الرئيسية | في رحاب الشريعة | السداد والرشاد في تحكيم المحكمات وترك الجدال في المتشابهات

السداد والرشاد في تحكيم المحكمات وترك الجدال في المتشابهات

الشيخ محمد مكركب أبران/

بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾(سورة البقرة:253) ولكن اختلفوا فصاروا فريقين فِي الدّين فذلك قوله سُبْحَانَهُ: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ يعني صدق بتوحيد الله، عَزَّ وَجَلّ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بتوحيد الله. وما كان الاقتتال بينهم إلا بعد أن اختلفوا، وما اختلفوا إلا بعد أن حَكَّمُوا آراءهم بغير الرجوع إلى النصوص الصريحة، وإلى إجماع العلماء، في التوراة بالنسبة لليهود قبل نزول الإنجيل، والإنجيل بالنسبة للنصارى قبل نزول القرآن، وبعد نزول القرآن فكل الناس ملزمون باتباع القرآن. ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(النساء:59) فاليهود اختلفوا، من قبل ومن بعد، والنصارى اختلفوا من قبل ومن بعد، وأبناء هذه الأمة اختلفوا حتى اقتتلوا، ولو ردوا المسائل التي اجتهدوا فيها إلى القرآن والسنة ما كانوا ليختلفوا، ولو لم يختلفوا لما اقتتلوا. ولوحَكَّم المسلمون المحكمات، وتركوا الجدال في المتشابهات لما تنازعوا ولما اختلفوا ولما تقاتلوا، ولكنهم تركوا الاجتهاد الذي قوامه المحكمات، وفتحوا الباب لاختلاف الرأي الذي أدخلهم في المتشابهات.
ومن الأمثلة على اختلاف اليهود في التاريخ، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(سورة النحل:124) قال الزمخشري: {والمعنى: إنما جعل وبال السبت وهو المسخ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه}.
وفي هذا عبرة عظيمة وتذكير جليل القدر لهذه الأمة بأن تتعظ، ولا تختلف في قوانينها، ولا في سياستها، ولا حتى في أعيادها على سبيل المثال: فيوم المسلمين الأسبوعي هو يوم الجمعة. والعيدان السنويان اللذان لاعيد غيرهما: عيد الفطر أول شوال من كل سنة، وعيد الأضحى العاشر من ذي الحجة من كل سنة. فالمسلم الذي يؤمن بالله ويتبع القرآن والسنة النبوية، ولا يتجاوز الاجتهاد إلى الاختلاف، أنه لا يجوز له أن يتخذ عيدا غير ما شرع الله تعالى، كما بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومثال آخر، فالنبي عليه الصلاة والسلام، عندما قال:[إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ](البخاري:31) كان المفروض أن لايصل المسلمون إلى حد التقاتل بينهم مهما كان الأمر.
قال الله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(النحل:64) فإذا اجتمع الناس على شريعة القرآن لن يختلفوا ولن يتفرقوا، قال الله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(آل عمران:103) وفي الحديث: [فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ](م.1337) لهذا كان الاختلاف مذموما، فما معنى كلمة الاختلاف؟ يقال: اختلف الشيئان لم يتفقا، ولم يتساويا، واختلف معه في الرأي عاكسه، أي: جاء برأي معاكس مخالف مضاد له، مما يؤدي إلى التضاد والتنافر، الاختلاف لغة: التباين في اللون، والصورة، والخصائص. ومن معاني الاختلاف أيضا: الافتراق في الاتجاه، والشقاق في الانتماء، والاختلاف اصطلاحا: الانقسام في الفكر، أو المبدأ. وبصريح اللفظ والمعنى والشمول قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾(آل عمران:105) هل ما يعرف من المصطلح المتداول بين الناس:{الاختلاف بين العلماء الأئمة الفقهاء} كقولهم:اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزاني. وكقولهم: اختلفوا في المساجد التي يجوز الاعتكاف فيها على أقوال ثلاثة. وكقولهم: اختلفوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، في قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(البقرة: 37) والآلاف من ذكر عبارة الاختلاف في كتب الفقه. هل هو اختلاف حقا؟؟ وهو مما نهى الله تعالى عنه؟ لا أبدا وإنما هذا اجتهاد في الفهم والاستنباط، لكن لماذا لانقول اجتهد العلماء، بدلا من قولنا: اختلفوا؟؟. فالعلماء الفقهاء المجتهدون الأمناء الصادقون، ومنهم الأئمة الأربعة. أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، لم يختلفوا، وإنما اجتهدوا، فكانت النتيجة تعدد الاستنباط والفتوى، ولم يخالف واحد منهم حكما من أحكام الشريعة، ولا مقاصدها، وإنما تعددت وتنوعت فتاواهم في الفروع. لذلك نقول: الاجتهاد رحمة، ولا نقول: الاختلاف رحمة، لأن شريعة القرآن رحمة كلها، وليس فيها اختلاف.
وفي القرآن الكريم على لسان شعيب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود:88) والخِلافُ: الخُلْفُ؛ وهو التفرق، والتمزق، والعداوة، والشقاق، فلا خلاف ولا اختلاف بين العلماء الصلحاء المجتهدين حقا، لا في الأحكام الفقهية، ولا في السياسة الشرعية، وإنما تعددت فتاوى اجتهادهم، وفي ذلك خير ورحمة، وتعددت آراؤهم القائمة على العلم وفي ذلك سعة وحكمة. أما الخلف، والخلاف، والاختلاف، فلا يكون مقصودا، وفيه ما ينوب عنه في الاصطلاح الفقهي، ومن ثم نقول: فقه الاجتهاد، لنتفقه كيف نفكر؟ وعلى أي أساس، وكيف نبدي رأينا وعلى أي أساس.
قال أمير الشعراء أحمد شوقي:(1870م ـ 1932م)
{إلاَمَ الْخُلْفُ بَيْنَكُمُ؟ إِلَامَا؟وهَذِهِ الضَّجَّةُ الكُبْرَى عَلاَمَا.؟
وفِيمَ يَكِيدُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍوَتُبْدُونَ الْعدَاوَةَ وَالْخِصَامَا؟
وَأَيْنَ الْفَوْزُ؟ لَامِصْرُ اسْتَقَرَّتْعَلَى حَالٍ، وَلَا السُّودَانُ دَامَا؟
تَرَامَيْتُمْ فَقَالَ النَّاسُ: قَوْمٌإِلَى الْخِذْلَانِ أَمْرُهُمْ تَرَامَى
تَبَاغَيْتُمْ كَأَنَّكُمْ خَلَايَامِنَ السَّرَطَانِ لاَ تَجِدُ الضِّمَامَا.
وسُسْتُمُ الأَمْرَ إذْ خَلَا إليْكُمْ بِأَهْوَاءِ النفوسِ فَمَا اسْتَقَامَا}
(الجزء الأول، ص:221)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18) مادامت الشريعة التي نحتكم إليها نحن معشر المسلمين في العالم هي واحدة وثابتة ودائمة، وعامة وشاملة وملزمة، لماذا نختلف؟ وطريقة العبادة بالشريعة، والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والأخلاق والبيع والشراء والحلال والحرام والحدود والجهاد، كل ذلك بالشريعة، لماذا الاختلاف، لماذا تعدد الأحزاب بين المسلمين، والحكم في الشريعة أن كل المسلمين حزب واحد؟؟ فهل لرؤساء الأحزاب رأي آخر لجواز تعدد الأحزاب وتعدد الرأي المخالف؟ ثم لماذا تعدد المذاهب التي تؤدي باتباعها إلى اختلاف التضاد؟ والشريعة واحدة؟ سؤالان يُطرحان منذ أكثر من خمسة قرون منذ سقوط الأندلس، 1492م وزاد الإلحاح عليهما منذ سقوط الخلافة 1924م والسؤالان هما لماذا تفرق المسلمون؟ مع أنهم يؤمنون جميعا بأنهم يتبعون القرآن، والقرآن يدعوهم إلى الأخوة والوحدة والاتحاد، ويحرم عليهم الاختلاف والتفرق والعداوة بينهم؟؟!! والسؤال الثاني: لماذا ابتدعوا المذهبية مع أن الدين واحد، والشريعة واحدة لكل المسلمين؟ فقد بدأت المذهبية كمدارس فقهية وطرائق تعليمية واجتهادية، إيجابية، ثم حولها كثير من الأتباع بتعصبهم إلى طائفية؟ فليس الخطأ في المدرسة الفقهية، وإنما في تحويلها إلى طريقة متميزة عن غيرها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قــــوة الأمــــة ودوام أمنهــــا مرهـــــون باتحـــادهــا والاعتصــــام بكــتـــاب ربهــــا

الشيخ محمد مكركب أبران/ الخطأ الكبير الذي لا يقبل الاقتراب من أسبابه، ولا اللعب بالشرر …