الرئيسية | مساهمات | مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ مبارك بن محمد الميلي رحمه الله (1945-1898م)

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ مبارك بن محمد الميلي رحمه الله (1945-1898م)

أ.د/ مسعود فلوسي*/

من أوائل تلاميذ الإمام ابن باديس رحمه الله، وأحد أبرز مؤازريه ومعاونيه المخلصين في أعماله الإصلاحية والصحفية والعلمية والإدارية، رائد التأليف في تاريخ الجزائر، ومدبج المقالات الماتعة في صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المصلح المؤثر والمعلم المربي والصحفي اللامع والإداري المتقِن، الشيخ العلامة مبارك بن محمد الميلي رحمه الله.

لم يخلف رحمه الله بعد وفاته سوى كتابين اثنين، إضافة إلى عدد من المقالات التي نشرها في صحف جمعية العلماء وغيرها من الصحف والمجلات التي عاصرها، ومع ذلك فإن هذه الآثار القليلة في عددها كان لها النصيب الأكبر من التأثير والانتشار والنفع والإفادة لجمهور القراء وطلاب العلم والمعرفة، في حياته وبعد وفاته رحمه الله.
عرفتُ الشيخ مبارك رحمه الله أول مرة من خلال كتابه «رسالة الشرك ومظاهره» الذي أعادت نشره دار البعث بقسنطينة، مصوَّرا عن طبعته الأولى التي نُشرت في حياة المؤلف رحمه الله، كان ذلك في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، سنة 1985 تحديدا، وقد قرأت تلك الرسالة في تلك المرحلة وتأثرت بما جاء فيها من فقه دقيق وعلم عميق في التمييز بين ما هو من صلب الدين ومقوماته وما هو دخيل عليه ومدسوس فيه من خرافات وبدع ومنكرات هي إلى الشرك أقرب منها إلى الإيمان. كما أعدْتُ قراءة الكتاب بعد ذلك في طبعته التي أصدرتها دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة 2000، والتي أشرف عليها وقدم لها نجل المؤلف الأستاذ محمد الميلي رحمه الله، والذي أبرز في تقديمه للكتاب الأسباب التي دفعته إلى إعادة طباعته من جديد، مركزا على الجهد الذي بذلته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في محاربة البدع والخرافات ومقاومة نشاط المنصرين والملحدين ضد الإسلام ومكافحة الحرب المعلنة على اللغة العربية لغة القرآن الكريم، مؤكدا أن هذا الكتاب ألف في هذا الإطار، وأن الحاجة إليه ما زالت مستمرة لأن ذلك النشاط ما زال يأتينا من وراء الحدود في صور جديدة وأشكال مستحدثة، وأن تلك الحرب على الإسلام واللغة العربية لم تتوقف مع رحيل الاستعمار العسكري من البلاد وإنما تجددت بعد ذلك في إطار الغزو الثقافي والفكري.
يجدر هنا التذكير بالحفاوة التي حظيت بها هذه الرسالة عند صدورها أول مرة عن المطبعة الإسلامية الجزائرية بقسنطينة سنة (1356هـ- 1937م)، حيث زكاها المجلس الإداري لجمعية العلماء، إذ جاء في البيان الذي أمضاه الكاتب العام للجمعية الشيخ العربي التبسي رحمه الله ما يلي: «إن المجلس الإداري لجمعية العلماء يقرر بإجماع أعضائه أحقية ما اشتملت عليه هذه الرسالة العلمية المفيدة، ويوافق مؤلفها على ما فيها، ويدعو المسلمين إلى دراستها والعمل بما فيها فإنه العمل بالدين».
ثم كانت صلتي بعد ذلك بكتابه «تاريخ الجزائر في القديم والحديث» الذي أنجز المؤلف منه المجلدين الأولين مغطيا تاريخ الجزائر من أقدم العصور إلى بداية العهد العثماني، وأتم ابنه الأستاذ محمد الميلي رحمه الله المجلد الثالث الذي تناول العهد العثماني كاملا. هذا الكتاب يعتبر أول ما ألف الجزائريون في تاريخ بلادهم، حيث حرص على إثبات وجود الأمة الجزائرية وإبراز دورها في التاريخ والحضارة، رادا بذلك على مزاعم المؤرخين الاستعماريين الذين حاولوا نفي وجود أمة جزائرية في التاريخ وأنكروا أن يكون الجزائريون قد أسسوا دولة أو أقاموا نظاما سياسيا في تاريخهم الطويل. وبذلك كان هذا الكتاب منطلقا لكل الدراسات التاريخية الجزائرية التي جاءت بعده. ولذلك لم يكن غريبا أن يُستقبل الكتاب عند صدوره أول مرة استقبالا حافيا وأن يحظى بالانتشار الواسع والتأثير الكبير، ومما زاد من أهميته التقريظ الذي قدمه به الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله، إذ وصف صنيع الشيخ مبارك فيه بقوله مخاطبا إياه في رسالة بعث بها إليه بعد صدور الجزء الأول من الكتاب ونشرها الشيخ مبارك في أول الجزء الثاني: «وقفتُ على الجزء الأول من كتابك، فهو أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك، وقد نفختَ في تلك الصورة من روح إيمانك الديني والوطني ما سيُبقيها حية على الدهر، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العُلا، وتخطه بيمينها في كتاب الخالدين…».


