في رحاب الشريعة

طـــريــقـــة الحِكَـــــم الأدبــيـــة فـــــي الوقــايـــــة مـــن الخـــلافــــات العــائـليــــــة

الشيخ محمد مكركب أبران/

في البداية تعالوا لنطلع على بعض أسباب المشاكل العائلية التي تؤدي إلى الخصام والنزاع، بل والصراع بين الزوجين، أو بين بعض أفراد العائلة، وإذا عَلِمْنا الأسباب استطعنا الوقاية منها، والوقاية خير من العلاج.
علمتم أن الهدف من الزواج لمن رزقهم الله الأولاد هو تربية الجيل الصالح، من الرجال والنساء الذين يعبدون الله حق العبادة، ويعمرون الأرض بالخيرات، ومن جهة أخرى هناك أهداف نفسية، واجتماعية، وسياسية، ومنها: توفير السكينة والاطمئنان، والعواطف الأدبية التي تنظم دوافع الوجدان الأدبي بين الرجل والمرأة في الاتجاه الصحيح، الاتجاه الإنساني.
إلا أن بعض العائلات المتأخرة في فقه بناء الأسرة، والناقصة الزاد الأدبي في التدريب على بناء العلاقات الودية الحميمية، يُحَوِّلون عواطف المودة والرحمة إلى خصام وشجار، كما يحولون نسائم الأريحية المطلوبة إلى عواصف وإعصار، والسبب ترك مداخل العدو مفتوحة وبدون حراسة كافية، والعدو هم شياطين الإنس والجن، وشياطين الإنس أشد إيذاء من شيطان الجن، ومداخل نزغ الشياطين، هي غلطات الإنسان، (فتدبروا هذا) غلطات الإنسان، عن سهو أو خطأ أو نسيان، أو عن جهل وغفلة وعصيان. ولا تنسوا أننا مع دراسة الموضوع الكبير:{الرأي والرأي المخالف} وقد تيقنت الزوجة الذكية أنها إن أرادت السعادة الأسرية عليها أن تكون كالطبيبة النفسانية، والمعنى: أن تتدرب وتتفقه في قضايا الأسرة ومشاكل الأسرة، لتكون ليس كخصم يريد أن ينتصر على خصمه، وإنما كطبيب غايته أن يعالج مريضه، (أقول هذا مجازا).
فما هي بعض أسباب المشاكل العائلية؟
مع ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: بالطبع أن أسباب المشاكل التي سأذكرها قد يكون سبب واحد منها في عائلة ما، وقد لا يكون السبب ظاهرا، ولكن له علاقة بواقع المعاملات. وقد تكون آلاف الأسر والعائلات لا مشاكل فيها، والحمد لله رب العالمين.
الملاحظة الثانية: أن التحذير والتذكير لا يستغني عنه أحد، ولو كانت المرأة الصالحة التقية تستغني عن النصيحة وعن التذكير بهذه المشاكل والوقاية منها، لكان ذلك لنساء النبي عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهن. ولكن قال الله تعالى:﴿يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾[الأحزاب:30/32] وهذا التحذير رفعة لهن رضي الله عنهن، ولا يتصور القارئ وقوع ذلك منهن. بل إن السورة الكريمة بدأت بتوجيه الخطاب من الله تبارك وتعالى، للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾[الأحزاب:1].
الملاحظة الثالثة: ليس كل سبب أذكره أنه يُحْدِث مشكلا في حد ذاته، بل قد يكون سببا غير مباشر، أو يحدث الخطأ، ولكن لا يحدث مشكلا ولا خصومة ولا نزاعا أبدا بالنسبة للأذكياء الصابرين، والأتقياء المتبصرين، والصالحين والصالحات المتفقهين والمتفقهات، الذين أخذوا القسط الكافي من التدريب والتأديب.
1 ـ سبب السكن مع أهل الزوج: أن بعض الزوجات يرفضن السكن مع أهل الزوج، وإذا نشأت وسوسة الكراهية في ذهن الزوجة بأنها لا تريد معاشرة أبوي الزوج، فإن نزغ الشيطان يدعوها إلى التفنن في تعكير الجو، والسعي إلى إفساد العلاقة بينها وبين أهل الزوج، وهو تلوح بلسانها ليل نهار، الضيق، الضيق، ولو كانت في قصر، المهم عندها أن تبعد زوجها عن أبويها، رافضة خدمتهما، والسبب النفسي في داخلها، والذي لا تفصح عنه أبدا، هو في زعمها أن تنفرد بزوجها، لتكون سلطانة الدار، وزعيمة القرار.
