أعلام

قصيدة مغمورة عن شهر رمضان للشيـــــخ محمـــــد الهادي السنوسي

أد. مولود عويمر/

كانت الحركة الإصلاحية الجزائرية تستقبل شهر رمضان في كل عام بترتيبات خاصة منها انتشار المصلحين في القطر الجزائري لإلقاء الدروس والمحاضرات في المساجد والنوادي، وتنظيم قصائد شعرية بهذه المناسبة الدينية السنوية ونشرها في الصحف الوطنية… وأذكر منها قصيدة جادت بقريحة الأديب والشاعر الشيخ محمد الهادي السنوسي (1974-1902) ونشرها في جريدة “اللواء”.

من هو محمد الهادي السنوسي؟
ولد محمد الهادي السنوسي في 13 جوان 1902 بقرية ليشانة بمنطقة الزاب (بسكرة). درس على يد والده علوم اللغة والدين ثم سافر إلى مدينة قسنطينة ليواصل تحصيله العلمي على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس ولازمه عدة سنوات طالبا ثم مساعدا له في التدريس وفي إعداد جريدة المنتقد ثم جريدة الشهاب والترويج لها عبر القطر الجزائري. ونظرا لفطنته وحيويته أرسله الشيخ ابن باديس إلى فرنسا ليدعم حركة الاصلاح فيها تحت قيادة الشيخ الفضيل الورتلاني.