وفيما يخص مقالاته المنشورة في صحف الجمعية وفي غيرها من الصحف والمجلات، فإن أول من حاول جمعها ونشرها هو الشيخ الدكتور أحمد الرفاعي شرفي رحمه الله، حيث انتخب عددا منها وضمها إلى بعضها في مجلد أول ضمن مجموعة من أربعة مجلدات أصدرتها دار الهدى في عين مليلة سنة 2011، وحملت عنوان «مقالات وآراء علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»، وقد أورد بين يدي المقالات المنتخبة مقدمة ضافية عرف فيها بجهود الشيخ مبارك وحلل فكره وأبرز آراءه ومواقفه والملابسات التي أحاطت بتلك الآراء والمواقف.
ثم قام بعد ذلك الأستاذ أبو عبد الرحمن محمود باستقصاء كل ما كتبه ونشره الشيخ مبارك رحمه الله من مقالات وكلمات، وجمعها ورتبها وعلق عليها وخرج أخبارها في ثلاثة مجلدات أصدرتها دار الرشيد في الجزائر العاصمة سنة 2012م. وقد كتب في أول مجلد منها تقديما عرف فيه بأهم أعلام الجزائر عبر التاريخ وصولا إلى الشيخ مبارك، كما أبرز الأسباب التي دعته إلى جمع هذه الآثار ونشرها، ثم ترجم للشيخ مبارك ترجمة مفصلة معرفا باسمه ونسبه ومولده ونشأته العلمية وشيوخه وتلاميذه وأخلاقه وثناء العلماء عليه وتصانيفه، كما أورد طرفا من أقواله البليغة وكلماته الحكيمة.
أما ما كُتِبَ عن الشيخ رحمه الله، فيأتي في مقدمته الكتاب الماتع الذي ألفه عنه نجله الأكبر الأستاذ محمد الميلي رحمه الله ونشرته دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة 2001م، بعنوان «الشيخ مبارك الميلي حياته العلمية ونضاله الوطني». وبما أن مؤلف الكتاب هو الابن الأكبر للشيخ مبارك وأقرب الناس إليه وأعرفهم به وأكثرهم اطلاعا على أحواله وشؤونه، فقد جاء الكتاب معبرا فعلا عن العلاقة بين المترجِم والمترجَم، حيث بذل المؤلف جهدا كبيرا وأبلى بلاء حسنا في تصوير الأوضاع السياسية والثقافية للجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، كما أجاد أيما إجادة في التعريف بوالده من مختلف جوانب حياته، حيث تحدث باستفاضة عن «مبارك الميلي الإنسان»، و«مبارك الميلي المؤرخ»، و«مبارك الميلي المنظر»، و«مبارك الميلي والعمل الميداني». وأضاف إلى ذلك انتخاب جملة من مقالاته المنشورة في الصحف والمجلات. ولا تنتهي أهمية هذا الكتاب عند هذا الحد، وإنما تزداد أكثر إذا عرفنا أن المؤلف ضمنه عددا معتبرا من المقالات التي كتبها معاصرو الشيخ من أساتذة وزملاء وأقران وتلاميذ عنه وعن جهوده وآثاره الفكرية والإصلاحية وعما عرفوا من أحواله وشؤونه وما خبروه من أخلاقه وخصاله، والتي لم يكن بالإمكان الوقوف عليها مجتمعة لولا صنيع المؤلف بجمعها في هذا الكتاب.
يلي هذا الكتابَ في الأهمية الكتابُ الذي ألفه الدكتور عبد اللطيف عبادة رحمه الله بعنوان «دراسة في فكر الشيخ مبارك الميلي» ونشرته شركة الأصالة في الجزائر العاصمة سنة 2015، وقد ضمن المؤلف كتابه هذا أربع دراسات عميقة ومتميزة عن حياة الشيخ مبارك وفكره العلمي والإصلاحي والسياسي، حيث جاءت عناوين هذه الدراسات متتابعة كما يلي: «الشيخ مبارك بن محمد الهلالي الميلي المصلح السلفي الوطني»، «فلسفة الشيخ الميلي السلفية»، «العلاقة بين الفلسفة والسياسة: الفكر الإصلاحي عند الشيخ مبارك الميلي وعلاقته بالفكر السياسي السني»، «الشرك ومظاهره عند الشيخ مبارك الميلي وشيخ الإسلام ابن تيمية»، هذه الدراسات سبق للمؤلف أن نشرها متفرقة في المجلات ثم جمعها إلى بعضها في هذا الكتاب.
