الرئيسية | مساهمات | مؤلفـــــون وكُتـــــاب قـــرأت لهـــم واستفــــدت منهــــم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (1880 – 1937)

مؤلفـــــون وكُتـــــاب قـــرأت لهـــم واستفــــدت منهــــم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (1880 – 1937)

أ.د/ مسعود فلوسي*/

الأديب الكبير، والكاتب البليغ، والشاعر المُجيد، والناقد الفذ، والفارس المقدام في الدفاع عن الإسلام والقرآن واللغة العربية، العلامة الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله.
أول لقاء لي مع الأستاذ الرافعي رحمه الله كان خلال المرحلة المتوسطة، وذلك من خلال كتبه الأدبية التي طبعها التوجه العاطفي، وفي مقدمتها كتابه «أوراق الورد.. رسائلها ورسائله»، الذي كان أول ما قرأت من كتبه، ولا أبالغ إذا قلت إني قرأته عدة مرات في تلك المرحلة.
يُكمِّلُ هذا الكتابَ في توجهه وموضوعه كتب أخرى ألفها الرافعي على نفس النسق، هي: «رسائل الأحزان في فلسفة الحب والجمال» و«السحاب الأحمر» و«حديث القمر».
في هذه الكتب الثلاثة تحدث الرافعي كثيرا عن الحب وحاول أن يحلله من الناحية العقلية وأن يعطيه بعدا روحيا يسمو على نزعات الجسد.
وهناك كتاب آخر يندرج ضمن التوجه العاطفي كذلك أفرده الرافعي للحديث عن الفقر وما يعانيه الفقراء من مآس ومتاعب بأسلوب قصصي غاية في الروعة والتأثير، هو «كتاب المساكين»، حيث يسرد فيه القصص المختلفة على لسان الشيخ علي شيخ المساكين الذي يمزج في حديثه بين الحكاية والموعظة ويحلق في آفاق فلسفية عالية.
هذه الكتب هي التي ربطتني بالرافعي رحمه الله في البداية، وكان هذا طبيعيا بالنسبة لمن كان في مثل سني في تلك المرحلة يهوى القراءة ويحرص على المطالعة.
لكن قراءتي لهذه الكتب وإعجابي بأسلوب الرافعي ولغته البليغة وتأثري بطريقته في العرض والتحليل، كل ذلك يسر لي أن أقبل بعد ذلك في المرحلة الجامعية على كتبه الفريدة ودراساته الفذة التي انفرد بها عن غيره من أدباء وأعلام جيله، وحلق فيها عاليا في سماء العلم والأدب.


