مقالات

دراسة حديثة تكشف أساليب مؤامرة بعض الهيئات الأممية لهدم الأسرة

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/

يُثبت كتاب -المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة، للدكتورة كاميليا حلمي، من خلال دراسة علمية لنصوص أهم المواثيق الدولية التي تشكل “منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان”، أن تطبيق ما تحتويه تلك المواثيق من مضامين، واستراتيجيات، وآليات؛ يؤدي إلى تدمير مؤسسة الأسرة واستئصالها من جذورها بصورةٍ كاملة، وهو ما يمثل تهديدًا ليس للمجتمعات الإسلامية فحسب، بل وللوجود البشري بأسره. و ذلك وفق مسارات مدروسة منها خصوصا:

الـمسار الأول- صــــرف الشبــــاب عن الزواج
لـمنع تأسيس أسر جديدة:
وذلك من خلال عدد من الإجراءات، منها:
– التضييق على الزواج بشكل عام، والزواج الشرعي المبكر بشكل خاص، وتشجيع الممارسات الجنسية خارج نطاق الأسرة:
وذلك من خلال مطالبة الحكومات بإجراءات منها:
أ. تحديد السن القانونية لاستقلال الفتاة بقرار ممارسة العلاقات الجنسية، وعدم تجريم ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج.
ب. حق النسب والبنوة لأبناء الزنى، وعدم الاعتراف بالزواج الشرعي المبكر وكل ما يترتب عليه؛ لصرف الشباب عن الزواج وتشجيعهم على الممارسات الجنسية خارج نطاق الزواج.
جـ. تعميم برامج (الصحة الجنسية والإنجابية) لكل الأفراد من كل الأعمار، كالتثقيف الجنسي للمراهقين والصغار، وتدريبهم على استخدام وسائل منع الحمل، وبالأخص العازل الطبي.
وكذا وضع سياسات وبرامج خاصة لإباحة الإجهاض كوسيلة للتخلص من (الحمل غير المرغوب فيه).
– إدماج المراهقات الحوامل في التعليم النظامي:
وذلك بغض النظر إن كانت المراهقة الحامل متزوجة أم زانية، وذلك في جميع مستويات التعليم والتدريب النظاميين وغير النظاميين، حيث سيؤدي إلى انتشار عدوى الفاحشة بين سائر الفتيات. كما أن هذا الأمر يساعد على تطبيع الزنى في المجتمع، وتيسير قبول فكرة حمل السِّفاح.
– إباحة الدعارة وحمايتها قانونيًّا ومجتمعيًّا:
وذلك من خلال اعتبار الدعارة نوعًا من أنواع (العمل)، وهو (العمل في مجال بيع الجنس)، وإلغاء تجريم العمل في الدعارة! وتغيير السياسات الوطنية، بحيث يتمتعن بالحماية والاحترام داخل المجتمع، كما وسعت المواثيق نطاق ممارسي الدعارة ليشمل النساء والرجال على حد سواء!
– إباحة الشذوذ الجنسي:
وذلك من خلال سبل منها:
أ. فرض وتعميم (منظور الجندر) بعد إدماجه في المواثيق الدولية، واعتبار الـ(الهوية الجندرية) -وهي هوية الإنسان ذكرًا أو أنثى التي يظهر بها في المجتمع- أمرًا متغيرًا وليس ثابتًا.
ثم جعل (مساواة الجندر) المحور الرئيس الذي ترتكز عليه المواثيق الدولية، ومن خلاله يتم مساواة الشواذ جنسيًّا بالأسوياء في الحقوق والواجبات.
ب. صكّ وترويج عددٍ من المصطلحات المطاطة؛ مثل: (العنف المبني على الجندر)، واعتبار أي فوارق في المعاملة بين الشواذ والأسوياء (عنفًا مبنيًّا على الجندر) يستوجب العقوبة الفورية!
كذلك إدماج الشواذ مع مجموعات أخرى ضعيفة في سلة واحدة؛ مثل: (مجموعات المهمشين)، و(الأشخاص الأكثر عرضة)، و(الحالات الهشة).
