الرئيسية | الذكرى التسعون لتأسيس جمعية العلماء | أيّامٌ خالدة من حياة الشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس في تلمسان

أيّامٌ خالدة من حياة الشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس في تلمسان

محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي/


إنّ مدينة تلمسان وما حولها من قرًى وأريافٍ منذ القِدم، كانت قبلة للعلماء والزّعماء.. إمّا أنّهم زاروها أو تخرّجوا منها، كسائر مدن الوطن. وهذا لأن أهل تلمسان، رجالا ونساء، أهل علم وثقافة وسياسة وجهاد. ويعرفون كيف يرحّبون بالضّيف، وكيف يستقبلونه ويحتضنونه.
وما مجيء الأمير عبد القادر الجزائري إلى مدينة تلمسان، والإقامة بها بضع سنوات، بعدما بايعه التّلمسانيّون على الجهاد سنة 1832م ضدّ الاحتلال الفرنسي اللّعين غير دليل على ذلك. يقول الأمير عبد القادر بالمناسبة:
إلى الصّون مدّت تلمسان يداهاولبّت، فهذا حُسن صوتٍ نداها
ونادت: أعبد القادر المنقذ الذيأغثتَ أُناسًا من بحور هواها
لأنّك أُعطيتَ المفاتيحَ عُنوةًفزدني، أيا عزّ الجزائر جاها
1919م، أوّل مجيء الشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
من القامات العِلمية التي زارت مدينة تلمسان لأوّل مرّةٍ في سنة 1919م*، وتشرّفت المدينة بزيارة هذا الرّجل العظيم هو فضيلة الشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس؛ وينزل ضيفا ببيت الشّيخ أبي بكر شُعيب بن علي. ومكث عنده مدّة يتبادلان الحديث والرّؤى حول مستقبل الجزائر، وكلاهما أُعجبَ بالآخر لغزارة العِلم.
فقام الشّيخ القاضي شعيب بإجازة الشّيخ عبد الحميد ابن باديس، كما أجاز الشّيخُ عبد الحميد ابنُ باديس الشّيخَ القاضي شعيب.
وبالمناسبة ألقى الإمام عبد الحميد نظرةً على المدينة التّاريخية، وتعرّف على العلماء والصّالحين، والمثقّفين. كما قام بزيارة أضرحة الأولياء الصّالحين والدّعاء لهم؛ منهم ضريح الشّيخ السّنوسي..
1923م، الزّيارة الثّانية للشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
وفي عام 1923م جاء فضيلته إلى مدينة تلمسان من أجل التّعرّف على أهلها أكثر فأكثر، والبحث عن رجال مخلصين يحملون همّ الإصلاح وعبء الدّعوة إليه، وكان لقاؤه بالشّيخ محمّد مرزوق الذي كان يُتقن اللّغة الفرنسية، وكان أوّل رئيس شعبة مدينة تلمسان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بعد تأسيسها.
1927م، القدوم الثّالث للشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
وكانت هذه الزّيارة للشّيخ عبد الحميد في يوم 28 أبريل 1927م، وجد في تلمسان الأرض الخصبة لزرع فكرة الإصلاح بتلمسان. مثلما اتفّق مع الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في بادئ الدّعوة في المدينة المنوّرة سنة 1913م على تربية نشءٍ يؤمن بفكرة صحيحة ولو بعلمٍ قليلٍ. وبطبيعة الحال كانت رحلات الشّيخ ابن باديس دائما بمعية الرّفقة الصّالحة.
وفي هذه الرّحلة مرّ على الشّيخ ابن عليوة شيخ طريقة ببيته بمدينة غليزان، وتحدّثا في مواضيع هامّة في العقيدة من بينها تصحيح مفهوم التّوكّل والتّواكل؛ وهنا قال له الإمام عبد الحميد ابن باديس: “إذا كان الشّيء الكثير يجمعنا فلماذا القليل يفرّقنا؟”
1931م، الزّيارة الرّابعة للشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
هذه الزّيارة كانت زيارة خاطفة سنة 1931م من أجل البحث عن رجال ثقات ومخلصين لدينهم ووطنهم، من أجل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين على المستوى الوطني والمحلّي. وممّن التقى بهم الشّيخ محمّد مرزوق، والشّيخ مولاي الحسن البغدادي. وصار الشّيخ من أهل تلمسان، بدعوة أو بدون دعوة من أجل الجزائري لإخراجه من الجهل ومقاومة الاستدمار اللّعين.
1932م، المجيء الخامس للشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
