الرئيسية | الحـــق الـمر | واجهتنا الحضاريّة…

واجهتنا الحضاريّة…

يكتبه د. محمّد قماري/

وقع بصري اليوم على ظرف قديم احتفظت به من سنوات بين رفوف مكتبتي، ونسيت ما فيه وفتحت الظرف، فوجدت دليلاً مفصلاً عن مشروع معماري ضخم يقع غرب باريس، عُرف في وقته بالمشروع المعماري الكبير لمنطقة لاديفونس (La défense)، وتذكرت أنني طلبت ذلك الدليل منذ سنوات من إحدى الهيئات الفرنسيّة التي كانت تروّج للمشروع، ووصلني في وقته واحتفظت به…
والمشروع كان من تخطيط ورعاية الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران خلال عهدته الرئاسية الأولى، إذ كان يراقب خطوات انجاز هذا المشروع في غرب باريس وانجاز المكتبة الوطنية الفرنسية في شمالها، وكان يهدف إلى ابراز عظمة الأمة الفرنسية وثقافتها…
إن هذه النظرة هي التي جعلتني ابتهج ببناء (المسجد الكبير) في بلدية المحمدية، وربما هي التي جعلت بعض أحفاد (لافيجري) ينزعجون من إقامته في منطقة تغازل الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وتذكر بذلك النشيد الذي طالما ردده الجزائريون بعد الاستقلال:
يا محمّد مبروك عليك***الجزائر رجعت إليك.
وفي الأسبوع الماضي قرأت كلامًا أصابني بضيق شديد، ونحن في شهر أفريل الذي يذكرنا برحيل رجل ليس ككل الرجال، هو الشيخ عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، والذي اتخذت السلطة من يوم وفاته (يوما وطنيا للعلم)، وفي ذلك دلالة راقية على أن يوم رحيل الرجل الذي عاش يبث العلم في قرائح أمته لم يمت بموته، بل إن ذكرى وفاته هي يوم لإحياء معاني العلم وقدر العلماء أو هكذا يفترض…
قرأت في الأسبوع الماضي أن القائمين على جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين ما زالوا يطرقون أبواب المسؤولين على أكثر من مستوى للظفر بمقر لائق، وسبح بي الخيال مرتدًا إلى الماضي، واستحضر صورة ذلك الكهل (آنذاك) عبد الحميد بن باديس، وهو يحاول شق ثقب في جبل الاستعمار الجليدي، وكيف استطاع بتوفيق من الله والتفاف الأمة حول مشروعه أن يجد مقرات لمدارسه وأماكن لاجتماعاته، ولا ينكر فضل ذلك الجهد المبارك إلا جاحد أعمى أو حاقد سفيه.
إن رجلاً بهذا المعنى، هو ملك وتراث للأمة كلها، والذين يفهمون إحياء ذكراه بنصب من حجر يمثل شخصه واهمون أو مضللون، فالتكريم الحقيقي لابن باديس وأمثاله إنما يكون بحفظ تراثهم الأدبي، والعمل على استحضار المعاني التي عاشوا بها ولها، والرجل قد حدد في حياته المعاني التي يعيش لها وعمل على غرسها في نفوس أبناء وطنه.
لقد سأل خليفته الشيخ الابراهيمي، رحمه الله، قبل الاستقلال وطنه الذي لم يملك فيه شبرًا هل يتسع ليملك فيه قبرًا؟ وقد أكرم الله الرجل بأن ضم تراب الجزائر رفاته، لكن هل تضيق أرض الجزائر بمقر لائق للجمعيّة التي قام عليها هؤلاء الرواد بالعرق والدموع والدماء؟
لو كان لي من الأمر شيء، لكان لمقر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين صرحٌ يسر الناظرين، ويبهج المتأملين ويغيظ الحاقدين، فلقد كتب ابن باديس مقدمة (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) الذي كتبه رفيق دربه الشيخ مبارك الميلي، ووصف صنيعه بأنه ضرب من (إحياء أمة)، فهل في الجزائر اليوم من مسؤولين أو رجال أعمال من يحيي ذكرى من قاموا على إحياء الأمة يوم ظن أعداؤها بأنها قد ماتت؟
إن بعض المنجزات المعمارية لا تأخذ قيمتها من طوبها واسمنتها، ولا من تنميق زخارفها وتشييدها بل بالمعاني التي ترتبط بها في مسيرة تاريخ طويل، تقرأ الأجيال أسطره من خلال تلك المعالم المادية، وتخاطب في الخلف روح السلف، وتنفث فيهم حب الوطن وحب البذل من أجله، وتبقى تلك المعالم واجهة حضارية تشهد بمنجزات الأمة ورجالاتها…
لقد أحسن الشيخ أحمد حماني، رحمه الله، ومن معه يوم أعادوا بعث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو أو من جاء بعده كالشيخ علي مغربي أو الشيخ عبد الرحمن شيبان، رحمهم الله، أو رئيس الجمعية الحالي الأستاذ عبد الرزاق قسوم ليسوا ابن باديس، ولا الزمن والملابسات التاريخية نفسها لكنهم جميعًا أحبوا أن لا تخبو جذوة النضال الروحي والعلمي والتربوي في أجيال الأمة.
إن جمعيّة العلماء وإن انضوت تحت مسمى الجمعيات الأهلية، ليست كأحد من تلك الجمعيات، فهي ملك لكل الجزائريين، سواء من اتفق مع خطها التاريخي أو خاصمه، لأن مآل نضالها استفاد منه الجميع وقطف من ثمرته الجميع، وكون القائمين عليها اليوم يتطلعون إلى مقر يحفظ تراثها ويجدد ذكراها، وذلك أمر أهون من الهين، فإن تثاقلت فيه عزيمة الرسميين، فعلى أبناء الشعب أن يجسدّه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في معنــــى النصــــر…

يكتبه د. محمّد قماري/ قرأت يوما في كتاب (البداية والنهاية)، وهو كتاب في التاريخ ألفه …