشأت في القرى والمدن كانت بمستوى الطور الابتدائي، وكان معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة منارة لاستكمال تعليمهم وقبلة لكلّ الجزائريين المخلصين لدينهم ووطنهم ولغتهم.
ويقول المجاهد محمد الصغير بلعلام: “درست وحفظت القرآن سنوات، قبل التحاقي بمعهد عبد الحميد ابن باديس، حيث تتلمذت على يد الشيخ محمد الطاهر آيت علجت في زاوية تمقرة، تعلمت العلوم اللغوية والشرعية،ولمواصلة تعليمي التحقت بمعهد ابن باديس في قسنطينة سنة 1950م”، مشيرا إلى أن الشيخ الطاهر آيت علجت أدخل إلى زاوية ثمقرة إصلاحا فيما يخص تعليم العلوم.
واعتبر المتحدث بأنّ الزوايا تعتمد بالدرجة الأولى على الكتب الأولية في اللغة العربية مثل كتاب الآجرومية لمؤلفه الأمازيغي محمد بن آجروم الصنهاجي، حيث كان هذا الكتاب أول ما يُدرّس في تلك الفترة، ثمّ كتاب “متن ابن عاشر”، إضافة إلى الحساب، باعتبار أنّ الحساب يرتبط بالمواريث التي تعد مادة أساسية في الفقه الإسلامي، مؤكداً بأنّ معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة يعد ملحقاً لجامع الزيتونة، الذي يشرف على تقديم الشهادة الأهلية للطلبة المتخرجين من المعهد لالتحاقهم بجامع الزيتونة، لأنّ جمعية العلماء المسلمين غير معترف بها كهيئة رسمية في التعليم، وبالتالي أُلحق معهد عبد الحميد ابن باديس بجامع الزيتونة، ويضيف المتحدث بأنّ برنامج معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة من السنة الأولى إلى السنة الرابعة هو نفسه برنامج جامع الزيتونة، مضيفاً أنّ الدراسة في المعهد طيلة أربع سنوات تنتهي بالحصول على الأهلية في العلوم العربية والإسلامية، قائلا: “ندرس الأصول والحساب وندرس العلوم، كان الصيدلي القسنطيني “علاوة عباس” شقيق فرحات عباس هو من يدرسنا العلوم”، وحسب المتحدث كان علاوة عباس متطوعا في معهد عبد الحميد ابن باديس.
وحول ظروف التعليم، أشار الأستاذ محمد الصغير بلعلام إلى أنّ الطلبة الذين يدرسون في معهد عبد الحميد ابن باديس يعتمدون على أنفسهم، فلا توجد منح ولا مساعدات تُقدم لهم، وأنّ الجمعية توفر لهم الأساتذة وقاعات التدريس فقط، قائلا: “كنا نستأجر البيوت… اعتمدنا على أنفسنا لمدة أربع سنوات”، وحول دار الطلبة التي دشنتها جمعية العلماء المسلمين سنة 1952م، قال المتحدث: “شخصيا لم أدخلها ولا يوم واحد لأني أشعر أنها تقيّد حريتي، فالدخول والخروج في وقت محدود، اتفقت في ذلك الوقت مع الشيخ أحمد حماني -رحمه الله – الذي كان مسؤولا عن تسجيل الطلبة في هذه الدار بدفع القيمة التي تقدر بـ”عشر آلاف فرنك” مقابل إقامتهم وأكلهم، يقول: “وأنا دفعت القيمة المستحقة وسجلني الشيخ أحمد حماني رغم أني لم أسكن فيها يوما واحد”.
أنشأ معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة فريقاً رياضياً في كرة القدم، بقيادة المدرب الأستاذ عمر جغري، أستاذ في مادة الجغرافيا بالمعهد، وفي هذا الصدد ذكر الأستاذ محمد الصغير بلعلام، أنّ الأستاذ عمر جغري لما كان طالباً في جامع الزيتونة مارس كرة القدم في إحدى النوادي التونسية البارزة بالدرجة الأولى، لينشأ فيما بعد فريقا لكرة القدم متكوناً من طلبة معهد عبد الحميد ابن باديس، ويقول الباحث محمد الصغير بلعلام: “وأذكر أنّ آخر مباراة أجريناها كانت ضد فريق دار المعلمين الفرنسية وانتصرنا عليهم بهدف مقابل صفر”.
كما كان المعهد يعقد ندوة شهرية يشرف عليها الشيخ عبد الرحمان شيبان، حيث كان الطلبة يقدمون فيها إنتاجهم الثقافي شعراً أو نثراً، لتكون هذه الندوة بمثابة نوع من أنواع المسابقة والمنافسة الفكرية بين طلبة المعهد، ويضيف المتحدث: “وكان منّا كُتاب وشعراء، وأول ما كتبته قرأته في هذه الندوة، كما كنت أحظى بتوجيهات ممّن سبقوني إلى المعهد كالشيخ يوسف الصدقاوي”، ومن بين الشعراء الذين شاركوا في هذا النشاط الثقافي، وحسب المتحدث: عمر برناوي، بلقاسم خمار، سعدي عثمان.
