وراء الأحداث

من الـمجاهرة بالعار إلى الفخر بالجريمة!

أ. عبد الحميد عبدوس/

على غير عادة السفراء، يتصرف السفير الفرنسي في الجزائر فرنسوا غويات، وكأنه مفوض سامي في بلد محتل، ولا يبدو أن انزعاج السلطات الجزائرية من تصرفاته المشبوهة والمستفزة تدفعه لتغيير سلوكه الخارج عن ضوابط الممارسة الدبلوماسية، بل إن هذه التصرفات تلاقي تشجيع الخارجية الفرنسية التي تعتبر أن سفيرها في الجزائر: «يقوم بمهمته مع الاحترام الكامل للسيادة الجزائرية… وانه يعمل على تعزيز العلاقات الثنائية بما يتفق مع إرادة السلطات الفرنسية».
رغم التصريحات الرسمية عن رغبة السلطات الفرنسية في تهدئة العلاقات بين الجزائر وفرنسا بل في تعزيزها، إلا أنها تتصرف في الواقع كمن يريد توتير العلاقات ومنع تطبيعها، حيث كان من المنتظر أن تكون زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس والوفد المرافق له إلى الجزائر، التي كانت مقررة يومي 10 و11 أفريل الجاري(2021)، خطوة كبيرة في طريق تكريس عودة الدفء إلى العلاقات بين الجزائر وفرنسا وفرصة لبعث أشغال اللجنة الحكومية الرفيعة المستوى لتقييم التعاون الاقتصادي بين البلدين والتي لم تنعقد منذ ديسمبر 2017، لكن الجانب الفرنسي تعمد تخفيض الوفد المرافق لرئيس الحكومة من سبعة وزراء إلى وزيرين فقط، كما قلص مدة الزيارة من يومين إلى يوم واحد، وهو ما اعتبرته السلطات الجزائرية تقليلا من شأن الزيارة واستهانة بالجانب المضيف.
لم يقتصر استفزاز الطرف الفرنسي للجزائر على خلق ظروف إلغاء زيارة رئيس الحكومة الفرنسي للمرة الثانية للجزائر، بعد إلغاء الزيارة الأولى التي كانت مقررة في مطلع العام الجاري (جانفي 2021).
فقبل موعد زيارة جان كاستكس إلى الجزائر اعلن حزب الرئيس الفرنسي «الجمهورية إلى الأمام» عن إنشاء لجنة دعم في مدينة (الداخلة) في الصحراء الغربية المحتلة، كما عبر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن رأي فرنسا لتسوية النزاع بين المغرب والصحراء الغربية بالتأكيد على «دعم فرنسا لخطة الحكم الذاتي المغربية كأساس جاد وذي مصداقية»، وذلك خلافا لقرار الأمم المتحدة القاضي بتنظيم استفتاء لتقرير مصير الصحراء الغربية وهو المبدأ الذي تدعمه أغلبية دول العالم.
بالإضافة إلى كل هذه التصرفات العدائية والاستفزازية، مازالت بعض القنوات الفرنسية تفتح المجال لترويج خطاب عنصري واستعلائي ضد الجزائر وشعبها وتاريخها ،ومن ذلك ما صدر عن الكاتب الفرنسي مؤخرا، غيوم بيغو، في قناة فرنسية ذات توجهات يمينية متطرفة متخصصة في مهاجمة الاسلام والمغتربين وترويج الفكر العنصري عندما قال في مداخلته: «يجب أن نقول للجزائريين نحن الفرنسيون نفخر بأن روما استعمرتنا، يجب أن تفخروا أنتم أيها الجزائريون بأن فرنسا استعمرتكم». غير أن(غيوم بيغو) لم يكن هو الفرنسي هو الوحيد الذي طالب الجزائريين بضرورة شكر فرنسا على استعمارها للجزائر.
فقد سبق للرئيس الفرنسي الأسبق المحكوم عليه بالسجن نيكولا ساركوزي أن ادعى أن الوجود الفرنسي في الجزائر لم يكن بدوافع استعمارية بل كان «حلما حضاريا»، وطلب من أوروبا ألا تنسى (الماضي الاستعماري) لأن إضاعة ذلك الماضي تعني إضاعة اوروبا لمستقبلها، كما قال: «إنه إذا كان لفرنسا دين أخلاقي، فهو نحو الفرنسيين العائدين من الجزائر» وهكذا يعتبر الرئيس الفرنسي الأسبق أن دين فرنسا ليس نحو ملايين الضحايا الجزائريين الذين ذهبوا ضحية الإجرام الاستعماري، ومازالت فرنسا الرسمية ترفض تقديم الاعتذار لعائلاتهم وأقاربهم، ولكن دين فرنسا في نظر ساركوزي هو نحو الفرنسيين العائدين من الجزائر من مجرمي الأقدام السوداء، كما وصف من قتلوا من أفراد المنظمة السرية الإرهابية (o.a.s) بأنهم «شهداء من أجل فرنسا»، وفي المقابل تعتبر بعض الأوساط الفرنسية شهداء الثورة الجزائرية «إرهابيين».
من جهته رد الرئيس الفرنسي السابق الاشتراكي فرانسوا هولاند خلال زيارته للجزائر على طلب تقديم اعتذار عن الماضي الاستعماري الفرنسي بقوله: «لست هنا لإبداء الندم او الاعتذار. أنا هنا لأبلغ الحقيقة للجزائريين».
