وراء الأحداث

مدينـــــة سبـــدو تكـــرم الشيــخ الراحـــل عمــار مطــاطــلـــة

أ. عبد الحميد عبدوس/

تم بمدينة سبدو بولاية تلمسان تكريم الراحل الشيخ المجاهد عمار مطاطلة بمناسبة اليوم الوطني للشهيد المصادف للثامن عشر من شهر فيفري من كل عام، وأطلق اسم «عمار مطاطلة» على المدرسة والمسجد اللذين جدد الشيخ مطاطلة بناءهما عندما التحق في سنة 1953 بطلب من الشهيد الشّيخ العربي التّبسي، بمدرسة سبدو التي تقع حوالي 35 كيلومتر جنوب غرب مدينة تلمسان، فأشرف على إعادة بناء المدرسة التي كانت عبارةً عن غرفتين وحولها إلى مدرسة حديثة وبنى بجانبها مسجدا، وكان الافتتاح يوم 27 سبتمبر 1953.
وهكذا بعد68 سنة قام تلاميذ الشيخ عمار مطاطلة بتكريم معلمهم بإطلاق اسمه على المدرسة والمسجد تخليدا لذكراه في يوم احتفالي جميل بأبعاده الرمزية والتاريخية، وكان من بين المتدخلين في هذا الاحتفال الرمزي الأستاذ محمد الهادي الحسني، والدكتور هشام مطاطلة حفيد الشيخ عمار، ونجل الجنرال المتقاعد المجاهد عبد الحميد مطاطلة.
وللتذكير، تمر يوم الثلاثاء المقبل 23 مارس (23 مارس 2015ـ 23 مارس 2021) الذكرى السادسة لرحيل العلامة المجاهد الشيخ عمار مطاطلة الرئيس الشرفي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد أنجب تلاميذ رائد النهضة الجزائرية الحديثة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمة الله عليهما ـ
وُلد الشّيخ عمّار مطاطلة في 26 نوفمبر 1915 ببلدية عين قشرة ولاية سكيكدة، وجهه والده منذ نعومة أظافره لحفظ كتاب الله العزيز، فدخل الكتّاب وعمره أربع سنوات وحفظ القرآن الكريم وعمره إحدى عشرة سنة، فقدّمه والده لصلاة التّراويح في سنّ الثّالثة عشر.
ولما بلغ التاسعة عشر من العمر(سنة 1934) التحق بالجامع الأخضر بقسنطينة مدرسة الشيخ عبد الحميد بن باديس الشهيرة باديس، فاجتاز امتحان القبول، وأصبح طالبا في المدرسة الباديسية.
واستمرّ بالجامع الأخضر حتّى أكمل الشّيخ عمّار مطاطلة دراسته سنة 1938. ولكن بسبب تعلّقه بالشّيخ ابن باديس استأذَن والدَه في البقاء سنة أخرى فأذن له. في سنة 1939 اندلعت الحرب العالمية الثّانية فعاد إلى بلدته عين القشرة.
لم يكتف الشيخ عمار مطاطلة بالاغتراف من العلم الوافر لمعلمه الجليل العالم الرباني المجدد، والفقيه المجتهد، ولكنه تأثر بخصاله الأخلاقية كصرامته في الحفاظ على الوقت وجديته في العمل. في سبتمبر 1949 أصبح الشّيخ مطاطلة معلما بمدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فالتحق بمدرسة التّهذيب بـ«شاطودان» (شلغوم العيد حاليا) وبقي هناك سنتين، وفي سنة 1951 نُقل إلى وهران حيث التحق بمدرسة التربية الواقعة بحي الحمري وكُلِّف بإدارة مدرسة التّربية والتّعليم، وبعد سنة حُوّل إلى مدرسة مديوني بالمدينة نفسها، ثم انتقل سنة 1953 إلى مدينة سبدو ممثلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأقام بها صرحا تعليميا ودينيا أثار غيظ ونقمة وحقد عملاء الاستعمار ودعاة الجمود والدجل، فسعوا إلى الكيد له عند إدارة المستدمر الفرنسي، الذي قام ببث جواسيسه لمراقبة المدرسة وكتابة التقارير حول دروس معلمها (الشيخ عمار مطاطلة) وعن دروسه الدينية وخطبه الجمعية للمواطنين. انتبه الشيخ مطاطلة لوجود جواسيس فرنسا، ولكنه لم يغير من طبيعة دروسه وخطبه التي كانت تتعمد بث الوعي الوطني والإصلاح الديني في الناشئة وعند المواطنين، فالشيخ عمار مطاطلة معروف بصلابته في الحق وعدم التنازل عن مواقفه وقناعاته في كل الظروف.
وفي سنة 1956 تَمّ غلق المدرسة والمسجد معا من قِبل السّلطات الاستدمارية الفرنسية التي اعتقلت جلّ أعضاء المدرسة واغتالت البعض الآخر، ووضعت الشّيخ عمّار مطاطلة تحت الإقامة الجبرية.
وبعد أن قضى الشّيخ عمّار مطاطلة مدّة الإقامة الجبرية، قامت جبهة التّحرير الوطني بتهيئة وسائل إخراجه من تلمسان، وتم نقله إلى مدينة وجدة بالمغرب الشّقيق وذلك في أواخر عام 1956.