وقد تحصل المجاهد محمد الصغير بلعلام على شهادة الأهلية سنة 1954م رفقة العديد من الطلبة من أمثال الدكتور عبد الرزاق قسوم، ثمّ توجه للتسجيل في السنة الأولى في التعليم الثانوي بجامع الزيتونة، قائلاً في هذا الصدد: “كنا في معهد عبد الحميد ابن باديس متفوقين ومتمكنين لأننا درسنا النحو في السنة الثانية، ودرسنا الألفية بجزئيها في السنة الثالثة والرابعة من قبل عبد القادر الياجوري، أما البلاغة والأدب فعلى يد الشيخ عبد الرحمان شيبان، كما تعلمت على يد أحمد الحسين”، مضيفا أن الدراسة في جامع الزيتونة كانت بشكل أوسع، كدراسة فلسفة النحو ومنهاج القاضي البيضاوي في أربعة أجزاء.
وقد التحق الأستاذ بجيش التحرير الوطني رفقة العديد من الطلبة، الذين انقطعوا عن التعليم في المعهد وفي جامع الزيتونة، قائلا: “وأنا مقبل على اجتياز امتحان شهادة البكالوريا تركت الكتب جانبا والتحقت بالجبل” ويضيف قائلا: “مكثت تقريبا سنتين في الجبل، ثمّ رجعت لإكمال دراستي بأمر من العقيد سي عميروش”.
وأكد المجاهد محمد الصغير بلعلام على ضرورة الإشارة إلى الشيخ القسنطيني صالح بن مهنا، الذي يعتبر أول المصلحين باعتراف الجميع حتى من قبل المفكر مالك بن نبي الذي كتب عليه ثلاثة من كتبه، حيث توفي الشيخ صالح بن مهنا سنة 1910م، وتخرج الشيخ عبد الحميد ابن باديس من جامع الزيتونة بتونس سنة 1912م، ليستلم المشعل بقوة وبحكمة وليبدأ الكفاح سنة 1926م، وذلك من خلال إصدار أول جريدة بعنوان “المنتقد” وهي أول جريدة أصدرها العلامة عبد الحميد ابن باديس وفيها 18 عددا ثم أوقفتها فرنسا، وتحدث الأستاذ عن أهمية هذه الجريدة التي بدأ من خلالها الدفاع السياسي والثقافي لجمعية العلماء المسلين قبل تأسيسها، وحسب المتحدث أن الشيخ الطيب العقبي والشيخ المولود الحافظي والشيخ عبد الحميد ابن باديس هم من يحرورن المقال الافتتاحي في هذه الجريدة التي شعارها: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”،وفي هذا السياق يقول نفس المتحدث: “الله فوق كل أحد .. فوق فرنسا، والوطن قبل كل شيء، وهذا يذكرني بموقفه مع أبيه الذي كان يشجعه في بداية الأمر وبعد التضييق والضغط الاستعماري طالب من ابنه عبد الحميد ابن باديس أن يتوقف، فكان الجواب: لن أتوقف، فراق بيني وبينك إلا ما فرضه الإسلام – طاعة الوالدين-“.
كما أشار الباحث أن فرنسا بعدما قامت باحتفال سنة 1930م، بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر، والتي قال فيها قسيس الكاتدرائية في الجزائر آنذاك: “الآن انتهى عهد الهلال في هذه البلاد نهائيا وأقبل عهد الصليب الأبدي”، وأضاف الأستاذ بأن العلامة عبد الحميد ابن باديس كان ذكيا بصمته عندما لم يرد عليه سنة 1930م، وبعد عام كامل أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 5 ماي سنة 1931م، لتكون ردا قويا على المستعمر الفرنسي، فكان هذا الرد حسب المتحدث: “ردا علميا مدروسا ومخططا وليس ردا عاطفيا آنيا، ليثبت بعد عام كامل أن للجزائر أبناءها، فأسس النهضة الجزائرية وأسس الثورة التحريرية، ويقول المتحدث: صحيح الحركة الوطنية هي أول من نادت إلى الاستقلال لكن تهيئة الأمة وتهيئة الشعب ثقافيا وسياسيا وعلميا ووطنيا هو ما قام به رجال جمعية العلماء المسلمين وما قامت به مدارس الجمعية، مضيفا أنه لا ينكر أحد دور ومجهود الحركة الوطنية، قائلا: “في السنة التي أنشأ فيها ابن باديس جريدته المنتقد هي نفسها التي تم تأسيس نجم شمال إفريقيا في فرنسا، وهي أول مؤسسة سياسية نادت باستقلال أوطان المغرب العربي، ويقول في هذا الصدد: “الحركة الإصلاحية والحركة الوطنية هما شقان متكاملان، حيث لا يمكن لشعب جاهل أن يقوم بسلوك هادف، وبالتالي كان لابد من تهيئة النفوس وتهيئة العقول والأبدان لقيام الثورة ولاسترجاع الحرية والاستقلال”.