وعمل معلما بمدرسة الشبيبة الإسلامية التي كان يشرف عليها الشيخ محمد العيد آل خليفة، ويدرّس فيها كوكبة من العلماء: فرحات بن الدراجي، عبد الرحمان الجيلالي، أحمد جلول البدوي. وانتقل إلى مدن عديدة للأشراف على المدارس الحرة في عين تموشنت، تلمسان، سيدي بلعباس. واضطرته الظروف الاجتماعية القاسية للعمل في الإذاعة فقدم برامج ثرية في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي.
واشتغل مبكرا في الصحافة فكتب في عدة جرائد ك “المنتقد” و”الشهاب” للشيخ عبد الحميد بن باديس، وصحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ك “السنة” و”الصراط” و”الشريعة” و”البصائر” وبعض جرائد الشيخ إبراهيم أبو اليقظان… وجرائد جمعية شباب الموحدين ك “القبس” و”اللواء”. كما نشر في مجلة “هنا الجزائر” التي كانت يصدرها القسم العريي بإذاعة الجزائر، ثم مجلة “القبس” الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية قبل الاستقلال.
وفي مجال التأليف أصدر كتاب “شعراء الجزائر في العصر الحاضر” في جزأين. وهي موسوعة أدبية نشرها في 1926 (ج1) و1927 ( ج2) على نفقته الخاصة. وتضمن هذا الكتاب ترجمات لشعراء معروفين ومغمورين، وكذلك نصوصا شعرية ونثرية منشورة وغير منشورة. وقد أعاد الدكتور عبد الله حمادي – حفظه الله- طبع الكتاب في عام 2007 ضمن إصدارات الجزائر عاصمة الثقافة العربية طبعة منقحة ومزيدة.
وله أيضا رواية مسرحية شعرية عنوانها “الشباب الناهض” موجهة لتلاميذ المدارس العربية الحرة نشرها في المطبعة العربية الاسلامية بقسنطينة سنة 1355 هـ. أما مقالاته النثرية وقصائده الشعرية فهي مازالت مبثوثة في الصحف والمجلات التي أشرت إليها من قبل وتحتاج إلى باحث جاد يجمعها ويبوبها ويدرسها فهي جديرة بكل ذلك.
واشتغل بعد الاستقلال مدرّسا في التعليم الثانوي وساهم في الحركة الأدبية والثقافية بكتاباته في الصحافة وإلقاء المحاضرات وتقديم برامج إذاعية إلى أن توفي ليلة الجمعة 17 رمضان 1394 هـ الموافق لـ 14 أكتوبر 1974.
وقد كتب عنه صديقه الكاتب حمزة بوكوشة الذي اعتبره “من بواكير الحركة الإصلاحية بالجزائر، وقد شارك فيها بأدبه، وشعره، وخطبه، فكان شاعرها العبقري، وخطيبها المصقع، وأديبها الألمعي”. كما اهتم بدراسة آثاره النثرية والشعرية عدد من الباحثين الجزائريين من أمثال الدكتور محمد بن سمينة،والدكتور عبد الله حمادي، الأستاذ فوزي مصمودي، والدكتور طارق ثابت وغيرهم.
جريدة اللواء في سطور
أما جريدة “اللواء” التي نشرت القصيد فقد صدر عددها الأول في 17 أفريل 1952. ولم يظهر منها إلا ثلاثة أعداد. وهي صحيفة شهرية مقرها بنادي الترقي بالجزائر العاصمة، وكان يديرها أبو بكر جابر الجزائري.
وتحتوي أربع صفحات كبيرة، تنشر فيها مقالات في الدعوة والأدب نثرا وشعرا. ومن أبرز كُتابها الأستاذ محمد الهادي السنوسي. كما تتابع نشاط جمعية شباب الموحدين وزعيمها الروحي الشيخ الطيب العقبي.
وحرصت هذه الجريدة على نشر أخبار العالم الإسلامي حتى لا يبقى الشاب الجزائري غائبا عن الحراك السياسي والثقافي الذي كانت تعج به بعض العواصم العربية، وتدعم بذلك أواصر التواصل مع إخوانه المسلمين في العالم.
وتتبنى هذه الجريدة أحيانا مواقف سياسية نقدية تجاه خصومها أو سلطة الإحتلال، وعلى سبيل المثال أذكر هنا المقال المنشور في الصفحة الأولى من العدد الثالث عبرت من خلاله عن معارضتها لنفي الزعيم السياسي مصالي الحاج إلى فرنسا، واستنكارها للنظام الاستعماري الجائر.
ولعل هذا المقال هو السبب وراء توقيف هذه الجريدة، بينما يرى الباحث فوزي مصمودي في كتابه “تاريخ الصحافة والصحفيين” أن جريدة “اللواء” توقفت عن الصدور بسبب تفرغ صاحبها للتعليم.
من إلهام رمضان
نظم محمد الهادي السنوسي هذه القصيدة البائية بطلب من مدير الجريدة أبو بكر جابر كما جاء ذلك في كلمة تقديمها للقُراء. وهي تتضمن 28 بيتا مقسمة إلى 4 فقرات. وهذا هو نصها الكامل الذي جاء بعنوان “من إلهام رمضان”، والمنشور في العدد الثالث (3) الصادر في 25 جوان 1952 في الصفحة الثانية (2):
شهر الهدى بالخير آبا باليمن قد ملأ الرحابا
يحدو به الروح الأميـن لمن يصومون احتسابا
سهل على النفس التي ترجو من الله الثوابا
شهر الرسالات التيزفت إلى طه كتابا
جبريل لم يفتأ ينيـر به السباسب والهضابا
يهدي إلى الحسنى ويف تحها لنا بابا فبابا
لم لا؟ وأحمد منه فينور التجليات غابا
وصل الصيام نهاره بالليل أياما حسابا
جبريل والملك الكرام به يحفون اقترابا
***
صمناه والحر الشديد يكاد يلتهب التهابا
والريق في أفواهنامن وقعه قد صار صابا
لا الجوع أثر إذ يلحـح وخاب في الالحاح خابا
ألطاف مولانا لناحرز تقينا أن نصابا
صمناه لم نعبأ بمنفي حكمة الصوم استرابا
والنفس تغرينا بأخــطاء فآثرنا الصوابا
من لم يهذبه الصيام فعد عامره خرابا
واعدده أن أبصرتهفي زيه الزاهي سرابا
***
رمضان شهر الوحي كم للمكرمات بنا أهابا
وسما بنا خلقا وهيـبا للحفى به مئابا
تزكو عليه النفس إذتستهل النفس الصعابا
إنا اهتدينا والهدىينفي عن المرء العذابا
***
اذكر من السلف الكرام الغر أمجادا صحابا
والحرب حامية الوطيس تدق بالموت الرقابا
صاموا لربهموا وماصقلوا الأسنة والحرابا
لا يؤثرون على المعالي في الدنا العيش الكذابا
عرفوا الحياة تنافسافي الخلد فاستبقوا الرغابا
طابوا نفوسا بالرسول لأنه بالله طابا
فإذا دعاهم دعوةكل لدعوته استجابا

وإذ أحيي هذه القصيدة المغمورة في هذا اليوم ونحن على أبواب ذكرى وفاته التي حصلت في ظروف مأساوية بعد تسممه بالغاز وإصابته بالشلل الكامل في وسط شهر رمضان 1394 هـ، فإنني أتمنى أن يستفيد منها الباحثون في مجال الأدب الجزائري الحديث أو المهتمون بالقصائد الشعرية الدينية بشكل عام والقصائد الرمضانية بشكل خاص. فشهر رمضان ألهم دائما الشعراء وفتح قريحتهم لتجود بأجمل الأقوال وأطيب المعاني وأصدق المشاعر، ولا غرابة في ذلك شهر رمضان هو شهر العبادة الذي ينتصر فيه الإنسان على كل الشهوات ويسمو قلبه ويتطيّب لسانه ويعلو إدراكه ويرتقي فكره ويرتفع إيمانه.
رحم الله الأستاذ محمد الهادي السنوسي، وقيّض له من يقدّرون فضله وإخلاصه وتضحيته ونضاله، ويجمعون آثاره المبثوثة في الصحف والمجلات الجزائرية والعربية، وينشرونها ليقرأ الناس في كل مكان صفحات مشرقة من الأدب الجزائري المعاصر..

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com