كلمة حق

هل تعود الحكمة إلى اليمن؟

أ د. عمار طالبي/

إذا رجعنا إلى تاريخ اليمن نجد حكمة وإيمانا وحضارة، فهذا هود دفين حضرموت، وهذه ملكة سبأ آمنت، وتخلت عن عبادة الشمس، وهذه المنطقة الإستراتيجية لا نظير لها، وأهلها أصحاب ذكاء، وحسن تصرف، وهندسة، وبناء السدود، وفلاحة الأرض، منها الإمام مالك في أصله، ومنها الأنصار، ومنها ابن خلدون، ومنها ابن عربي، نشأ في صنعاء وحضرموت أئمة، وفقهاء، وجامع صنعاء خزانة للمخطوطات العتيقة، والذخائر العلمية والدينية، وكان فيها من آل البيت الإمام زيد صاحب المجموع والشوكاني، وغير هؤلاء كثيرون.
ولكن اليمن ضاعت الحكمة منها، وضعف الإيمان فيها، وأصابها التخلف، وتشيّعت عدن وتمركست فلم يفدها ذلك إلا تشتتا، وفرقة وتبعية لأنصار لينين، وماركس، وستالين، بعدما حكمها الانجليز واستغل مركزها الاستراتيجي إلى الهند، وقد حاول الشيخ فضيل الورتلاني أن يصلح بعض ما أصابها من تخلف إمامها، ولكنه خاب سعيه، وتشرد في البحار مدة طويلةلم يقبله بالنزول بها بلد، إلى أن قيض الله له جماعة عباد الرحمن في لبنان، فآووه وأكرموا مثواه، ثم ارتحل إلى تركيا، وكانت وفاته بها، وبعد الاستقلال نقل رفاته إلى قريته في بني ورتلان.
اليمن عزيزة علينا، وأهلها أفئدتهم رقيقة كريمة ولكن قست في بعض أهل السياسة منها، فطال عليهم الأمد، وتفرقت بهم السبل، وسلك بعضهم مسلك الشيطان، فكانت طائفة منهم ركبت رأسها، وأرادت أن تلوذ إلى الطائفية، والمذهبية المتعصبة، فازداد خراب اليمن، وتشرد أهلها، فأصابهم الجوع والمسغبة، وفتكت بهم الأمراض، وهلك أطفالها الأبرياء.
إن داء اليمن في ساستها وزعمائها، ابتداء من عبد الله صالح وأنصاره، ثم هذه الطائفة القليلة التي نفخ الشيطان في أنوفها فطمعت في حكم اليمن مع قلتها وكثرة شرها، فلم تراع حق شعب اليمن، ولم تتق الله في أطفاله ونسائه وشيوخه، فسالت الدماء، وكثرت أسلحة الدمار، والطائرات المسيرة والصواريخ، وقل الغذاء وهدمت المنازل، ووجدت الجراثيم لها مرتعا في أجسام الأطفال الأبرياء، ولا يشعر هؤلاء بالمسؤولية أمام الله تعالى، وأمام التاريخ، وأمام شعب اليمن، فلو أن شعب اليمن اتحد، وتعاضد، وتكاثف فلا يستطيع غيرهم أن يعبث بوطنهم، وأن يكثر فيها الفساد، وسفك الدماء، وضياع الاقتصاد، وانتشار المسغبة.
غرتهم الطائرات المسيرة، وظنوا أنهم بها هم الغالبون، وأنهم مانعتهم حصونهم، وأن حكم اليمن لقمة سائغة هنيئة مريئة، فهذا مبلغهم من العلم، والتفكير، ولم يدركوا أنهم في ضلال مبين، وأن هذه الأسلحة غبار مؤقت، وهلاك لهم ودمار، وإن تأخر فإنه آت، وما لهم منه من فوات.
ولعل أملنا في وحدة اليمن بدأ يتحقق، وأن سُحب الحرب الأهلية بدأت تنقشع، وأن الحكمة أخذت مأخذها، وعادت عودتها، وما كان لها أن تضيع ولا ترشد، فإن الغيّ ليس من شأن اليمن ولا من شيمها، وأن الله لا يتخلى عن شعب اليمن.
فليرشد، وليتردد حكمة وبعدا عن الغيّ وما ذلك على شعبنا اليمني بعزيز، وإلى الله نلجأ أن يديم عليهم العافية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com