كما اعتبر الأستاذ بأن برنامج الشيخ عبد الحميد ابن باديس الثقافي عظيم جدا، ومشيرا إلى ما قاله العلامة عبد الحميد ابن باديس في إحدى الاجتماعات لجمعية العلماء المسلمين في سنة1939م، حيث قال بالحرف الواحد لأعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء: “أكفوني مسألة الأكاديمي وأنا أكفكم مسألة الاستعمار” وحسب المتحدث أنه كان يصر على إنشاء أكاديمية جزائرية للعلوم كدار الحديث في تلمسان، وأضاف المجاهد محمد الصغير بلعلام أن برنامج الشيخ مولود قاسم لما استلم الحقيبة الوزارية كان تطبيقا لبرنامج العلامة عبد الحميد ابن باديس فيما يخص ميدان تعليم العلوم الإسلامية والعربية، وذلك لحماية الهوية الجزائرية الإسلامية والعربية، ويضيف في هذا الصدد قائلا: “طبعا الأمازيغية لا يُناقش فيها فهي أصل فينا”.
الأستاذ حسن بهلول: واجه الجهل والخرافات والاستعمار وكوّن رجالا أخلصوا لدينهم ووطنهم وللغتهم
تحدث الدكتور حسن بهلول، مدير الدراسات بالمجلس الأعلى للغة العربية، عن فترة تعليمه في مدرسة بقرية تازمالت، والتي كان يديرها الشهيد عبد المالك فضلاء، والذي أرسل في سنة 1956م أربعة عشر طالبا إلى تونس للالتحاق بجامع الزيتونة، قائلا: “وتم رفضي بالالتحاق بهم بسبب صغر سني إذ لم أكن أملك بطاقة التعريف”، ليلتحق في 22 نوفمبر 1956م للإقامة والدراسة في معهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة، حيث بعد استشهاد الشيخ رضا حوحو قامت فرنسا بالتضييق على الجزائريين مما أدى بالمعهد إلى جعل الدراسة والإقامة في نفس المكان.
وفي حديثه عن معهد عبد الحميد ابن باديس قال: تلقينا فيه علوم اللغة العربية والحساب وكذلك الجغرافيا في كتاب الشيخ توفيق المدني”، مضيفا أن الدراسة في المعهد تختلف عن الزوايا، حيث إن الزوايا تهتم أكثر بالجانب القرآني والقراءات أما معهد عبد الحميد ابن باديس فكان اهتمامه منصبا على المجال الديني ضف إلى ذلك النحو والصرف.
وبعد التحاقه بمعهد عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة وعمره لا يتجاوز 14 سنة، حدثنا عن احتكاكه بمشايخ الجمعية سواء بالمعهد أو حين التقائه بهم بعد التحاقه بجامع الزيتونة، كالشيخ جهري والشيخ العتوي والشيخ بوزيان، الشيخ سليمان مشنون، الشيخ سلطاني، الشيخ أحمد حماني، كما التقى في تونس بالشيخ عبد الرحمان شيبان والشيخ محمد مبارك الميلي، كما تحدث عن زيارة الشيخ العربي التبسي لهم بالمعهد حيث أقام معهم أكثر من أسبوع، وبعد رجوعه إلى العاصمة، قال الدكتور حسن بهلول: “وجمعنا الشيخ أحمد حماني وأخبرنا بأن الشيخ العربي التبسي قد اختطف فبكى جميع طلبة المعهد”.
وأضاف الدكتور حسن بهلول بأن قسنطينة عرفت عدة عمليات عسكرية ما جعل طلبة المعهد يدرسون ويقيمون في المعهد، كما تحدث عن زيارات مشايخ الزيتونة للمعهد في آخر الموسم الدراسي للإشراف على مسابقة الأهلية، مشيرا أنه تلقى التعليم في المعهد في السنة الأولى متوسط، ليتم غلق المعهد سنة 1957م، ثم التحق الطلبة بالثورة التحريرية كالعربي لحسن محمد شعباني، يحياوي وآخرين، ويضيف الدكتور قائلا: “فلما رجعت إلى بلدتي تازمالت كان والدي في الجبل، وقد كلمته بخصوص الالتحاق بتونس لمواصلة الدراسة، فطلب العقيد عميروش جمع الطلبة لإرسالهم للتعليم والتكوين في جامع الزيتونة لإعدادهم كإطارات بعد الاستقلال، وبالتالي أعطى العقيد عميروش أمر للمحافظين السياسيين في الدواوير بتسجيل الطلبة الذين يريدون مواصلة الدراسة في تونس، ويقول في هذا الصدد: “وسجلني والدي والتحقت بتونس وتحصلت على الشهادة الأهلية هناك”.