كما أعِدَّت عن الشيخ مبارك الميلي أكثر من رسالة جامعية في الجزائر، عنيت بإبراز فكره العلمي وجهوده الإصلاحية والتربوية، منها رسالة الماجستير التي أعدها الأستاذ علي بن طاهر تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الكريم بوصفصاف وناقشها في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة سنة 2001، وكانت بعنوان «مبارك الميلي وجهوده العلمية في الحركة الاصلاحية في الجزائر». والرسالة التي أعدتها الباحثة فوزية لوصيف تحت إشراف الأستاذ الدكتور مولود سعادة ونالت درجة الماجستير من نفس الجامعة سنة 2004، وكانت بعنوان «التجديد في الفكر العقدي عند الشيخ مبارك الميلي: دراسة في رسالة الشرك ومظاهره». ورسالة الماجستير التي أنجزها الباحث سليم مزهود تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله حمادي، ونوقشت بجامعة منتوري في قسنطينة سنة 2006، بعنوان «مفهوم الخطاب الإصلاحي عند الشيخ مبارك الميلي». ورسالة الماجستير التي كتبتها الطالبة أمينة مطعم تحت إشراف الأستاذ الدكتور عزيز سلامي بعنوان «الشيخ مبارك الميلي وجهوده في الإصلاح العقدي» ونوقشت في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر سنة 2009. وكما نلاحظ فكل هذه الرسائل اهتمت بالجهود الإصلاحية للشيخ مبارك، في حين غابت الأعمال المتعلقة بجهوده التاريخية ومنهجه في دراسة تاريخ الجزائر، وكذا جهوده الصحفية وما تميزت به مقالاته في أسلوبها ومضمونها، وأيضا جهوده الإدارية التي بذلها باعتباره مديرا لجريدة البصائر وأمينا للمال لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ثم إن هذه الرسائل قليلة جدا في حق الشيخ مبارك ولا تتلاءم مع مكانته العلمية والثقافية المتميزة في تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية.
وهناك عدد من المقالات والبحوث التي كتبت عن الشيخ مبارك ونشرت في الجرائد والمجلات الثقافية والعلمية الجزائرية، وكلها لا تخرج عن الدوران في فلك الجهود والمواقف الإصلاحية للشيخ مبارك رحمه الله، كما لا توفيه حقه من الدرس والتعريف.
ولعل الأدهى والأمر أن آثار الشيخ مبارك لا يكاد يقف عليها في مكتبة من المكتبات من يبحث عنها ويريد أن يقتنيها، بسبب ندرتها وعدم إعادة طباعتها، إذ ما تكاد تُنشر منها طبعة حتى تنفذ بسرعة، فمثل هذه الآثار العلمية النافعة يجدر بدور النشر أن تحرص على إصدارها بصفة مستمرة ولا تكتفي منها بطبعة أو طبعتين.
إن فكر الشيخ مبارك رحمه الله فكر ثري وغزير، وجوانبه متعددة وواسعة، وأسلوبه في الكتابة رصين متين، ولغته علمية دقيقة، ومنهجه في البحث والتأليف قائم على الاستقصاء والتدقيق والتحقيق، ومن الإجحاف في حقه حصره في نطاق واحد والاكتفاء بالنظر إليه من زاوية حادة، فحقيق بالباحثين والمهتمين توسيع دائرة النظر إليه والعمل على اكتشاف خباياه وإبراز امتداداته المتعددة والحرص على الاستفادة منه والتعريف به من مختلف الجوانب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وداعــــا البــروفيســـور عمي صالح العلمـــي الجزائر تفقد رجل المنطق العملي وصديق الفقراء

أ. د. الطيب برغوث/ بلغني اليوم الأربعاء 09 جوان 2021 مساء، وفاة الأخ العزيز الدكتور …