وقفة مع صحف جمعية العلماء

أ. الأخضر رحموني/

بعد رجوع الشيخ ابن باديس الى الجزائر سنة 1914 بدأت أولى الخطوات في التبلور بعد اتخاذه مسجد سيدي قموش بقسنطينة منبرا لنشر أفكاره الإصلاحية و الشروع في تفسير القرآن الكريم. وبعد عودة الشيخ الإبراهيمي شرع في عقد الندوات العلمية وإلقاء الدروس بمدينة سطيف مع انتقاد الأوضاع الاجتماعية السائدة، وهي الخطوات نفسها التي اتبعها علماء آخرون رجعوا من المشرق ومن مصر وتونس من أمثال: الطيب العقبي والعربي التبسي و إبراهيم بيوض ومبارك الميلي ومحمد خير الدين وغيرهم مما ساعد على عقد لقاء الرواد سنة 1924 بقسنطينة.
ومن منطلق أن نجاح أي مشروع نهضوي وثقافي يجب أن تصاحبه الصحافة التي تعتبر سلاحا ذا حدين، يقول الإبراهيمي (الصحف في لسان العرف كالصحف في لسان الدين منها صحف الأبرار ومنها صحف الفجار، وكان من حظ الأول الابتلاء بالتعطيل والتعويق في نظام الحكم الجائر المستبد) فكر الشيخ عبد الحميد بن باديس في إصدار صحيفة تكون من بين وسائل الدعوة الى الإصلاح، ولكنه أنشأ قبلها مع تلاميذه أحمد بوشمال والزواوي خليل بلقشي وإسماعيل الصحراوي وعبد الحفيظ الجنان المطبعة الإسلامية الجزائرية بمدينة قسنطينة حتى تكون في خدمة مشروعه الإعلامي .فأصدر صحيفته الأولى (المنتقد) يوم عيد الأضحى المبارك الخميس 11 ذي الحجة 1343 الهجرية الموافق ليوم 02/07/1925 وهي تحمل فكرة الإصلاح الديني، شعارها (الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء) ولكن الإدارة الفرنسية كانت لها بالمرصاد فقامت بتعطيلها بعد صدور 18 عددا منها يوم الخميس 10 ربيع الثاني 1344ه الموافق ل 29 أكتوبر 1925 ،خاصة وأنها كانت تنشر أخبار انتصارات ثورة الريف بالمغرب بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي ومساندة الشعب الليبي.
فلم يستسلم الشيخ ابن باديس للوضعية، وخلفها بصحيفة الشهاب بتاريخ 25 ربيع الثاني 1344 الموافق ل 12 فيفري 1925،

وكانت أسبوعية كالمنتقد وكان شعارها (إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات)، وكانت تسير وفق مقولة مالك رضي الله عنه (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، وابتداء من فيفري 1929 أصبحت مجلة شهرية بعد مرورها بأزمة مالية خانقة كادت أن توقفها خاصة بعد خروج شركائه منها، فتحمل لوحده تكاليفها، وكتب في أول عدد من الشهاب الشهري (تستطيع الظروف تكييفنا ولا تستطيع بحول الله إتلافنا). واعتمدت في توزيعها على الاشتراكات فقط، حيث لم تكن تعرض للبيع كباقي الصحف والمجلات، وكان الشيخ ابن باديس يعين من طلبته بالجامع الأخضر خلال عطلتهم الصيفية مندوبين متجولين لجمع اشتراكات الشهاب وتعريف الناس بها.
وهي التي على صفحاتها نشرت الدعوة إلى تكوين جمعية العلماء، ونشرت المقالات تباعا حول الموضوع، حتى تحقق الوعد المرجو بتضافر جهود الخيرين من العلماء.
ولأن جمعية العلماء لم تكن تملك منبرا إعلاميا باسمها، أعار لها الشيخ عبد الحميد بن باديس مجلة الشهاب حتى تكون لسان حالها مؤقتا إلى غاية إصدار صحف تحمل اسمها، وتتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، لأن مجلة الشهاب هي المسؤول عن كل ما تنشره من مقالات وأخبار، وتنطق باسمه الشخصي. ولأن على صفحات الشهاب يمكن لأعضاء جمعية العلماء أن يخوضوا في القضايا السياسية عكس ما جاء في قانونها الأساسي، حتى وإن كان التصريح موقعا باسم رئيسها لأنه موقع باسمه الشخصي، وليس موقعا باسم الجمعية.
وقد توقفت الشهاب عن الصدور في شهر شعبان 1358ه الموافق لشهر سبتمبر 1939.
صحــــف الجمعيـــة:
جريدة السنة النبوية المحمدية:
صدر العدد الأول منها يوم الاثنين 08 ذي الحجة 1351ه الموافق ل 03 أفريل 1933 .ترأسها الشيخ محمد السعيد الزاهري والشيخ الطيب العقبي. وكان صاحب امتيازها الأستاذ أحمد بوشمال. شعارها (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .كانت تطبع بالمطبعة الإسلامية بقسنطينة. توقفت بعد صدور 13 عددا منها يوم الاثنين 10 ربيع الأول 1352 ه الموافق لـ03 جويلية 1933 م.
