عين البصائر

رفقا بالشباب أيها الـمربون

أ. لخضر لقدي/

وقف خطيب الجمعة بلسانه اللاذع وكلامه الجارح يصف شباب اليوم بأنّهم ينامون النّهار بطوله ويسهرون الليل كلّه أمام أجهزة اللعب، أو الدردشة والكذب، يضيعون أوقاتهم الثمينة، فإذا استيقظ أحدهم حصل على مصروف يده من والده أو أمه، يتسكع في الشوارع أو يجلس لساعات في المقاهي والملاهي.
وحاشا أن يكون قصدي التخلي عن النقد، أو السكوت عن بيان الأخطاء والحديث عنها، فتلك سنة ثابتة ماضية وقد كان صلى الله عليه وسلم يعالج الأخطاء وله أسلوب خاص في معالجتها يتميز بالتوازن والاعتدال وبالرفق والإحسان..
كنت أتمنى أن يسأل الخطيب نفسه والمجتمع والمسؤولين السؤال البسيط: لماذا يجلس هؤلاء الشباب على المقاهي؟ ولماذا يسهرون الليل كلّه لتضييع وقتهم الثمين؟ ومن المسؤول عن وصول هؤلاء إلى هذا الوضع الذى ينتقده؟!
هل وجد هؤلاء الشباب عملا ينخرطون فيه فيسد عليهم الطريق أمام سهر الليالي؟ وهل وفرنا لهم المكان الذى يستوعب طاقاتهم، ويفجر إبداعاتهم، وينمي عقولهم؟!.
منذ سنوات كان للشهادة الجامعية طعم آخر، وكان للحياة نكهة أخرى، فكان حلمهم بالوظيفة مشروعا سريع التحقيق، وكان طريقهم للزواج وتكوين بيتا ميسورا.
واليوم…أليس جل شبابنا يقضى سنوات دراسته يحدوه الأمل في الخروج للحياة العملية فيجد وظيفة تليق بمؤهلاته، فإذا به يصطدم بواقع مريرعنوانه شح الوظائف وانتشار البطالة، وفي أحسن أحواله ينخرط في ملهاة تشغيل الشباب، تضيع معها حياته.
واليوم أليس الزواج قد صار عند الشباب حلما بعيد المنال؟.
أيها المربون رفقا بالشباب فهم أمل المستقبل وغرس الحاضر ونهضة الغد وأمل الحضارة، وعمد الصروح وأعلام النصر ورايات العز وأسلحة الحق، وجند الإيمان، ومنهم يوجد أبصر ذي عيني، وأسمع ذي أذنين، وأبطش ذي يدين، وأجود ذي كفين، وأمشى ذي رجلين، وأبلغ ذي لسان، وأعف ذي مقولة…
ووالله ما خانته إلا ظروفه، وما قضى على آماله وأحلامه إلا الفاسدون المبذرون الذين هم إخوان الشياطين.
أيها المربون، أيها الشيّاب، اعملوا بنصيحة نبيكم صلى الله عليه وسلم الذي يقول:» أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ» ابن ماجة.
وافقهوا قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: علموا أولادكم خير ما تعلمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم .
أَعْلَمُ أن شبابنا لهم تصرفات نرفضها وسلوكيات لم نألفها، ولهم لغتهم الخاصة التي لا نعرفها، وتبدر منهم الثغرات، وتصدر منهم النعرات، وفيهم محاسن وإيجابيات.
هم عضو من جسد الأمة، فهل نقطع هذا العضو أم نعالجه؟ هم الأمل وهم المستقبل…فلا تحطموا آمالهم ولا تقتلوا مستقبلهم، ولا تشعروهم أنهم مجموعة متراكمة من الأخطاء، ولا تشككوا في انتمائهم لدينهم وأُمَّتهم ووطنهم، ولا تُسْمِعُوهم سوى النقد والتقريع والتأنيب…
ازرعوا في نفوسهم الأمل، وحببوا إليهم خير العمل، وافتحوا لهم قلوبكم ليفتحوا لكم قلوبهم، واحترموا تفكيرهم ليحترموا نصائحكم..
أوجدوا لهم العذر، فجيلهم مختلف، ومشاكله مختلفة، وتجاربه محدودة، وطموحاته كبيرة، إنهم من عصر آخر، وفي غير العصر الذي عرفنا وألفنا.
أليس أهل التربية يقولون: من نظر إلى الناس بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر إليهم بعين الله أحبهم.
وكل ما خالف الشريعة مردود، ولكن الضرورة التربوية تحتاج إلى صبر ومعاناة، كما تحتاج إلى حسن فهم وخير توجيه.
تذكروا سيد المربين -صلى الله عليه وسلم – يجيئه شاب يستأذنه بالزنا، فيقبل الصحابة عليه ليزجروه، لم يعنفه نبينا صلى الله عليه وسلم، وما زَجَرَه، وما كَهَرَه. وَما ضَرَبَه وَماشَتَمَه، ما زاد خير المربين على أن سأله: أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟ أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟.
والشاب يجيب: لا واللَه، جعلني اللَّه فداك، والرسول صلى الله عليه وسلم يوجهه: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم… ثم دعا له اللَّهمّ اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه.
وكانت المعالجة النبوية متدرجة: طلب قربه، وأجلسه بجواره، وحدثه بالكلمة الطيبة، وهز عاطفته، وأقنعه، ووضع يده على صدره، ودعا له.
إنها براعة الأسلوب، تجمع بين الإقناع والدعاء، ومراعاة مقتضى الحال وتصور خير المآل..
والأخذ بيد الغريق مسلك وعر، فالشاب كسر حاجز الحياء، وهمه الوحيد قضاء الشهوة، والنبي صلى الله عليه وسلم مُرَبٍّ ومؤدب، يعمل على إنقاذ النفوس من أودية الغواية، ويجعل الموعظة تأخذ طريقها إلى القلوب.
وشبابنا يتعرض إلى عواصف هوجاء وسيول جارفة: إنها آفات وشهوات وشبهات وأفكار ضالة، ودعوات منحرفة، وفتن ومغريات.
ورغم ذلك فمهما ساءت إرادتهم، وقبُح فعلهم، ففيهم جوانب أخرى من الخير يجب أن ننميها ونعززها.
حدثني أحد علماء فلسطين، أن شبابا يتعاطون المخدرات، جاؤوه خلال انتفاضة الأقصى وقالوا : يا شيخ علمنا كيف نغتسل؟ كيف نصلي؟ نريد المشاركة في تحرير المسجد الأقصى؟.
ورأيتم وسمعتم شبابا في ملاعب كرة القدم ينصرون الإسلام، وينشدون طلع البدر علينا.
ماذا لو صدقت نياتنا، وتعززت جهودنا، وأوجدنا المربين الحاذقين، واستطعنا استيعاب كثرة الجماهير العائدة إلى الله.؟
لن ألوم أحدا فالكل مسئول بنص الرسول الهادي الذي قال: كلكم راعِ وكلكم مسئول عن رعيته، ولكن أشد اللوم يتوجه إلى المسئولين أولا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com