قال محاوري: قلت في عنوان هذا المقال:{طريقة الحِكم الأدبية في الوقاية من الخلافات العائلية} فكيف تكون الوقاية التي هي خير من العلاج في هذا المشكل؟ قلت: لنعلم أن الوقاية الأولية وهي الأساس بيد الزوج أولا، ثم الزوجة. وذلك منذ البداية عند الخطبة، أن لا يكونا كقيس وليلى، ولا كجميل وبثينة، ولا كعنترة وعبلة، أن يكون كجابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن يكون رجلا، يتزوج بعقله، لا بعاطفة المراهقة،. فمنذ البداية، وكما أخبرتك وبكل جِدٍّ ورزانة وأدب، أن يقول لها ولأهلها عند الخطبة:{إنني أسكن مع أبي وأمي، وأخدم أبي وأمي وأصاحبهما بالمعروف والإحسان، مدى حياتهما، ولا أقل لهما أف، ومع أَخَوَاتي حتى يتزوجن، (إذا كان معه أخوات) يقول لمخطوبته: فإن رضيتي أهلا وسهلا، ونتعاون على البر والتقوى، وإلا فإن الله يُغْنِي كلًّا من سَعَتِه.
لماذا بعض الشباب يسكن مع والديه، وبإمكانه أن يعيش معهما ويتزوج ويرتاح معهما، والوالدان راضيان، ومع ذلك يفتح باب القلق عليه، وقد لا يُغْلق، ويبتلي نفسه بنفسه، عندما تضعف رجولته، قد يقول لزوجته يوم الخطبة: أحاول أن أستأجر بيتا ونسكن وحدنا، انتظريني مدة!! وو، وأراني قَدَّمْتُ طلب السكن!!، ووعدني فلان!، وفلتان!. وكان في غِنًى عنْ كلِّ هذه المحن. ثم هي إذا كانت امرأة مؤمنة طيبة، فمن البداية إما ترضى به وتسكن معه، ولو كان تحت شجرة، وإما أن ترفض من البداية، وتقول له بكل أدب: أنا عندي أمل أن أسكن في بيت وحدي، ولا أريد أن تُتْعِبَنِي، ولا أريد أن أتعبك. هكذا خِطْبَةُ الرجولة، يا رجال، ويا نساء.
2 ـ الزوجة الموظفة واشتغالها خارج البيت: هذا الباب أيضا هو عند الذين لا يخططون ولا يعملون بالهدفية يسبب مشاكل كبيرة، وكبيرة، وخطيرة على الأولاد. لأن الأصل أن الزوج وظيفته خارج البيت، والزوجة وظيفتها داخل البيت، هذا هو الأصل، عند الرجال ذوي الرجولة، وعند النساء ذوات المروءة. إلا في حالات خاصة جدا، واستثنائية جدا. ويتعقد المشكل عندما تكون الزوجة تريد العمل خارج البيت، والزوج لا يريد! والأصل (والنصيحة هنا للزوجات) أن نقول للزوجة العاقلة المؤمنة الذكية التي تريد مصلحة الأسرة، ومصلحة الزوجة في مصلحة الأسرة، نقول لها: الأصلح لك، أن تعملي بما يراه زوجك في كل المباحات، فإذا كان يريدك أن تعملي خارج البيت فيما يناسبك، وأن تستطيعين، وترغبين، فاعملي، وإن كان يريد أن لا تعملي خارج البيت وهو يكفيك قوامة، والكافي هو الله الخالق الرازق سبحانه، فكوني راضية يرضى عنك الله عز وجل.
والوقاية من هذا المشكل عند من لا يحسنون التخطيط، ولا يحسنون الحوار، فالوقاية هي كما بيناه في مشكل السكن، أن يتفقا من البداية أيام الخطبة، وكل واحد يتخذ قراره على بصيرة، بلا وعود مشكوكة، وبلا تمنيات سرابية، قد لا يستطيعون الوفاء بها، فقديما قِيلَ:(قُلْ:لا، تَسْتَرِحْ وَتُرِحْ بِهَا) و[المسلمون عند شروطهم]. ففي الحديث:[الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا] (الترمذي: 1352) ثم إن هناك وظائف وأعمالا ومهاما تناسب المرأة، وهناك وظائف لا تليق بها، فمن الوظائف التي تناسب المرأة البحث العلمي الخاص، ثم التربية والتعليم، والطب، والصيدلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com