من كتابها عبد الحميد بن باديس، الطيب العقبي، محمد الأمين العمودي، محمد السعيد الزاهري، محمد الهادي السنوسي، محمد البشير الإبراهيمي، العربي التبسي، الفتى الزواوي .
جريدة الشريعة النبوية المحمدية:
صدر العدد الأول منها يوم الاثنين 24 ربيع الأول 1352 ه الموافق لـ17 جويلية 1933، ترأسها الشيخ الطيب العقبي و محمد السعيد الزاهري، وكان صاحب امتيازها الأستاذ أحمد بوشمال .شعارها (ثم جعلناكم على شريعة من الأمر فاتبعها). كانت تطبع بالمطبعة الإسلامية بقسنطينة.
توقفت بعد صدور 07 أعداد يوم الاثنين 07 جمادي الأول 1352 ه الموافق ل 28 أوت 1933.
جريدة الصراط السوي:
صدر العدد الأول منها يوم الاثنين 21 جمادي الأول 1352 ه الموافق ل 11 سبتمبر 1933 م. رئيس تحريرها الطيب العقبي ومحمد السعيد الزاهري .شعارها (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى). كانت تطبع بالمطبعة الإسلامية بقسنطينة. توقفت بعد صدور 17 عددا منها يوم الاثنين 22 رمضان 1352 ه الموافق لـ08 جانفي 1934.
جريدة البصائر:
السلسلة الأولى:
صدر العدد الأول من السلسلة الأولى يوم الجمعة 01 شوال 1354ه الموافق ل 27 ديسمبر 1935 م بالجزائر العاصمة. وكان رئيس تحريرها الشيخ الطيب العقبي وصاحب امتيازها الشيخ محمد خير الدين.
وبعد تخلي الشيخ الطيب العقبي عن رئاسة تحريرها في سبتمبر 1937 انتقلت رئاسة التحرير الى الشيخ مبارك بن محمد الميلي و أصبحت تصدر بمدينة قسنطينة من العدد 83 وبقي صاحب امتيازها هو الشيخ محمد خير الدين. صدر 180 عددا من السلسلة الأولى، وآخر عدد منها كان يوم 09 رجب 1358 ه الموافق لـ25 أوت 1939 وتوقفت بأمر من الشيخ ابن باديس بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، كما طالب من الأستاذ محمد الأمين العمودي توقيف جريدته الدفاع الناطقة بالفرنسية، وأن يتكفل بمسؤولية مؤونة أولاده.
السلسلة الثانية:
بعد توقف الحرب العالمية الثانية، ووفاة الشيخ ابن باديس في 16 أفريل 1940، أعاد رئيس الجمعية الثاني الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إصدار جريدة البصائر، حيث صدر العدد الأول من السلسلة الثانية يوم الجمعة 07 رمضان 1366ه الموافق ل 25 جويلية 1947 وتوقفت بعد صدور 361 عددا منها يوم 25 شعبان 1375 ه الموافق لـ06 أفريل 1956م وهو العدد الأول من سنتها التاسعة بعد أن ودعت سنتها الثامنة.
والقرائن التاريخية تؤكد أن السبب الرئيس في توقف الجريدة عن الصدور بقرار من الإدارة الفرنسية يعود الى نشرها لمقال بقلم الكاتب الفرنسي –بوردي – مدير صحيفة –فرانس أبسرفاتور – مترجما الى اللغة العربية، ومحتواه جاء لكسر معنويات الجيش الفرنسي، وتثبيط همم الشبان المدعوين الى أداء واجبهم العسكري في الجزائر، وقتل عزائمهم، كما ورد في تعليل صدور الأمر بإلقاء القبض على الكاتب. وبسبب هذا المقال القنبلة تم الزج بصاحبه في السجن. كما أن الخط الوطني الواضح للجريدة والمدافع عن حقوق الشعب الجزائري في الحرية والكرامة، كان من بين أهم أسباب صدور قرار التوقيف الجائر.
ويبدو أن هيأة التحرير كانت تستشرف المستقبل فقد تنبأت بمصير الجريدة وتوقيفها من طرف الإدارة الفرنسية، حيث ورد في افتتاحية عددها الأخير رقم 361، والتي حملت عنوان (البصائر تستقبل سنتها التاسعة) ما يلي: (وقد تعرضت البصائر من جراء صراحتها، وإعلانها لكلمة الحق مدوية للمصادرة و التضييق للمرات العديدة، والحيلولة بينها وبين قرائها في بعض الجهات الى الآن، وهي غير آبهة بما لاقته وما تلاقيه مما تخبئه لها الأيام، مؤمنة بأن ساعة الخلاص قد دقت، وأن أمر الله قد جاء، وأن إرادته اقتضت ذلك، وأمره سبحانه إذا جاء لا يؤخر، وإرادته لا تقهر).