ج. المطالبة من خلال المواثيق الدولية بأن يتمتع الشواذ بالحقوق المدنية المعروفة لغيرهم مع:,إلغاء القوانين المجرمة للشذوذ الجنسي وإلغاء عقوبة الإعدام بسبب الشذوذ.
– تنظيم فعاليات لدعم الشواذ:
تنظم الأمم المتحدة العديد من الفعاليات على مستوى العالم؛ من أجل ضمان تبني حقوق الشواذ بشكل دولي، منها:
أ. المشاركة بخبراء أمميين وموظفين سابقين بالأمم المتحدة مع عدد من المنظمات غير الحكومية المطالبة بحقوق للشواذ جنسيًّا.
ب. تأسيس مجموعات أممية للشواذ جنسيًّا؛ منها -على سبيل المثال-: مجموعة الأمم المتحدة الأساسية للمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجندرية، في عام 2008م.
ج. تبني أعلى المستويات القيادية في الأمم المتحدة مطالب الشواذ والترويج لها. بحيث تتعامل المنظومة التعليمية والإعلامية مع الشذوذ على أنه حق من حقوق الإنسان، ويتم تطبيعه داخل المجتمعات، فلا ينكره الناس، بل يتعاملون مع الشواذ بأريحية وقبول عام.
المسار الثاني- هدم الأسر القائمة، وذلك من خلال:
1- تحقيق (استقواء المرأة) واستغنائها عن الرجل تمامًا، وذلك من خلال:
‌أ. إحداث تغيير جذري في الأدوار الفطرية لكلٍّ من الرجل والمرأة داخل الأسرة، وأهمها اختصاص الرجل بمهام القوامة، واختصاص المرأة بمهام الأمومة ورعاية المنزل، والتي أطلقت عليها المواثيق مصطلح (القوالب الجندرية النمطية)، بحيث يتم إلغاء كل الفوارق بينهما في الأدوار وفي التشريعات، فتلغى القوامة، وينتهي ارتباط الأمومة بالمرأة، ويتقاسم الزوجان كل المهام والأدوار والسلطات داخل الأسرة، فتغدو الأسرة بلا قائد، أو تصبح سفينة ذات قائدين يتنازعان السلطة، فيكونان معاول هدم لا أعمدة بناء.
‌ب. دفع المرأة للعمل خارج المنزل، وامتلاك رءوس الأموال، وتأسيس مشاريعها الاقتصادية الخاصة؛ بقصد تحقيق (الاستقواء الاقتصادي) وما يتبعه من استغناء المرأة اقتصاديًّا عن الرجل، وإلغاء طاعة الزوجة لزوجها.
‌ج. الدفع بالنساء إلى مجالات العمل التي يختص بها الرجال. وفي المقابل، توجيه الرجال نحو المجالات التي تعتمد على النساء.
‌د. إلغاء مبدأ استئذان الولي في أي شأن من شئون الحياة؛ ومن ثم يصبح للمرأة -بنتًا كانت أو زوجة – الحق الكامل في الخروج أو العمل أو السفر دون استئذان وليِّها، كما يصبح لها مطلق الحرية في اختيار محل سكنها وإقامتها، وليس بالضرورة أن تقيم الفتاة مع والديها، أو تقيم الزوجة في بيت زوجها!
‌هـ. المطالبة كذلك بالتساوي التام والمطلق في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الحياة العامة والسياسية، وتشجيع إظهار النساء والفتيات كقائدات وصانعات للقرار على جميع المستويات، وتطبيق التساوي في الإرث، وتقاسم الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج بين الرجل والمرأة عند الطلاق؛ لتشجيع المرأة على الطلاق.
و. توظيف عدد من المصطلحات المطاطة؛ مثل: (التمييز)، و(العنف ضد المرأة)، و(العنف الأسري)، و(العنف المبني على الجندر)، والتي تدور جميعها حول اعتبار أي فوارق بين الرجل والمرأة – وأيضًا بين الأسوياء والشواذ- (عنفًا وتمييزًا) يتوجب القضاء عليهما!
كما تعتبر العلاقة الحميمية بين الزوجين بدون الرضا الكامل للمرأة (عنفًا جنسيًّا)، و(اغتصابًا زوجيًّا)، و(تحرشًا جنسيًّا)، و(عنفًا أسريًّا)؛ يستوجب توقيع العقوبة الجنائية على الزوج.