وهي أهم رحلة قام بها إلى مدينة تلمسان. يروي السّيّد محمّد الصّغير مول السهول الشّافعي أنّه كان في سفر بمدينة البيض من أجل التّجارة، وهناك سمع بالشّيخ عبد الحميد ابن باديس عن طريق صديقه الذي أخذه إليه وتعرّف عليه وقال له: أنا فلان من تلمسان. فسعد الشّيخ بلقائه ليبلّغه بنيّة زيارة مدينة تلمسان قريبا. وهنا قدّم الشّاب محمّد الصّغير مول السهول للشّيخ عبد الحميد ابن باديس عنوان والده الحاج البشير مول السهول الشّافعي ورقم هاتف المتجر، على أساس تنظيم زيارة في الأيّام القليلة القادمة.
وفي ليلة الزّيارة هتف أحد رفقاء الشّيخ عبد الحميد ابن باديس ليبلغ أنّ الشّيخ ابن باديس عازم على القدوم إليكم، وموعدنا غدا عند محطّة القطار.
فأخبر الوالد ابنه عن الهاتف المفاجئ والضّيف؛ فتذكّر الشّاب اللّقاء بمدينة البيض والذي نسي إخبار والده بذلك. فقام الوالد يلوم ابنه عن نسيان موعدٍ كهذا. وفي الغد من سنة 1932م قام الحاج البشير بجمع ثلّة من كبار التّلمسانيّين ليقوموا بواجب الاستقبال في الموعد المحدّد يليق بمقام الشّيخ الإمام الهمام عبد الحميد.
وبالمناسبة قدّمت الجمعية السّنوسية طلبا للإدارة الفرنسية بتنظيم درس يُلقيه فضيلة الشّيخ الإمام عبد الحميد بمسجد العتيق بتلمسان، لكنّها رفضت الطّلب رفضا تاما بمساعدة بعض العملاء للإدارة المحتلّة.
وعليه استعملت الجمعية حيلة بسيطة لتُحضر مفتاح قاعة الحفلات لبلدية تلمسان؛ وعندها قاموا بتنظيفها وتفريشها ثمّ الإعلان عن النّشاط عبر أحياء مدينة تلمسان.
وسمع اليهود بالتّحضيرات الجارية على قدم وساق، وهم لا يدركون حقيقة الأمر، وبدأوا بطرح الأسئلة على المسلمين: يا المسلمين واش عندكم؟؟ يا المسلمين!..
وفي اليوم الموعود يدخل الشّيخ الهمام عبد الحميد القاعة التي كانت مكتظة عن آخرها، وصلّى ركعتي النّافلة . ولمّا انتهى دنا منه أحد الحاضرين وقال له: يا شيخ لماذا أدّيت صلاة النّافلة وهذه قاعة الحفلات؟! فردّ عليه: أنّ هذا المكان كان في يوم قريب مدرسة بها قاعة للصّلاة، وأنّي أعتبر القاعة هذه جزءا من المسجد.
وألقى الشّيخُ درسًا بالغ الأهمّية انطلاقا من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}، وبعد نهاية الدّرس، ألحّ جمعٌ من التّلمسانيّين على الشّيخ أن يمكث معهم في تلمسان إلى ما شاء الله تعالى، فأراد الشّيخ أن لا يردّ طلبهم، لأنّ الشّيخ كان رحّالة زمانه يجول بين المدن الجزائرية من أجل التّوعية ولم الشّمل؛ فقال لهم: سأبعث لكم برجل أعلم منّي. فتعجّبوا وقالوا له: أيُوجد رجلٌ أعلم منك يا شيخ؟؟ قال: نعم.
وكان الرّجل الأعلم من الشّيخ هو فضيلة الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي عالم زمانه يحلّ بمدينة تلمسان أواخر سنة 1932م. ثمّ يعود ليُحضر عائلته الكريمة في أوائل سنة 1933م. ليبدأ بما يجب القيام به، من نشاطات ودروس. حيث كان له درس في شرح صحيح البخاري بالزّاوية الهبرية لمدّة سنة. ثمّ فكّر الشّيخ الإبراهيمي تفكير العقلاء في بناء مدرسة مستقلّة خاضعة لهم. فكانت مدرسة دار الحديث العامرة.
1937م، القدوم السّادس للشّيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس:
ما كان رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين في الميدان كقِطعِ الشّطرنج تُحرّكها الأيادي يمينا أو يسارا ليهلك الشّاه في الأخير، أو قِطعِ (الدّامّة) ليُتسلّى بها العاميُّ، وإنّما هي أكبر من أحزاب زماننا، كان أعضاؤها من العلماء الأجلّاء، كلّهم زعماء. رسموا لأنفسهم هدفا معيّنًا لتحقيقه.
هذه المرّة يأتي العلّامة الشّيخ عبد الحميد ابن باديس فاتحا مع وفد كبير من علماء الجزائر من الطّراز الرّفيع والمعدن الغالي ليقوم بفتح مدرسة دار الحديث في حفل بهيج دام ثلاثة أيّام.