ويقول الدكتور حسن بهلول: “نحن الجزائريين لا نقدر الأشخاص حق قدرهم إلاّ بعد وفاتهم، الشيخ عبد الحميد ابن باديس شمس طلت علينا بعد أن كنا في ظلام، فواجه رفقة جماعته من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي والعربي التبسي ومبارك الميلي الجهل والخرافات والاستعمار وكون رجالا أخلصوا لدينهم ولوطنهم وللغتهم”.
الأستاذ سعدي بزيان: فلولا هؤلاء لما كان لنا ما يُذكر في الجزائر


يقول الكاتب الصحفي سعدي بزيان، أنه قبل التحاقه بمعهد عبد الحميد ابن باديس، تتلمذ على يد تلامذة كل من: الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ العربي التبسي، ليلتحق في سنة 1950م بمعهد عبد الحميد ابن باديس، حيث تلقى دروسه طيلة أربع سنوات، قبل أن يُجبر على الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية، في ذات الصدد ذكر المتحدث، أنه درس بالمعهد رفقة العديد من الزملاء الذين التحقوا فيما بعد بجيش التحرير الوطني، فمنهم من صار ضباطا كمحمد صالح يحياوي والهاشمي هجرس وبعد الاستقلال منهم من تقلد مناصب هامة في الدولة كالمجاهد قدور الهاشمي الذي أصبح سفيرا.
ووصف الباحث سعدي بزيان فترة تعليمه بمعهد عبد الحميد ابن باديس قبل التحاقه بجامع الزيتونة، بنافذة على الثقافة العربية وللتعرف على الشرق العربي، وذلك من خلال ما كان يقدمه الشيخ عبد الرحمان شيبان في حصص البلاغة والأدب العربي مستعينا بدروس حول أدب المشرق العربي وحول الشخصيات الأدبية كطه حسين والزيات والعقاد، وحسب المتحدث أنه قد تعرف في معهد عبد الحميد ابن باديس على الكثير من الكتاب من المشرق العربي، كما تحدث عن اكتشافه لجريدة البصائر ولأقلامها ومقالاتها الافتتاحية والرئيسية التي كان يكتبها علماء الجمعية كالشيخ البشير الإبراهيمي خلال فترة وجوده في المعهد، من جهة أخرى حدثنا الأستاذ سعدي بزيان عن تجربته في تقديم الدروس للطلبة بعدما التحق بمعهد عبد الحميد ابن باديس كأستاذ سنة 1963م.
وذكر أن برنامج معهد عبد الحميد ابن باديس كان متأصلا من برنامج جامع الزيتونة، مضيفا في ذات السياق أن مقدمة ابن خلدون كانت ضمن برنامج العلامة عبد الحميد ابن باديس، وحول ظروف التدريس في المعهد خلال الحقبة الاستعمارية، أشار المتحدث إلى أن أغلب تلامذة المعهد ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية الفقيرة، في حين كان أبناء الأغنياء يدرسون في المدارس الفرنسية باعتبار أن باللغة العربية لن يتحصل الطالب على وظيفة أو منصب.
وذكر لنا الكاتب الصحفي، أن معهد عبد الحميد ابن باديس كان شبه ناد أدبي، يشرف عليه ويديره الشيخ عبد الرحمان شيبان الذي نصب لجنة ثقافية يشارك فيها مجموعة من الطلبة المثقفون من أجل التدريب والتكوين على إلقاء المحاضرات.
ويضيف قائلا: “درست تقريبا على جميع مشايخ جمعية العلماء المسلمين الذين كانوا يُدرّسون في معهد عبد الحميد ابن باديس: كالشيخ عبد الرحمان شيبان والشيخ عبد القادر ياجور والشيخ عمر جغري، الشيخ احمد بن دياب، الشيخ عبد اللطيف سلطاني، الشيخ نعيم النعيمي والشيخ العدوي، الشيخ الزاهي وغيرهم ممن تعرفت عليهم في المعهد”.
ويضيف قائلا: “الشيخ عبد الحميد ابن باديس ظاهرة ربما تتكرر بعد مئة سنة، إذ لا يمكن أن يكون هناك شخص في الساحة الجزائرية يشبه العلامة عبد الحميد ابن باديس سواء في سلوكه أو في تضحياته وفي حبه للدين والوطن وفي نظرته للمستقبل، فلولا هؤلاء لما كان لنا ما يُذكر في الجزائر”.
ف.ط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com