يأتي على رأس كتبه التي قرأتها وتركت أثرا عميقا في نفسي؛ كتابه الشهير «وحي القلم» الذي قال فيه الزعيم المصري سعد زغلول كلمة هي أصدق وأبلغ ما يمكن أن يقال فيه حين وصفه بأنه «بيان كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم». وقد جمع الرافعي في هذا الكتاب المقالات التي نشرها في مجلة «الرسالة» للأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله بين سنتي 1934 و1937. هذه المقالات ليست كلها من نوع واحد أو ذات أسلوب واحد، وإنما هي مقالات متنوعة الأسلوب ومتعددة الموضوعات والأغراض، ففيها القصة التاريخية، وفيها الترجمة للأعلام، وفيها النقد الأدبي، وفيها المقالة الدينية التوجيهية، وفيها التحليل الاجتماعي، وفيها التأمل الفلسفي، وفيها الرأي السياسي. كل ذلك مجموع بين دفتي هذا الكتاب ذي الأجزاء الثلاثة المضمومة إلى بعضها في مجلد واحد من حوالي 820 صفحة. هذا الكتاب إذا قرأتَ مقالاته تشعر بالمتعة العقلية والروحية وأنت تنتقل من فن إلى آخر من فنون القول، وتتجول بين التاريخ والواقع، وتلتقي بأشخاص من أصناف متعددة ونزعات متباينة ونفسيات مختلفة من الناس. ومما يزيد هذا الكتاب قيمة وأهمية أنه آخر ما كتبه الرافعي في حياته، فقد توفي سنة 1937، وأشرف تلميذه الأستاذ محمد سعيد العريان على نشر الكتاب وترتيب مباحثه في صورته الأخيرة. وأؤكد هنا ما كتب الأستاذ العريان في تقديمه للكتاب وهو أنه «إذا حق لنا أن نرتب كتب الرافعي ترتيبا يعين قارئه على تذوقه أو دراسة أدبه، فإن (وحي القلم) في رأس هذا الثبت، هو آخر ما أنشأ ولكنه أول ما ينبغي أن يُقرأ له، وإن البدء به لحقيق أن يُعَوِّدَ قارئَه أسلوبَ الرافعي فيَسْلَسَ له صعبُه وينقاد».
قبل هذا الكتاب نشر الرافعي رحمه الله عدة كتب خدم بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة واللغة العربية خدمة جليلة.
من هذه الكتب كتابه «تحت راية القرآن.. المعركة بين القديم والجديد»، الذي أنشأه في الرد على دعاة التجديد الذين كانوا يدعون العرب والمسلمين إلى التخلي عن كل موروثهم الثقافي والديني واللغوي والانسلاخ من أخلاقهم ونمط حياتهم واعتناق كل ما يأتيهم من الغرب باعتباره السبيل الأوحد إلى التقدم والنهوض، وقد خصص الرافعي الجزء الأكبر من هذا الكتاب للرد على تقولات وافتراءات طه حسين التي ساقها في كتابه «في الشعر الجاهلي». هذا الكتاب أيضا في أصله مقالات كان ينشرها في الصحف ثم جمعها في كتاب واحد.
كتاب آخر للرافعي رحمه الله هو من أجود وأشهر ما كتب وهو «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، الذي واصل فيه معركته ضد دعاة التجديد الذين أغرتهم المدنية الحديثة وبهرتهم العلوم الغربية والحياة الأوروبية فنادوا بالتخلي عن كل ما هو قديم بدعوى عدم الحاجة إليه وعدم مسايرته للتقدم والتطور، وكان من دعاويهم التي رفعوا بها عقائرهم وكتبوها في مقالاتهم أن القرآن لا ينطوي على أي إعجاز وأنه مجرد كلام كغيره من الكلام حتى يجردوه من صفته الربانية، فانبرى الرافعي يكشف زيف دعاويهم ويفضح أسرار نفوسهم ويرد إفكهم وبهتانهم ويُظهر عجزهم وجهلهم باللغة العربية وأساليبها في الفصاحة والبلاغة والبيان، ويثبت بالبراهين العلمية الساطعة والأدلة التاريخية القاطعة أن القرآن كتاب الله المعجز في مضمونه وبيانه والذي لن يأتي بأقصر سورة من مثله الإنسُ والجنُّ جميعا ولو اجتمعوا له. كما تحدث الرافعي رحمه الله في هذا الكتاب عن بلاغة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي حباه الله بها، وبيَّنَ مظاهر هذه البلاغة ودعائمها وكشف عن صور التجديد التي أحدثها عليه الصلاة والسلام في البلاغة العربية.
هذا الكتاب هو في حقيقته الجزء الثاني من كتاب «تاريخ آداب العرب»، الذي تناول في جزئه الأول أبواب الأدب والرواية والرواة والشواهد الشعرية.
كتاب آخر يكشف عن التوجه النقدي والقوة الجدلية التي كان يتوفر عليها الرافعي رحمه الله، هو كتاب «على السفود» الذي أدار فيه معركة عنيفة بينه وبين الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله، وكان سبب بدء هذه المعركة ما أبداه العقاد من رأي في كتاب الرافعي عن «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، حيث كان العقاد يذهب إلى غير ما يذهب إليه الرافعي في بعض الجوانب، فنشر رأيه في مقال أو عدة مقالات اطلع عليها الرافعي فثارت ثائرته وشن على العقاد هجوما عنيفا أراد من خلاله أن يسكته نهائيا ولذلك اختار لمقالاته التي رد بها عليه هذا العنوان العنيف «على السفود» أي المشواة. ولم يتناول الكتاب مجرد الرد على ما ذهب إليه العقاد، وإنما تناول مسائل أخرى انتقد فيها الرافعيُّ العقادَ، خاصة فيما يتعلق بشعر العقاد الذي كان الرافعي شديد النقد له. وقد بلغت الخصومة بينهما ذروتها حين أصدر العقاد ديوانه «وحي الأربعين» فتصدى الرافعي لنقده ورد عليه العقاد وامتدت بينهما المساجلات إلى أن توفي الرافعي دون أن تنتهي المعركة بينهما.