ثم تكشف للقارئ عن خطها الوطني في مواصلة النضال بالكلمة، ومساندة حق الشعب الجزائري رغم القيود والعراقيل، تقول (والبصائر في سنتها هذه التاسعة تدخل في مرحلة جديدة من مراحل النضال، وراية المجد بيمينها، وهي سائرة الى الأمام في خوض هذه المعركة الحاسمة التي يخوضها الشعب المكافح لكسر قيوده وأغلاله، واسترداد حريته واستقلاله، ولن تحيد البصائر عن طريقها، ولن ترجع قيد شعرة، كما عاهدت الله عليه حتى تفوز بإحدى الحسنيين حسن السيادة أو حسن الشهادة).
السلسلة الثالثة:
بعد عودة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الى نشاطها من جديد، طبقا لقانون الجمعيات السياسية والثقافية وصدور دستور فيفري 1989، حيث تولى رئاستها الشيخ أحمد حماني في 14 مارس 1991 أعادت إصدار جريدة البصائر حتى تبقى لسان حالها وترجمان مواقفها بنشر البيانات والتصريحات. وقد صدر العدد الأول من السلسلة الثالثة في 18 ذي القعدة 1412 ه الموافق ل 21 ماي 1992، وصدر منها 26 عددا، إلى أن توقفت في 18 ذي القعدة 1413ه الموافق لـ 10 ماي 1993.ومن الأسماء التي داومت على الكتابة بها نذكر: أحمد شقار الثعالبي ومولود طياب و أحمد حماني ومحمد الصالح رمضان ومحمد الطاهر فضلاء وسليمان بشنون وعلي أمقران السحنوني.
السلسلة الرابعة:
بعد تولي سماحة الشيخ عبد الرحمان شيبان رئاسة جمعية العلماء، وبعد وفاة الشيخ علي مغربي رئيس تحريرها في 06 جانفي 1999، أصدرت السلسلة الرابعة منها. حيث صدر العدد الأول يوم الاثنين 19 صفر 1421ه الموافق ل 22 ماي 2000، وحافظت على صيرورة صدورها، والاستمرارية دون انقطاع رغم نقص الإمكانيات المالية والتي كان يتكلف بها سماحة الشيخ شيبان، كما كان يتحفها بسانحة كافتتاحية لكل عدد، وحتى بعد تولي الدكتور عبد الرزاق قسوم رئاسة الجمعية إلى يوم النّاس هذا. وقد صدر منها 1061 عددا الى غاية اليوم. وفتحت صفحاتها إلى للأقلام الشابة الطموحة في ميدان الإعلام، بالإضافة الى كوكبة من الأسماء اللامعة في دنيا الكلمة والبحث و التاريخ، وهي اليوم من المنابر الجادة التي تحاول نشر الفكر المعتدل، وتتبع الأحداث الوطنية والعربية والإسلامية، وتشجيع المبادرات الخلاقة في مجال الثقافة والأدب، والدفاع عن القضايا العادلة منها القضية الفلسطينية.
بالإضافة إلى الصحف المذكورة أعلاه، هناك صحف أخرى كانت موالية فقط لجمعية العلماء وتنشر مبادءها بسبب أن أصحابها من أعضاء الجمعية فقط منها:
جريدة الجحيم:
صدر عددها الأول في 03 ذي الحجة 1351 ه الموافق لـ30 مارس 1933 بقسنطينة، أصدرها الثلاثي محمد السعيد الزاهري ومحمد الأمين العمودي وعبد الرحمان غريب، وكان صاحب امتيازها الفرنسي محمد الشريف جوكلاري.
– جريدة أبو العجائب:
لمحمد العابد الجلالي، صدر عددها الأول يوم الخميس 09 صفر 1353ه الموافق لـ 24 ماي 1934 بمدينة قسنطينة.
– جريدة الشعلة:
صدر عددها الأول يوم الخميس 22 صفر 1369 الموافق لـ 15 ديسمبر 1949، وكان رئيس تحريها أحمد رضا حوحو وصاحب امتيازها الصادق حماني والمشرف على الإدارة أحمد بوشمال.
وحفاظا على تراث الجمعية يجب تثمين العمل القيم الذي قامت به دار الغرب الإسلامي لصاحبها التونسي الحبيب اللمسي رحمه الله والمتمثل في إعادة طبع جرائد الشيخ ابن باديس زيادة على جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائرين، مع إصدارها في مجموعة من المجلدات اللائقة حتى ينتفع بها الطلبة والمهتمون بتاريخ الجزائر الثقافي.
ونأمل أن تواصل إدارة جمعية العلماء هذا العمل التوثيقي بإصدار السلسلة الثالثة والسلسلة الرابعة في مجلدات فاخرة، وواضحة للقراءة حتى تسهل مهمة الرجوع إليها، وأن تكون مصدرا علميا مهما لطلبة الجامعات في الجزائر وخارجها ولمن يحاول تناول مدونتها الشعرية والنثرية في الرسائل الجامعية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من شعب الجمعية/ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعبة تلمسان

الأستاذ محمد الهاشمي لقد كانت للزيارات المتكررة إلى تلمسان من طرف الشيخ الإمام عبد الحميد …