الرئيسية | الحـــق الـمر | المجتهدون الجدد…

المجتهدون الجدد…

يكتبه د. محمّد قماري/

ترددت كثيرا في وضع هذا العنوان، فربما فهم منه بعض القراء إقرارًا مني بأن ما يدور منذ مدة على ساحتنا الفكرية على ألسنة وأقلام أقوام لا خلاق له صلة بالاجتهاد ولو من باب المجاراة…

الاجتهاد في الثقافة الإسلاميّة صنو للجهاد، بل إن اجتهاد ذوي العقول والقرائح هو الأصل الذي يجعل الأمّة في منعة، ويعفيها من الجهاد، لأن الاجتهاد في روحه هو قراءة واعية لواقع الأمة، ويعمل على سد الثغرات في حياتها المادية والأدبيّة من خلال تنزيل نصوص الوحي أو استحضارها، ولأجل ذلك وجدنا علماءنا يجتهدون في فتح ابواب للتشريع كالاستحسان والقياس وهي مباحث تتجاوز تنزيل نصوص الوحي على وقائع محددة أو تفتح قراءة في (النوازل) المستحدثة، دون البغي على روح الثوابت أو جعل عنق النص يلتوي تبعًا للأهواء أو الفهوم العليلة…
كل ذلك جعل ائمة أفذاذا، كالإمام محمد بن إدريس الشافعي، ينتبهون إلى وضع (المنهاج) أو ما يعرف عند طلبة الجامعات اليوم بالمنهجية، فالمنهاج ممثلا في علم أصول الفقه هو الفيصل بين الاجتهاد المعتبر، وآراء صبيانيّة مريضة بـداء (الاستسهال) وتعاني من (الاسهال) اللفظي…
لقد كتب علماء الأصول أو المنهاج وهم يضعون معالم ذلك العلم الشريف في (علوم الآلة) ومنها وأهمها معرفة تامة باللّغة العربيّة، بتقديمها وتأخيرها في النظم، ومجازها وحقيقتها ونحوها وصرفها وبلاغتها، ومن كانت بضاعته مزجاة في ذلك فلا يحق له أن يقرب ساحة التعامل مع النصوص، بل أولى له أن يكون مقلدًا للعلماء ممن يحوز الكفاءة والكفاية…
لقد كرهنا أن يُطل علينا بين الحين والآخر، متخرسٌ قليل المعرفة ليقول لنا إننا ما زلنا لم نقرأ القرآن؟ وآخر يعطل نصوصًا بزعم أنه وصل إلى فهم جديد، فإذا اطلعت على ما يقولون توارت تلك الدعاوي العريضة، لأنها لا تستقيم مع روح (المنهاج) أو المنهجية…
لو تصورنا دعيًا قال لنا يجب إلغاء المضادات الحيوية، لأنها لا تفيد الجسم، هل في العقلاء من يعتبر هذا الكلام من باب (حرية التعبير) بل لا يصح حتى من باب حرية (التبعير)، لأن الأطباء يعتبرون منذ ظهور هذه الأدوية أنهم بصدد سلاح خطير في محاصرة البكتيريا الضارة، وربما طالبوا بالحجر على هذا الدعي إذا ظهر أنه مربك للحياة العامة…
إن كل ذي عقل يدرك انفتاح النص القرآني على فهوم الأجيال، وأن السلف لهم الفضل في وضع المنهاج والضوابط في التعامل مع النص، وهذا هو معنى الأثر الذي يصف القرآن الكريم بأنه (لا تنقضي عجائبه) فهو ليس نصا مغلقا على فهم جيل أو زمن محدد، لكنه أيضا نص منضبط في فهمه بحقيقة اللّغة العربيّة التي بها أنزل، ومنضبط من حيث لا يقبل أن يفرغ من المدلولات التي تراكمت عبر أجيال الأمة، ليتحوّل إلى دوال يعبث بها الصبيان…
صحيح أن هذه الفتنة، فتنة الذين يتجرؤون بغير علم على نصوص القرآن، قديمة ولها أشباه ونظائر في كل عصر، لكن روح هذا العصر الذين تطير فيه المعلومة عبر وسائل التواصل والإعلام، إذ تصبح في أقصى الغرب وتمسي في أقصى الشرق، وتزينها الصورة والألقاب الرنانة من قبل (الأخصائي) والدكتور والأستاذ، وقد تفتن بعض عوام الناس ممن لا تحصين لديه…
والحقيقة، أن هذا الغبار الذي يثار بين الحين والآخر، غدا أقرب إلى ملهاة تطل برأسها في صورة فتاوى رقيعة، كفتوى (إرضاع الكبير) أو تفسير خارج جميع أنساق المعرفة لنصوص من الكتاب والسنة، ويتم تسويقها على أنها (اجتهاد جديد) أو تدخل ضمن حرية الرأي بل (حرية المعتقد)…
إنَّ حرية المعتقد تعني غير المسلم ابتداءً، فلو أن هؤلاء قالوا أنهم ليسوا مسلمين، لقلنا لهم، دعوا دين المسلمين لأهله، وتحدثوا في أديانكم وشرائعكم التي تعتنقونها، أما (التخريب) من الداخل فلا يجب السكوت عليه، فالشريعة الإسلاميّة لها أهلها، وهم لا يقبلون بالاجتهاد في نصوصها خارج ضوابط (المنهاج) الذي وضعه أعلامها، وزكته بالتواتر أجيال متعاقبة من هذه الأمة.
لا خلاف إذن في كون النص الديني الإسلامي نص مفتوح أمام عزائم المجتهدين، لكن وفق شروط بعضها جاءت توقيفية من صاحب الرسالة نفسه، صلى الله عليه وسلم، وبعضها الآخر خطته عزائم رجال أفذاذ وفق (منهاج) علمي منضبط، وليس في هذا تضييق على أصحاب العقول الكبيرة، والعزمات الصادقة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في معنــــى النصــــر…

يكتبه د. محمّد قماري/ قرأت يوما في كتاب (البداية والنهاية)، وهو كتاب في التاريخ ألفه …