في حين اعتبر رئيس الحكومة الأسبق فرانسوا فيون إن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان بقصد نشر الثقافة الفرنسية فيها، وليس من أجل استعمارها ونهب ثرواتها، وأكد بأنه سوف يسعى لتغيير كتابة تاريخ فرنسا في مستعمراتها السابقة، حتى يعطي نظرة مغايرة للأجيال عن الاستعمار.
أما زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان فقد قالت: «إن الاحتلال الفرنسي أكسب الجزائر أشياء كثيرة، وإن الجزائريين ذوي النيات الحسنة يقرون بهذه الحقيقة».
هذه مجرد عينة عن نظرة الكثير من المسؤولين والسياسيين الفرنسيين الحاليين سواء أكانوا من اليمينيين أو الاشتراكيين أو اليمينيين المتطرفين لماضي بلدهم الاستعماري في الجزائر، فمنهم من يعتبر أن الاستعمار يستحق الفخر والتمجيد ومنهم من يعتبر أنه لا يدعو للندم والاعتذار، وفي المقابل فإن غالبية الجزائريين يرون أن الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ الملك شارل العاشر(1830) إلى عهد الرئيس شارل دوغول(1962) كان مصيبة كبرى وجريمة لا تسقط بالتقادم، لأن سياسة فرنسا منذ بداية غزوها للجزائر كانت هي السعي الكامل لفرض السيطرة الفرنسية، وسحق مقاومة الشعب الجزائري وإخضاعه للهيمنة الفرنسية والعبودية الاستعمارية. فمن قبل أن يجف حبر معاهدة الماريشال الفرنسي دوبورمون مع داي الجزائر في سنة 1830 أطلق قادة فرنسا الاستعمارية أيادي جيوشهم لممارسة أقسى أنواع القتل والنهب والتخريب والتقتيل.
فقد قال الجنرال روفيغو(الحاكم العسكري 1831ـ 1833): «حيث أننا لن نستطيع أبدا أن نمدنهم، فما بأيدينا إلا إقصاءهم في الفيافي والقفار واستبعادهم كما تستبعد الوحوش من الأماكن الآهلة، ويتحتم عليهم حينذاك أمام اتساع رقعة استيطاننا وتعميرنا التقهقر نحو الصحاري والقفار».
وفي عام 1832 كان جنود هذا الجنرال الذي جاء إلى الجزائر من أجل «تمدين» سكانها المتوحشين يبيعون في حي باب عزون أساور النساء المعلقة في المعاصم المقطوعة. وفي 6 أفريل من السنة نفسها تمت إبادة قبيلة العوفية بكاملها على مقربة من مدينة الحراش على يد جنود الجنرال روفيغو. وفي 18 جوان 1845 قام العقيدان بليسيي وسانت أرنو تحت قيادة الجنرال بيجو بحرق المئات من الرجال والنساء والأطفال من قبيلة أولاد رياح في كهف الظهرة شرق مستغانم، ولم يسلم من هذه المحرقة التي ابتدعها الاستعمار الفرنسي حتى الدواب والأنعام.
ويروى المؤرخ فوتيي في كتابه (تحقيق في كهف الظهرة) ما قاله سانت أرنو عن تلك العملية قال: «فعل سانت أرنو ما أمكنه حتى لا تفلت أية قرية من قبضته، فسد باب الكهف بالبناء على 1500 عربي منهم عدد كبير من الرجال والاطفال، لم ينزل أحد سواي إلى الكهف، ولخصت عمليتي في قرار سري حررته ببساطة، لا بديع فيه ولا بيان ولا شعر ولا عاطفة، دفعته إلى الماريشال بيجو، رغم ما يقوله اصحاب البر والمعروف، فإني اعتقد أن الغاية تبرر الوسيلةـ فإني أعتقد أن الكولونيل مونتانياك كان له نصيب من الصواب، فالجيش الذي تكون مهمته إبادة شعب لا يكترث بقوانين الحرب، فما الحريق إلا حريق ـ لا يضرم الإنسان النّار ويطلب منها أن تكون بردا وسلاما، وما طبيعتها إلا الإحراق والتدمير».
عن هؤلاء القادة الفرنسيين الذين جاؤوا لينشروا «الثقافة والحضارة في الجزائر» ومازالت تماثيلهم منتصبة في شوارع فرنسا ومدنها إلى يوم الناس هذا، كرمز للفخر الفرنسي بأبطاله، يقول فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في كتابه (ليل الاستعمار): «كانوا كلهم في الضراوة سواء من روفيغو إلى تيريزيل ثمّ كلوزيل ثمّ يوسف وسانت أرنو وشانقارني ولا موريسيير وهيربيون ودومنونتانياك ودانريمون وبيليسي وكافينياك وبراندون ودوماس ووديريسون وكانروبير وبودو وهوبول وبوسكي وكامو، وبان …وهلم جرا يكفي الإنسان أن يطلع على الأحاديث التي يرويها أولئك الضباط عن غزواتهم ليحصل على صورة ضئيلة عما قاساه شعبنا من ويلات بشجاعة منقطعة النظير».
وفي المقابل فإن الجزائريين الذين كانوا يقاومون هذا الاستعمار المجرم تحت قيادة الأمير عبد القادر الذي يقول عنه عدوه الجنرال سانت ارنو ـوالحق ما شهدت به الأعداء ـ: «إن عبد القادر أطلق سراح جميع أسرانا بلا شرط ولا مبادلة، وبعثهم إلينا بعدما قال لهم: ليس بيدي ما يكفيني مؤنتكم، لا أريد قتلكم، ولذا أنتم أحرار..» ففي أي جانب كانت الحضارة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com