كما أدرجت المواثيق الدولية ضمن (العنف ضد المرأة) أي فوارق في المعاملة بين الزوجة والزانية، ووفرت ضمانات الحماية والاحترام للزانية، في حين جرمت التعدد. أي أن المواثيق الدولية أعطت الزانية مكانة أعلى من مكانة الزوجة الثانية، ووفرت لها الحماية والاحترام الذين حرمت منهما الزوجة الثانية!
2- تحقيق (استقواء الطفل):
وهو ما يؤدي إلى تمرده على والديه، ورفض أي قيود أو ضوابط يفرضها دين، أو مجتمع، أو قيم وتقاليد؛ وذلك من خلال:
‌أ. منع أي شكل من أشكال التأديب للطفل، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو غيرهما.
‌ب. منحُ الدولة حقَّ انتزاع الطفل من أسرته وتوفير أسرة بديلة له!
‌ج. المساواة التامة بين الأطفال الشرعيين وغير الشرعيين؛ حيث أعطت المواثيق للمرأة (نفس الحقوق والمسئوليات كوالدة، بغض النظر عن حالتها الزوجية)، بمعنى إعطاء ابن الزنى اسم الأب الزاني، ومساواته في الحقوق مع الابن الشرعي. كما أعطت المواثيق المرأة الحق في إعطاء اسمها للأسرة، أي أن يحمل الابن اسم الأب واسم الأم معًا!
مظلات ووسائل تفكيك الأسرة:
أولاً- المظلات والواجهات:
وأوضح الدراسة أن الأمم المتحدة تدرك أن ما تطرحه من مطالب يصطدم بأديان وثقافات الكثير من شعوب العالم؛ لذا فإنها دائمًا تطرح أجندتها من خلال مصطلحات مطاطة، وشعارات براقة، ومظلات خدَّاعة، من أهمها: -مظلة (حقوق الإنسان) – مظلة (القضاء على العنف ضد المرأة) – مظلة (الصحة) و(الوقاية من الإيدز).- مظلة (العمل الإنساني الدولي)، كما يتم استخدام هذه المظلة لسحب التمويل الإسلامي – زكاة، صدقات، أوقاف، صكوك- من الدول والمجتمعات المسلمة.
ثانيًا- الوسائل والآليات:
وكشفت الدراسة عن الوسائل والآليات المختلفة التي تستخدمها الأمم المتحدة في تمرير وتطبيق سياساتها في هدم الأسرة، ومن أهمها:
– المؤسسات الإعلامية؛ المؤسسات التعليمية بكل مراحلها؛ المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، مؤسسات (المجتمع المدني) و(المنظمات غير الحكومية)، توظيف القادة الدينيين؛ لإضفاء الشرعية على سياسات وأجندة المواثيق الدولية، والمساعدة على تقبل المجتمعات المحافظة لها.
الضغوط المستمرة على الحكومات؛ لسحب تحفظاتها على الاتفاقيات، حيث تعتبر الأمم المتحدة أن فتح باب التحفظات عند التوقيع على الاتفاقيات ليس إلا مرحلة مؤقتة؛ لتشجيع حكومات الدول المحافظة على التوقيع.
الكتاب في 764 صفحة، يعتبر دراسة قيمة تعالج المؤامرة الدولية على شؤون الأسرة في المدة الأخيرة وهي أطروحة رسالة دكتوراه بجامعة بيروت، نوقشت في عام 2019، تحتاج من أهل الحل و العقد في دولنا الإسلامية والغربية، قصد الاستفادة منها لترشيد الأجيال وتوعيتها، قصد تمرير مشعل النصيحة للمؤسسات التربوية والمساجد، مخافة أن تتفاقم الأوضاع مثل ما هو حال الأسرة في دول الغرب.
فهل آن الأوان للبرامج الاسرية المستورد من الغرب أن تفسح المجال لحلول إسلامية واقعية أخرى أنجع لإنهاء هذه الأزمة المتفاقمة وعاجلا؟ أم ترانا أدركتنا أمارات أشراط الساعة التي يقول عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.. أَنْ يَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com