الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | شهر رمضان … موسم للخيرات والصدقات

شهر رمضان … موسم للخيرات والصدقات

د. يوسف جمعة سلامة*/

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا*عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا*يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا*وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا).
إن شهر رمضان المبارك هو شهر الإحسان إلى الفقراء ، كما جاء في الحديث الشريف: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ،كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ).
ومن المعلوم أنّ أعمال البرّ و الصدقات في هذا الشهر المبارك تطبيق عملي لشريعة التكافل الاجتماعي في الإسلام، وتقوية لروابط الأخوة بين المسلمين غنيهم وفقيرهم على السّواء، كما جاء في الحديث أنّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَـأ سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ).
رمـضان … شهر الصدقات والزكوات
إِنّ الصدقة عمل جميل، حيث يتقرّب المؤمن إلى الله عزَّ وجلَّ، كما في قوله سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}، كما أنها فريضة فرضها الله على القادرين، حيث قال- صلّى الله عليه وسلّم – لمعاذ – رضي الله عنه- حين أرسله إلى اليمن: (أَعْلِمْهُم أَنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤْخَذُ من أغنيائهم وَتُرَدُّ على فقرائهم)، كما وورد أنّ الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – قال: (حَصِّنُوا أموالَكم بالزّكاةِ، وَدَاووا مرضاكم بالصّدَقَةِ)، وشهر رمضان الذي نعيش في ظلال أيامه المباركة هو شهر الصدقات والزكوات، ومن المعلوم أنّ الحسنة تُضاعف فيه كما جاء في الحديث الشريف: (… مَنْ تَقَرَّبَ فِيْهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيْضَةً فِيْمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيْهِ فَرِيْضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِيْنَ فَرِيْضَةً فِيْمَا سِوَاهُ…).
لذلك فإنّ كثيراً من المسلمين يغتنمون حلول هذا الشهر المبارك لإخراج زكاة أموالهم فيه، رغبة في تحصيل الأجر العظيم والثواب الكبير، لذلك فإننا نناشد الموسرين والمُزكِّين والمُتَصدِّقين أن يُخَصِّصوا شيئاً من أموالهم للفقراء ولرعاية أسر الأيتام، وذلك بتقديم مساعدات شهرية للمساكين والمعوزين، ولطلاب المدارس والمعاهد والجامعات بدفع الأقساط المدرسية عنهم، وللمرضى بدفع التأمين الصحي، ودفع ثمن الكهرباء والماء عَمَّن لا عائل لهم ، ودعم ومساعدة المؤسسات الخيرية التي تُقدّم يدَ العون والمساعدة للأيتام والفقراء والعائلات المستورة.
ما نقص مال من صدقة
من الجدير بالذكر أنَّ الصدقات ليست- كما يظن البعض- سبباً في قِلِّة المال، ولاتُنْقِصه كما جاء في الحديث(ما نَقَصَ مالٌ مَنْ صَدَقة)، إنّما هي سَبَبٌ في وجود خَلَفٍ لها بعد خروجها، كما جاء في الحديث أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم– قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا).
ومن أشكال الصدقات والبرِّ خصوصاً في مثل هذه الأيام المباركة مساعدة الأسر المحتاجة بتوفير الطعام والغذاء لهم من خلال السلّة الغذائية، وبشراء الملابس لهم من خلال مشروع كسوة العيد، ومساعدة الضعفاء والفقراء واليتامى والثكالى والأرامل برسم البسمة على شفاههم، وإدخال السرور على القلوب البائسة بما أفاء الله على الموسرين من النّعم، فإنَّ منع الزّكاة سبب مباشر لغضب الله، فقد جاء في الحديث: (وَلَمْ يَمْنَعُوا زكاةَ أموالهِمِ إلا مُنِعُوا القطرَ من السماءِ، ولولا البهائِمُ لَمْ يُمْطَروا).
اللهم أعطِ منفقاً خَلَفا
من المعلوم أنّ ديننا الإسلامي الحنيف حثّ على الإنفاق، حيث بَيَّن بأنه علامة على صِدْقِ الإيمان وكماله، كما قال– صلّى الله عليه وسلّم -: “وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ”، وعند دراستنا للأحاديث الشريفة فإننا نتعرف على ما أَعَدّه الله سبحانه وتعالى من مَثُوبةٍ وأجرٍ كبير للمُنفقين، منها قوله – صلّى الله عليه وسلّم– فيما رُوي عن أبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ)، وفي حديث آخر رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أيضاً- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا).
فعلينا أن نُسارع إلى فِعْل الخيرات والصدقات خصوصًا في هذا الشهر المبارك، فقد منحنا الله سبحانه وتعالى المال وتفضَّل علينا بالثواب، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} . أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس
جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ).
من المعلوم أنّ ديننا الإسلامي الحنيف جعل إدخال السرور على الناس من أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، وأحبّ الناس إلى الله سبحانه وتعالى هو أنفعهم للناس، حيث إنه يساعد الناس، فلا يأتيه مريض أو فقير أو محتاج إلا أعانه، فهو يقضي حوائجهم وَيُفرّج كرباتهم وَيُغيث الملهوفين منهم، فقضاء حوائج الناس وتنفيس الكُربات عنهم وفعل المعروف معهم وعمل الخيرِ لهم، صفات كريمة ينبغي على المسلم أن يتحلّى بها.
فما أحوجنا إلى التعاون والتراحم والتكافل فيما بيننا، بأن يعطف الغنيّ على الفقير ويرحم القويّ الضعيف، فنحن أبناء أمة واحدة، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا.
نداء إلى أهل الخير
إننا نناشد أهل الخير بضرورة إغاثة المحتاجين والفقراء والأيتام وتقديم يد العون والمساعدة لهم، التزاماً بالنصوص الشرعية وقيامًا بواجب الأخوة وسدًّا لحاجاتهم، فجميل أن يُخَصِّص الأغنياء من أبناء شعبنا وأمتنا شيئاً من أموالهم لرعاية الأسر الفقيرة والمحتاجة.
وأنا هنا أُذَكّر أهلَ الخير بالحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والذي يُبين فيه رسولنا– صلّى الله عليه وسلّم -، بأنَّ رجلاً كثير الذنوب، وفي رواية امرأة بغيّ، قد غفر الله لهما، لأنهما سقيا كلباً كان يأكل الثرى من العطش.
هذا جزاء مَنْ سقى كلباً، فما ظنّك أخي الكريم بجزاء من يسقي ظمآن، وَيُطعم جائعاً، وَيكسو عُرْياناً، ويمسحُ رأس يتيم، وَيُزيلُ الدمعة من عيني طفل صغير، خاصة إذا كان هؤلاء من أبناء شعبه؟!
فهذا نداءٌ نوجهه إلى الأيدي الخَيِّرة والقلوب الرحيمة والأنفس المعطاءة والمؤسسات الخيرية، ليساعدوا إخوة لهم كي يعيشوا حياة كريمة {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
تعالوا أيها الأخوة الكرام، لنرسم البسمة على الشفاه المحرومة، وندخل السرور على القلوب الحزينة، ونمسح رأس اليتامى والمساكين.
أملي أن نستجيب … فما زال حديث رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – يتردد على مسامعنا: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
اللهم تقبّل منّا الطاعات وفعل الخيرات وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكرى حريق المسجد الأقصى المبارك

د. يوسف جمعة سلامة*/ أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- …