هذا وللرافعي ديوان جمع فيه ما كتبه من قصائد أنشأها في أوائل اشتغاله بالكتابة والنشر، وقد علق على قصائده وشرحها محمد كامل الرافعي، وكتب له صاحب الديوان مقدمة أكد فيها أن الشعر يرجع إلى طبعٍ صقلته الحكمةُ وفِكرٍ جَلاَّ صفحتَه البيانُ، وأنه موجود في كل نفس من ذكر وأنثى، وأبرز كيف بدأ عند العرب وكيف تطور وازدهر، وتحدث عن مذاهبه وأغراضه، وفرق بين المترسلين والشعراء.
أما ما كُتِبَ عن الرافعي مما أتيح لي قراءتُه أو الاطلاعُ عليه، فأذكر منه كتاب «حياة الرافعي» للأستاذ سعيد العريان رحمه الله، الذي قدم له الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله، هذا الكتاب نشر في 270 صفحة سنة 1938م، أي في السنة الموالية لسنة وفاة الرافعي ويعتبر أفضل ما كتب عنه لأنه كتب بقلم عارف خبير به ومصاحب ومجالس له لسنوات عديدة، وقد أحاط فيه بكل ما يتعلق بالمترجَم له، من نسبه ومولده، وعلمه وثقافته، واشتغاله بالوظيفة، وأحواله بين أهله، وكتابته للشعر أولا ثم انصرافه إلى الكتابة النثرية، ومؤلفاته، ومعاركه الفكرية والأدبية، وعمله في الرسالة، وطريقته في الكتابة، وغير ذلك من الموضوعات الكاشفة عن مسيرة حياة الرافعي وشخصيته.
جاء بعده كتاب الدكتور كمال نشأت الذي نشر في سلسلة أعلام العرب المصرية سنة 1968م في 152 صفحة، بعنوان «مصطفى صادق الرافعي»، قسمه المؤلف إلى ستة أبواب هذه عناوينها: حياته وموته، مع الوحي، المرأة في حياته، معاركه، مؤلفاته، فنه الأدبي.
يلي هذا الكتاب في الأهمية؛ كتاب آخر ألفه الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة رحمه الله، بعنوان «مصطفى صادق الرافعي كاتبا عربيا و مفكرا إسلاميا»، صدرت طبعته الأولى عن دار عالم الكتب في بيروت سنة 1970م، في 239 صفحة، وجاء في خمسة فصول أحاط فيها المؤلف بمختلف جوانب حياة الرافعي وفكره وأدبه، وهذه عناوينها: الرافعي نشأة وثقافة وزمانا، آداب العرب وإعجاز القرآن، معركة النقد المقدس، المقالة الإسلامية، الأثر الإسلامي للرافعي في أدباء عصره.
وهناك أيضا كتاب مهم ومتميز ألفه الأديب الكبير والكاتب البليغ الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله، أصدرت طبعته الأولى دار القلم في دمشق ضمن سلسلة «أعلام المسلمين» سنة 1997م في 296 صفحة، وجاء بعنوان «مصطفى صادق الرافعي فارس القلم تحت راية القرآن»، أحاط فيه – بأسلوبه المتميز ولغته الفريدة – بمختلف جوانب حياة الرافعي وأنشطته وأعماله العلمية والأدبية، والمجالات التي برز فيها من شعر ونثر نقد ودفاع عن الإسلام، وعن رأيه في المرأة، ومعركته مع العقاد.
إلى جانب هذه الكتب التي ذكرتُها والتي اطلعتُ عليها وقرأتُ فصولا أو مباحث منها، هناك كتب كثيرة ألفت عن الرافعي، فضلا عن الرسائل الجامعية التي أعدت حول مختلف جوانب حياته وفكره وأدبه وجهوده، أما المقالات التي كتبت عنه في حياته وبعد وفاته فهي أكثر من أن تحصر.
وقد شارك الباحثون الجزائريون في حركة التأليف عن الرافعي، حيث ألف العديد منهم رسائل لنيل الماجستير أو الدكتوراه عن جوانب مختلفة من حياة الرافعي وأدبه وآثاره المختلفة، وتمت مناقشتها في عدد من الجامعات الجزائرية. أشير هنا – بصفة خاصة – إلى الرسالة التي أعدها زميلنا وأخونا الأكبر الأستاذ الدكتور محمد زرمان ونال بها درجة الماجستير من معهد الآداب واللغة العربية بجامعة باتنة سنة 1987 وكانت بعنوان «المقال في أدب مصطفى صادق الرافعي» في أكثر من 350 صفحة، وقد حضرت مناقشتها يومئذ وكنت طالبا في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، هذه الرسالة لم ينشرها الأستاذ الفاضل إلى اليوم، على الرغم من اشتغاله بالتأليف والبحث ونشره لكتب كثيرة ألفها بعدها.
*جامعة باتنة

عن المحرر

شاهد أيضاً

أثر التربية والتعليم في النهوض الحضاري (الدولة الزنكية نموذجاً)

د. علي محمد الصلابي/ أدرك المشرفون على عملية التغيير، وفقه النهوض: أنَّ عزَّ هذه الأمة، …