الرئيسية | في رحاب الشريعة | مفتاح سعادة الإنسان في فهــم الإيمان من آيات القرآن

مفتاح سعادة الإنسان في فهــم الإيمان من آيات القرآن

الشيخ محمد مكركب أبران/

لماذا يؤدي الإنسان بنفسه إلى الهلاك، مع أن طريق النجاة معلوم، ووسائل الوقاية والحماية من الضلال متوفرة، وإمكانات بلوغ المقاصد ميسورة، وفي متناول هذا الإنسان؟ هو اتباع الكتاب، والاقتداء بإمام العالمين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام؟ ولكن أين نقطة الاختبار الصعب الذي سؤاله مكشوف، والجواب عنه معروف، وما ضاع بسبب الأخطاء بالتوبة مخلوف، آه، نعم، لغز صعوبة الاختبار في أن بني الإنسان أصناف: صنف من الناس سمعوا واستجابوا واتبعوا الكتاب، وهم السائرون نحو المستقبل نحو الجنة، جعلني الله وإياكم منهم ومعهم، وصنف من الناس سمعوا واستجابوا للدعوة العامة، ولم يتبعوا الكتاب خصوصا في فقه المعاملات، وفقه السياسة الشرعية، أي أنهم قالوا أسلمنا، وسلوكهم يخالف قولهم، وهؤلاء هم فتنة المسلمين، ومنهم الذين سودوا صفحات التاريخ الإسلامي بهرطقاتهم وغلوهم، وصنف من الناس سمعوا ولم يفقهوا وكانت أخطائهم من جهلهم، وناس آخرون لم يريدوا أن يسمعوا ولا أن يستجيبوا.
ما معنى كل هذا الكلام؟ معناه: أن هناك الكثير ممن يريدون بكل إيمان وإخلاص أن يعملوا بالكتاب ويتبعوا الصواب، ويمسكون مفاتيح السعادة، ويخوضون طريقهم نحو الجنة، ولكنهم يعيشون في مجتمع فيه الأصناف الجاهلة والمنحرفة والتائهة، وسنن الله سبحانه في خلقه، أن حياة الإنسان محكومة بمعايشته لكل أنواع البشر، فالمؤمن وهو يصلي في المسجد، مأموما، أو مؤذنا، أو إماما، قد يحضر معه منافقون أو حروريون أو متنطعون، وديدنهم الفتن والنكد، وهو موظف أو مسؤول في الإدارة العامة أو بيت المال العام، وقد يكون معه مختلسون سَرَّاقُون، وربما وهو في السفينة أو في الطائرة، أو في مجلس، أو في سوق، ومعه من يريد خرق السفينة، لجهله، أو مدفوع للانتحار والذهاب إلى النار، ولكن يصيب معه الأبرار؟ وقد يكون إمام الدولة ومعه عصابة لا تخاف الله ولا تخشاه، فيُبْتَلَى بهم أشد الابتلاء، كما حدث لبعض الخلفاء، ومن هنا تظل قضايا الدنيا غامضة مخفية مملوءة بملايين الأسرار والألغاز والمفاجآت. والفتنة تأتي من قبيل هذه الألغاز المحيرة، فمثلا هل المسلمون في فتنهم المتكررة الذين رفعوا السيف على بعضهم، ألم يعلموا أحكام القرآن التي تنص على تحريم قتل النفس؟ ولا آية في القرآن ولا حديث يبيح لمسلم أن يرفع السيف على مسلم أبدا، بل جاء النهي القاطع على أن من قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾[النساء:93] ومهما كان سبب القتل، سواء: من أجل المال، أو النساء، أو السياسة،. ففي الحديث:[لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ](البخاري. 6878) والحديث:[أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ](البخاري.6882).
(مطلب):متكلف للطلب وساع وراءه في كل مكان. (بغير حق): يستبيح دمه. (ليهريق دمه):ليسيله وهو كناية عن القتل.
1 ـ إن المؤمن حقا يمشي ويتحرك في هذه الدنيا بنور الإيمان، ونور القرآن، ونور الصلاة، ونور الهداية، ومن ثم لا يقع في مصائد الشيطان، وبهذا يكون سعيدا ومرتاحا. يؤدي الفرائض، ويتقرب إلى الله بالنوافل، ويكون الله سبحانه معه ينصره ويحفظه، وإن شاء الله ابتلاه بشر الأشرار ليرفع درجاته عنده، أو يتخذه شهيدا باعتداء كافر عليه، كحال المجاهدين الذي يدافعون عن الإسلام والمسلمين.
2 ـ وفي حالة كونه مؤمنا لا يخاف كافرا أبدا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141]. وفي الحديث: [وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا] ألم أقل لكم الطريق واضح وميسور، والمؤمنون هم المفتنون كشعوب ودول هم الذين يجعلون أنفسهم في غابة الفتن والحروب، والسؤال: لماذا لا يتحدون ويتعاونون؟ أو على الأقل، اسمعوا أو على الأقل لا يعتدي بعضهم على بعض، ولا يهلكون بعضهم، هل المطلوب منكم أن لا تعتدوا فقط وحينها ينصركم الله؟ هل هذا صعب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
3 ـ والإنسان في حال كونه مؤمنا حقا يتآخى مع إخوانه فإذا تحققت الأخوة الدينية والأخوة المعاملاتية، والاتحاد التعاوني الحقيقي، حينها يتحقق نصر الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الروم:47].
4 ـ وإذا كان الإنسان مؤمنا حقا يتحقق له الأمن والسكينة. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾[النور:55].
5 ـ وإذا كان الإنسان مؤمنا حقا، لا تصيبه الأزمة الاقتصادية. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:96] إذن مفاتيح السعادة واضحة ومُبَيَّنَةٌ في آيات القرآن. لماذا هؤلاء الحكام والعلماء والملأ من كل الشعوب الإسلامية، لماذا لا يتحدون.
6 ـ والخروج من الفوضى والدوامة السياسية الغامضة، والتخلص من الصراع الداخلي بين استبداد، ومعارضة، وأحزاب، ومتاهات، لايعلم مآلاتها إلا الخالق سبحانه، هي خليط من الفتن ينبغي الخروج منه. فكيف يتم الخروج من كل ضيق إلى ساحة الأمن والحرية، ورغد العيش؟.
الجواب في القرآن أيضا، لماذا لا تتدبرون القرآن أيها الحكام، أيتها الأحزاب الحائرة، ولماذا أعرضتم عن الحلول القرآنية والسنية؟ لماذا؟ وألف لماذا؟؟؟ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:29]. قال أبو جعفر: {يقول الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله (أي يا أيها المؤمنون حقا) إن تتقوا الله (أي تعملوا بشريعته) بطاعته، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته، وخيانة رسوله، وخيانة أماناتكم، يجعل لكم فرقانًا»، يقول: يجعل لكم فصلا وفرْقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين، بنصره إياكم عليهم، (أي إن تعملوا بشرعه يبين لكم الحق ويهديكم إليه، ويبعد عنكم أهل الباطل وينصركم عليهم) وإعطائكم الظفر بهم «ويكفر عنكم سيئاتكم»، يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه «ويغفر لكم»، فلا يؤاخذكم بها، «والله ذو الفضل العظيم» خيره كثير لاينفد}(13/487).

عن المحرر

شاهد أيضاً

قــــوة الأمــــة ودوام أمنهــــا مرهـــــون باتحـــادهــا والاعتصــــام بكــتـــاب ربهــــا

الشيخ محمد مكركب أبران/ الخطأ الكبير الذي لا يقبل الاقتراب من أسبابه، ولا اللعب بالشرر …