الرئيسية | أعلام | مقالات | التصــــرف السيــاســــي فـــي الإســــلام بيـــن الثابــت والـمـتغيــــر بين التاريخـــــــي والشرعـــــــــي (2)

التصــــرف السيــاســــي فـــي الإســــلام بيـــن الثابــت والـمـتغيــــر بين التاريخـــــــي والشرعـــــــــي (2)

أ. مرزوق خنشالي/

إن موضوع التصرف السياسي في الإسلام واسعٌ مترامي الأطراف متشعب المسالك انصهر فيه النص مع الواقع وتمازج فيه المكون التاريخي مع النص الشرعي…
يتعسر على الباحث فيه الخروج منه بشيء يسهم في بلورة ما يمكن أن يسمى نظرية شبه تجريدية تكون أرضيةَ منطلقٍ واقعي… و لن يتم ذلك إلا بعملية فك وتركيب للتاريخي والشرعي من خلال جانبين تجب مراعاتهما منفصلين ابتداءًا :
جانب تاريخي (diachronique) : يُعنى بتطور الظواهر وصيرورةِ أوضاعِها في مراحلَ أو فتراتٍ زمنية متتالية…
وجانب وصفي (synchronique): يركز في تحليله للظواهر على جملة علاقاتها وأبنيتها المتراكبة وانتظامها في نسق حركي (Dynamique) ثم تأتي مرحلة الدمج بينهما لتحليل الظواهر وظيفيا…
لتنكشف لنا مستويات هذه الأبنية ومعاملاتها الثابتة والمتغيرة
وتتجلى لنا السياقات التي أنتجتها والظروف التي كيفتها من منظور علمي صحيح
فنصل إلى تمييز حاسم بين النص والفتوى، وبالتالي بين المبدئي والتاريخي في التصرف السياسي في الإسلام…
ذلك أن المرجعية الفكرية لكثير من كتاب السياسة الشرعية والمنظرين لها ـ على قلتهم ـ مرتبطة بالعوامل الخارجية التي دخلت في تكوين التاريخ الإسلامي…
هذا التاريخ الذي لم يخل من عوامل دخيلة، غريبة عن الإسلام وأخص بذلك الفترة الممتدة من ما بعد العهد الراشدي إلى يومنا هذا.. وهي الفترة التي دونت فيها مقولات فقهاء السياسة الشرعية والأحكام السلطانية عمومًا…
وقد وصفها الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ وصفا دقيقا بقوله: ‘’فإن العلم تأثر بالحكم دهرًا، وتلونت الدراسات الدينية بمآرب الحاكمين، ثم ذهب المنتفعون من ذوي السلطة، وبقي المخدوعون من أهل العلم ـ أعني العامة وأشباههم ـ’’
فلابد لقارئ التاريخ أن يكون متفطنا فلا يأخذ حوادثه مجردة من ظروفها فيقع في الخطأ، ولابد له من فك الرهان بين المقدس والتلبسات الثقافية، بين النص ومقولات فقهاء السياسة الشرعية؛ إذ ترجع معظم التشريعات السياسية إلى التفاعل بين النصوص المؤسسة و الواقع المعيش، بين الثابت والمتغير، ذلك أن فهم كثير من التشريعات السياسية لا يتأتى إلا بمراجعة التاريخ الإسلامي في ظل الأنساق الثقافية التي كانت سائدة وقت تشريعها…. أي بإدراك جذور التشريعات.. بل لابد من إعادة قراءة التشريع الإسلامي التاريخي وفق منهج قرآني نسائل تفاصيله والأحداث التي ساهمت في تشكيله و نميز على ضوئه النص المحوري المقدس الثابت من الحدث التاريخي البشري المتطور، ونفهم بذلك الأغراض والمقاصد والسلط المحركة للحدث التاريخي… ونركز على أثر ومنعكس التاريخي على الشرعي لنفهم التشريعات المبثوثة في الفكر السياسي الإسلامي التاريخي في إطار نسقها الثقافي بعيدا عن القداسة، إذ أن إدراك الأنساق الثقافية التي ولدت فيها هذه التشريعات كفيل بأن يفسر لنا كثيرا من المقولات الفقهية التي تحولت إلى «معتقدات» مازلنا نعايشها حتى الآن وتكبل حركتنا وانعتاقنا الديني نحو أفاق منظومة سياسية أكثر رحابة واتساعا…
إن تشبثنا بهذه المقولات الفقهية ظنا منا أننا نتشبث بالشرع يعيق سيرنا نحو الإسلامية والإنسانية والعالمية الخالدة التي يرسيها الخطاب القرآني السامي بقيمه وتعاليمه.
إننا نحتاج لدراسات علمية جادة نكسر بها جذر الإفراط والتفريط، فإن الجهل بفقه السياسة الشرعية القائمة على الكتاب والسنة قد أوقع المسلمين في خطر مستطير وفتنة كبيرة أودت بوحدة الجماعة ونخرت كيانها.
وذلك ما ذهب إليه الإمام العلامة ابن قيم الجوزية (رحمه الله تعالى) في بدائع الفوائد: «وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرطت فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ومحتاجة إلى غيرها وسدوا على أنفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله «صلى الله عليه وسلم» وانزل به كتابه.’’
فبسبب ذلك الإفراط والتفريط في فهم السياسة الشرعية حصل الخلط بين التاريخي والشرعي وبين المقدس الإلهي والاجتهاد البشري، فوجدنا من ثبت ما جعله الله مرنا يدور مع تحقيق مصالح العباد في العاجل والمعاد وتشبث باجتهادات بشرية أنتجها التفاعل بين الشرع وواقع مختلف عن واقعهم زمانا ومكانا…

عن المحرر

شاهد أيضاً

التعلم مدى الحياة مبدأ في التربية المعاصرة وتعليم التعلم شعار التربية الحديثة

د.خالد شنون * لقد شكل البحث في التربية والعملية التعليمية التعلمية ومواقف التعلم الفعال اهتماما …