وكان ذلك اليوم المشهود الاثنين 21 رجب 1356 هجرية، الموافق لـ: 27 شُتنبر 1937م، حيث تبدأ المسيرة من محطّة القطار بتلمسان إلى مدرسة دار الحديث بتنظيم محكم من قِبل الوطنيّين المخلصين؛ لم يُشهد لها مثيلٌ في تاريخ الجزائر من قَبل.
وعند باب مدرسة دار الحديث لفتحها رسميا تبادل الشّيخان كلمات رفيعة المستوى. ولمّا دخل العلماء والشّيوخ المدرسة واكتظّت بهم، بقي التّلمسانيّون خارج الدّار كما قال الشّاعر:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنانحن الضّيوف وأنت ربّ المنزل
فما كان من الشّيخ عبد الحميد ابن باديس إلّا تلبية نداء التّلمسانيّين ليطلّ عليهم من الشّرفة ويقول كلمته الخالدة الجامعة المانعة والشّاملة قائلا: “يا أبناء تلمسان، يا أبناء الجزائر، إنّ العروبة من عهد تبّع إلى اليوم تحيّيكم، وإنّ الإسلام من يوم محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى اليوم يُحيّيكم، وإنّ أجيال الجزائر من هذا اليوم إلى يوم القيامة تشكركم وتثني عليكم، وتذكر صنيعكم بالجميل، يا أبناء تلمسان كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأدّيتموها فنعم الأمناء أنتم فجزاكم الله جزاء الأمناء والسّلام عليكم وحمه الله”.
1939م، الزّيارة السّابعة للشّيخ عبد الحميد ابن باديس:
كانت للشّيخ زيارة إلى تلمسان سنة 1939م، حضر فيها من أجل احتفال ختم العلّامة الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي تفسيرَ ثلاثين حزبا بدار الحديث.
وتذّكّرت الحاج عبد القادر شيخاوي لمّا كان يستعيد شريط ذكرياته في جلساتنا معه، يوم بات مع الشّيخ عبد الحميد ابن باديس كحارس له بالمقصورة بالطّابق الأوّل بمدرسة دار الحديث، وفي حين غفلة أخذته سِنةٌ من النّوم، حتّى سمع صوت المشي، فقام بسرعة ليتأكّد من مصدر الصّوت، ظانا منه أنّ هناك غريبا بالدّار يتجسّس أو يريد شرّا بالشّيخ؛ فإذا به يلتقي بالشّيخ عبد الحميد ينزل من الطّابق الثّاني كان يتفقّد المبنى. فقال له الشّيخ عبد الحميد وهو يربّت على كتفه: أحسنت، أحسنت..
زيارات أخرى سرّية للشّيخ عبد الحميد ابن باديس:
كان للشّيخ عبد الحميد ابن باديس زيارات أخرى سرّية. كما يقول السّي بومدين دالي يوسف، الملقّب بالسّي بومدين التّاجر، أنّ الشّيخ ابن باديس كان يزور تلمسان مرارا، وكان يأخذه بمعيّة الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في سيّارة مغطّاة إلى عين أبي المهاجر دينار، والفوّارة بأعالي القلعة العليا بهضبة لالّة ستّي . وعند منتصف النّهار كان السّي بومدين التّاجر يأخذ لهما الغذاء متمثّلا في قطعة خبز (كِسرة) وحليب .
الختام:
أختم محاضرتي هذه بكلمة الشّيخ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي يُنعي فيها صديقه الشّيخ ابن باديس بمناسبة ذكرى وفاته، يقول فيها الشّيخ:
“يموت العظماء فلا يندثر منهم إلّا العنصر التّرابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحيّة في الأرض، قوّة تحرّك، ورابطة تجمع، ونورًا يهدي، وعطرًا يُنعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كون العظمة خلودًا، فإنّ كلّ ما يخلف العظماء من ميراث، هو أعمال يحتذيها من بعدهم، وأفكار يهتدون بها في الحياة، وآثار مشهودة ينتفعون بها، وأمجاد يعتزّون بها ويفخرون، والاعتزازُ والفخز من الأغذية الرّوحية الحافظة لبقاء الجماعات، وهذه المجموعة من ميراث العظماء هي التي تسلسل بها الحياة متشابهة الأطوار قرونًا، ولولاها لانفصمت حلقاتها، فكان لكلّ فرد قانونٌ خاصّ، وحياة خاصّة مقطوعة الصّلة بمن قبلها ومن بعدها، فيفسد النّظام ويختلّ الوزن وينعدم التّشاكل، فينعدم التّعاون” .

عن المحرر

شاهد أيضاً

من شعب الجمعية/ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعبة تلمسان

الأستاذ محمد الهاشمي لقد كانت للزيارات المتكررة إلى تلمسان من طرف الشيخ الإمام عبد الحميد …