الرئيسية | ليتفكروا | الوحدة الاجتماعية للأمــة فــي رمضان

الوحدة الاجتماعية للأمــة فــي رمضان

د. بدران بن الحسن */

تحدثنا في مقالنا السابق عن توحيد الأمة ثقافيا في رمضان، وفي هذا المقال نتجه نحو الجانب الاجتماعي، لنرى كيف يؤثر رمضان فينا اجتماعيا، وكيف تتجلى الأبعاد الاجتماعية لهذا الركن من أركان الإسلام وهذه الشعيرة العظيمة التي كتبها الله علينا كما كتبها على الذين من قبلنا من أمم الأنبياء عليهم السلام.
ففي رمضان أيضًا تتجلى تلك الوحدة الاجتماعية بين المسلمين، إذ ينمو الشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالمسلم الصائم يتبادل العواطف والمشاعر نفسها مع الناس من حوله حينما يراهم صيامًا كلهم؛ بل إنه يشعر بالصلة والرابط المتين مع البقية من جيرانه وأصحابه وإخوانه وأصدقائه وأهله وبمن يحيط به؛ إذ الكل صائم، والكل يمتنع عن ملذات الدنيا المباحة استجابة لدعوة الرحمن.
إن الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والمرأة والرجل، والعربي والأعجمي، والشيخ والشاب، كلهم يمسكون ويفطرون دون تفاضل أو تمايز إلا بعذر شرعي، فلا استثناء ولا خروج عن نهج هذه الشعيرة بناء على جاه أو مركز أو مال أو صلة قربى أو حمية.
وهنا تظهر القيمة التوحيدية لهذه الشعيرة، إذ يستوي في الالتزام بها الناس جميعًا، ويدرك الفقير والغني أنهما من طينة واحدة؛ بل ويدرك الغني ما يعانيه الفقراء من همّ الجوع طوال أيام السنة، عندما يجرب جوع «أيام معدودات»، وتتجلى معايير الإسلام في التفاضل بين الناس، ليس على أساس طبقي أو عرقي أو جنسي، بل على أساس التقوى والعمل الصالح، على أساس ما يبذله كل فرد سرًا وعلانية من اجتهاد في العبادة، ويصير بذلك ميزان التفاوت في المجتمع وعند الله هو قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[سورة الحجرات: 13]، وكذلك قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[سورة البقرة: 183].
إنها وحدة اجتماعية في ظل العبودية لله تعالى، التي تحرر العلاقات الاجتماعية من عوائقها، وترفعها إلى مستواها القيمي الذي يحقق رسالة الإنسان فردا ومجموعا في هذه الدنيا.
ومن جهة أخرى؛ فإن هذا الشهر الكريم يقلل الفجوة بين فقراء الأمة وأغنيائها، وذلك من وجهين؛
أولهما أن كثيرًا من الأغنياء ممن تعود على حياة الدعة والغنى والعيش الرغيد، تحصل لهم مشقة بامتناعهم عن الطعام والشراب في نهار رمضان، وهذا يوصلهم إلى إدراك نعمة الله تعالى عليهم بالغنى والتنعم بخيرات الله تعالى طوال السنة، كما أن منهم من يدرك ما يعانيه البائس والمعتر والفقير والمسكين من الناس، ويدرك أغنياء الأمة ما فيه فقراؤها من هم وغم، فيجددوا صلتهم بأمتهم، ويعطوا من فضل الله عليهم إلى فقراء الناس. والواقع يشهد أن في رمضان تزداد صدقات الأغنياء وتبرعاتهم وعطاياهم. وهذا من مقاصد هذا الشهر الكريم الذي يجعل هؤلاء الأغنياء يدركون ما يعانيه إخوانهم ممن أصابتهم الفاقة والفقر. وبهذا تتجلى أهمية هذا الشهر الكريم في إحلال قيم الوحدة الاجتماعية بين أبناء الأمة.
أما الثاني فإن الفقراء الذين لا يجدون حاجتهم طوال السنة يفتح الله عليهم ببركات هذا الشهر الكريم من الخيرات ما يجعلهم أقل بؤسًا وأكثر راحة، بل ومن الفقراء من يغنيه الله في هذا الشهر الكريم، ومنهم كثيرون يدركون أن قيمة هذه الأمة في وحدة أبنائها وتعاون فقيرهم مع غنيهم. ويدرك الفقراء أن الأغنياء إخوانهم فلا يحقدون عليهم بما فضل الله بعضهم على بعض، كما قال تعالى:{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ}[سورة النحل: 71].
في هذا الشهر الكريم أيضاً تتجلى قيم التكافل والتراحم والصلة بين المسلمين في أبهى صورها، وصور الجود والكرم. وهذا ما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان …»(رواه البخاري ومسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه غيرَ أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (رواه أحمد وأصحاب السنن).
ذلك أن هذا الشهر الكريم يقرّب المسافات بين طوائف الأمة وجماعاتها، ويوحد بينها من خلال تلك العبادات التي يؤديها المسلمون فرادى وجماعات. فتعلو قيمة الجماعة، ويصير إحياء الشعائر سنة ظاهرة بعد أن كادت تموت، ويتكافل الناس عندما يجتمعون، ويحس بعضهم ببعض ويدرك هذا ما يعانيه الآخرون.
فما أعظمك يا رمضان! وما أكثر بركتك! وما أحلى صيام أيامك وقيام لياليك! فإنك شهر كريم، فيك تجتمع أمة محمد فتتحد قيمها الثقافية من خلال اللهج بالقرآن بشكل ليس في غيره من الشهور، ويتكافل فيك الناس بوجه لا يكون في غيرك من أيام الله، وهو بهذا يوحد من قيمها الاجتماعية؛ وأولها مفهوم الجماعة ومفهوم التكافل والرحمة. والله أعلم.
مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية/ جامعة قطر

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلـــــم والضمـــــــــــير

د. بدران بن الحسن * منذ أيام نشرت جريدة التايمز البريطانية يوم 28 مارس/آذار 2021م …