بالمغرب الشقيق أشرف الشّيخ عمّار مطاطلة على تسيير مُجمّع مدرسي يحتوي على مستويين ابتدائي ومتوسّط فكان هذا عمله بالنّهار؛ أمّا باللّيل فكان يعمل في نطاق جبهة التّحرير حيث تولّى مهمّة منظّم في الثّكنة التي كان يشرف عليها الرّئيس الرّاحل هوّاري بومدين وعبد الحفيظ بوصوف، واللّذان طلبا منه تسخير إمكاناته العلمية لخدمة الثّورة الجزائرية داخل المغرب الشّقيق، وكان اسمه الثّوري عبد الله.
بعد استرجاع الاستقلال عاد الشّيخ عمّار مطاطلة في جويلية 1962 إلى تلمسان، فعُيّن بإحدى مدارس سبدو التي كان معلّما حرّا بها أيّام الاستدمار مساهما في عملية البناء والتّشييد.
انتقل الشيخ عمار مطاطلة من تلمسان إلى العاصمة حيث عُيّن بمدرسة بحي الأبيار أين استقرّ به المُقام. وانتظم في الجامعة لتحضير شهادة الكفاءة للتفتيش. التحق الشيخ بعدها بالأكاديمية ثمّ بالمركز الوطني لمحو الأمّية سنة 1972 وترأّس البعثة الجزائرية التي شاركت في دورة تدريبية بالقاهرة في نطاق منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلوم والثّقافة سنة 1974. ثمّ واصل الشّيخ بعدها العمل في المركز إلى غاية تقاعده عام 1978، ليتفرّغ سنة 1981 لحمل مشروع بناء مسجد «البرهان» بحي الأبيار على عاتقه الذي عمل به إماما متطوّعا، كما كان من مؤسّسي مسجد الخلفاء الرّاشدين بالحي نفسه، وكان من العلماء الأحرار، عُرف بقول كلمة الحقّ والشّجاعة في أداء الشّهادة، وتعرّض للأذى ولكنّه لم يبال به، وواصل مسيرته في العمل الجاد وحُسن النّية والنُّصح لله ولرسوله وللمؤمنين.
كان الشيخ عمار مطاطلة من المساهمين رفقة الشيخ الشيخ أحمد حماني والشيخ عبد الرحمن شيبان في إعادة تأسيس جمعية العلماء المسلمين في سنة 1991، وكان من الكتاب البارزين في جريدة البصائر، كما عُيّن بعد المؤتمر الثالث للجمعية في سنة 2008 رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين.
أتذكر أنه في أحد لقاءاتنا سمعت من الشيخ عمار مطاطلة أنه شعر بالصدمة والحزن مما قاله الرئيس الأسبق للجزائر الزعيم الراحل أحمد بن بلة الذي أجاب بغضب شديد بعض محدثيه الذين طلبوا منه الترخيص لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالعودة لنشاطها للمساهمة في إكمال دورها التعليمي والإصلاحي بعد الاستقلال، قال لهم غاضبا يومئذ: «لا أريد أن تحدثوني أبدا عن جمعية العلماء المسلمين… إنها من الماضي، ولن تعود للنشاط».
كان الشّيخ عمّار مطاطلة عالمًا صادقَ الإيمان، راسخ العلم، جريئا في الحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم؛ وكان مع ذلك كريمَ الخُلُق، شديدَ التّواضع، أنيقَ العبارة والهندام، كنت حريصا على زيارته في بيته بالأبيار بأعالي العاصمة، وروى لي بحضور نجله المجاهد والضابط السامي الجنرال المتقاعد عبد الحميد مطاطلة، أنه لم ولن ينسى أبدا ذلك اليوم الذي كان فيه جالسا بجانب الشّيخ الورثلاني في أحد دروس الإمام عبد الحميد بن باديس، وأثناء الدرس أخذته سنة من النعاس فأيقظه معلمه الشّيخ ابن باديس بصوته الجهوري قائلا: قم أيّها الفتى، لستَ وحدك بحاجة إلى النّوم. وبعد أن ظهرت على ملامحي علامات الخجل والارتباك توجه إلي بالسؤال: كم تظنّني نمت؟ فقلت: لا أعلم، فقال: لقد أطفأتُ المصباح في السّاعة الثّانية صباحا، وأوقدتُه في الرّابعة. ثمّ وجّه كلامه للطّلبة قائلا: «كيف يحلو لنا النّوم والشّعب الجزائري غارق في الجهل والأمية والفقر؟ فليس من حقّنا أن ننام».
ومن يومها أصبحت حياة الشيخ العلامة عمار مطاطلة جهاداً متواصلا من أجل الإسلام والوطن واللّغة العربية، شعاره «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»، وظل متمسكا بنهج شيخه في التضحية والإيثار إلى أن انتقل إلى جوار ربه . توفّي الشّيخ عمّار مطاطلة يوم الاثنين 03 جمادى الآخرة 1436هجرية، الموافق لـ: 23 مارس 2015 بمنزله بحي الأبيار بالجزائر العاصمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com