الرئيسية | الحـــق الـمر | صناعةُ الاستبداد…

صناعةُ الاستبداد…

يكتبه د. محمّد قماري/

لفت نظري في قصة موسى عليه السلام، كما جاءت في القرآن الكريم، لفظة قرآنية تتحدث عن (صناعة) الأنفس، حيث جاء الخطاب موجها إلى موسى عليه السلام: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه/39)، وكلمة الصناعة كما وردت في القاموس: (صَنِيعِي وصَنيعَتي: اصْطَنَعْتُه ورَبَّيْتُه وخَرَّجْتُه)، وصناعة موسى كانت لأجل النهوض بمهمة محددة ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (طه/41)، فالرجل صنع برعاية الخالق سبحانه لأجل القيام برسالة الخالق…
إنّ النّفس البشرية تخرج إلى الدنيا مجهزةٌ بما يشبه المواد الأوليّة، فإذا صادفت المهندس الماهر والبناء الحاذق سارت في اتجاه تشييد البناء المفيد والجميل، وإذا عبثت بتلك المواد يدٌ لا تحسن التخطيط والتنفيذ جاء البناء خرابًا ويبابًا، فنحن نولد ولدينا طاقة الحب والكره، ونزعة الفردية والجماعية، والخوف والرجاء، والالتزام والتمرد… فإذا اختل الميزان وطغت واحدة منها على الأخرى فسدت النفس بمقدار الميل…
لكن أخطر تلك الطاقات الكامنة تلك التي تتمثل في نزعة الاحساس بالدونيّة والاحساس بالعظمة، فبعض الناس يبلغ بهم الاحساس بالضعة إلى عبادة الحجر والشجر والكواكب، يشعرون أنها أكبر منهم وأعظم، وربما اتخذوا لهم أربابًا من البشر، وبعضهم الآخر تبلغ به الغطرسة وانتفاخ الأنا إلى تأليه نفسه (أنَا ربُكم الأَعلى)، وهذه النزعة لا تتمدد إلا في فراغ أهل الضعة والاستكانة، حيث حدثنا القرآن عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخف/54)…
إنّ فسق قوم فرعون جاء من هذا الشعور بضعة أنفسهم وهوانها، ومضوا ينفخون في (أنا) هذا المتغطرس المتكبر، وفي الغالب يتوسط فريق من المستفيدين الفاسدين، فينفخون في ضعف الجمهور من جهة، وينفخون في غرور الطاغية من جهة أخرى، وكلما توسعت شريحة العبيد قبض الوسطاء الثمن، وتقربوا من الاله المزعوم…
حكى لنا تاريخ الأدب عن بعض تلك النماذج المريبة الساقطة من الوسطاء، فهذا شاعر يخاطب الخليفة، من أجل قبض دراهم معدودات:
هو الغمام يصوب منه حياتنا *** لا كالغمام المستهل دلوحا
يمضي المنايا والعطايا وادعا *** تعبتْ له عزماته وأريحا
ولا يقف هذا المارق عند هذا الحد بل يذهب مذهبًا يكاد يعصف بعقيدته ودينه:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار *** فاحكُم فأنتَ الواحد القهّارُ
وكأنما أنتَ النبي محمدً *** وكأنما أنصارك الأنصار
أنت الذي كانت تبشّرنا به *** في كتبه الأحبار والأخبار
لكن في كتب الأدب والتاريخ أيضا حديث عن رجل صالح، عرف خطر هؤلاء المتملقين الذين لا همَّ لهم إلا تطويع ظهور الجماهير وجعلها تركب كالدواب، ومعها تضيع مصالح الأمة وكرامة الإنسان…
حين ولي إمارةَ المؤمنين الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز توافد الشعراء على بابه لمديحه، ونوال الجوائز كما كان يُتّبع من قبل، ولكنّ الخليفة الجديد، حجبهم فأطالوا الانتظار، وذهبوا يستحثّون من يدخلون عليه، ليأذن في لقائهم، والاستماع إلى مديحهم، ومن هؤلاء الشاعر المعروف جرير الذي قال للحاجب:
أَبلغْ خليفتنا إن كنتَ لاقِيَهُ أَني *** لدى البابِ كالمصفودِ في قَرَنِ
ولما دخل عليه جعل قصيدة طويلة يمدحه فيها، ومما جاء فيها قوله:
إِنَّا لنرجو إذا ما الغيثُ أَخْلَفَنا *** من الخليفةِ ما نَرْجو من المطرِ
زانَ الخلافةَ إذْ كانَتْ له قَدَراً *** كما أَتى ربَّه موسى على قَدَرِ
وهذا كلام منافق وإطراء سفيف، فالخليفة لا يملك إلا الخزينة العامة، وهي ليست سحابا يزجيه مطرا على هواه، فهي مال الأمة التي استأمنته عليه، وما كان من الحاكم العادل إلا أن صده عن هذا النهج المريب، وأعطاه شيئا يسيرا من ماله الخاص…
لقد أهدرت أموالٌ كثيرة في عالم المسلمين، صبت من المال العام في جيوب لصوص أتقنوا النفخ في غرور الاستبداد، وعمل أصحابها على نسج زخرف القول لإرضاء غرور المستبدين، ووصل الأمر إلى حد جعل أذانهم تصم من قول كل ناصح، أو من إشارة مخلصة تأتي لتقويم اعوجاج أو التنبيه إلى خطر…
وتعددت في حياتنا المعاصرة صور المداحين، والوسطاء الذين ألفوا النفاق، واعتادوا عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، وغابت المناصحة والتصويب على جميع المستويات، وهذه الحالة أشبه بحالة جسم فقد الإحساس بالألم، فتجد صاحبه يضع يده في النار أو يركب الأخطار وهو لا يشعر، فيفضي به الحال إلى تهتك جسده وضياع حياته.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في معنــــى النصــــر…

يكتبه د. محمّد قماري/ قرأت يوما في كتاب (البداية والنهاية)، وهو كتاب في التاريخ ألفه …