الرئيسية | مساهمات | مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الأستاذ محمد فريد وجدي رحمه الله (1878 – 1954)

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الأستاذ محمد فريد وجدي رحمه الله (1878 – 1954)

أ.د/ مسعود فلوسي*/

العالم الموسوعي، والمفكر العقلاني المتعمق، والباحث المدقق، والمفسر المحقق، والصحفي الماهر، والكاتب اللامع، والمناظر العنيد في الدفاع عن الإسلام وعقيدته وشريعته، العلامة الأستاذ محمد فريد وجدي رحمه الله.
أول ما قرأت من مؤلفاته خلال مرحلة الدراسة الثانوية، هو كتابه «الإسلام في عصر العلم»، الذي أقدمتُ على قراءته على الرغم من دقة مباحثه وعمق أفكاره ورصانة لغته ومعالجته لقضايا فلسفية بأسلوب عقلاني وكذا ضخامة حجمه (أكثر من 800 صفحة)، وقد أراد من تأليف هذا الكتاب أن يثبت – للمبهورين بالفلسفات المادية وبالفتوحات العلمية التي عرفها العصر الحديث – أن الإسلام هو الدين الذي يواكب العلم ويساير تطوره ولا يتعارض معه، وأن العلم الصحيح هو -في كل عصر – خير دليل على صحة الإسلام وسلامة تعاليمه من التناقض وتوافقه مع فطرة الإنسان وحاجاته، وأن تأخر المسلمين ليس بسبب الإسلام وإنما لأنهم تركوا تعاليم هذا الدين التي تأمرهم بطلب العلم والنبوغ فيه، لذلك بحث المؤلف القضايا الكبرى في الإسلام من وجهة علمية ليثبت أن الإسلام هو الدين الصحيح الذي لا يصح أن يسمى غيرُه دينا، فعالج قضية الإنسان، ثم قضية المدنية، ثم حياة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم – ثم ما وراء المادة، إضافة إلى بعض المباحث ذات الصلة.
أعترف أنني حينئذ لم أفهم الكثير مما جاء في الكتاب، لكن مطالعتي له بعد ذلك مرة بعد مرة وزيادة معارفي شيئا فشيئا أمكنتني من فهم ما جاء فيه.
أتيح لي بعد ذلك أن أجد لدى أحد بائعي الكتب على قارعة الطريق في مدينة باتنة، كتابا صغيرا موجزا للمؤلف، عنوانه «مقدمة التفسير»، وهو كتاب ألفه ليكون دليلا بين يدي قارئ التفسير ليُعرفه بمباحث ضرورية لفهم القرآن، تتعلق بتاريخه وكيفية نزوله وتعدد قراءاته وكيفية حفظه وترتيبه وبيان معجزته العلمية الكبرى التي تشهد بأنه كلام الله المنزل، وإقامة الأدلة على حفظه من التبديل والتحريف، وغير ذلك من المباحث الهامة.
وقد طَبَعَ المؤلف في حياته هذه المقدمة مفردة عن التفسير وبقيت تُطْبَعُ بعد وفاته مفردة كذلك.
اطلعت في المرحلة الجامعية كذلك على موسوعته الكبيرة المتميزة التي انفرد بها عن غيره من العلماء العرب والمسلمين في العصر الحديث، والتي تعجز عن إنجاز مثلها المؤسسات العلمية الكبيرة، فضلا عن أفراد الباحثين، ألا وهي «دائرة معارف القرن العشرين» في عشر مجلدات كبيرة بلغ عدد صفحاتها مجتمعة (8416 صفحة).
لم تتوقف علاقتي مع العلامة محمد فريد وجدي عند هذه المؤلفات القليلة، فإعجابي بعمق أفكاره وبأسلوبه المتميز في دراسة المسائل وطريقته في الدفاع عن الإسلام وتعاليمه، كل ذلك جعلني أتطلع إلى الاطلاع على بقية كتبه وأبحث عنها في المكتبات ومعارض الكتب، وقد أتيح لي الوقوف على عدد معتبر منها، وفي السنوات الأخيرة مكنتني شبكة الأنترنت من تنزيل العديد منها خاصة تلك التي طبعت قديما ولا تتوفر طبعات جديدة منها.
من هذه المؤلفات المفيدة والنافعة؛ الكتاب الذي نشر في حياة المؤلف بعنوان «الإسلام دين عام خالد»، ونشر بعد وفاته بعنوان آخر هو: «الإسلام دين الهداية والإصلاح»، والذي بناه على نسق كتاب «الإسلام في عصر العلم»، وعالج فيه مسائل جديدة تتصل بموضوع ذلك الكتاب، وقد قصد من تأليفه الكشف عن طبيعة الإصلاح الذي جاء به الإسلام للعالم، ودحض الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام في العصر الحديث.
من مؤلفاته المتميزة كذلك؛ كتاب «على أطلال المذهب المادي»، الذي أفرده لنقد المذهب المادي الإلحادي الذي شاع في القرن العشرين واستولى على عقول كثير من الناس خاصتهم وعامتهم واستعمل الكشوف العلمية الحديثة والتطور العلمي الهائل في ازدراء الأديان والاستهزاء بها وحمل الناس على الإعراض عنها والانسلاخ من تعاليمها.
وهناك أيضا كتابه الممتميز «المرأة المسلمة: دراسة نقدية لدعاة تحرير المرأة وبيان دور المرأة في صلاح المجتمع وفساده»، والذي ألفه في الرد على قاسم أمين في دعوته لتحرير المرأة، حيث بين المؤلف أن الإسلام حرر المرأة ورفع من شأنها وبوأها المكانة التي هي جديرة بها، وأكد أن الحجاب ضروري للمرأة لكونه الضمانة الوحيدة لاستقلالها وحريتها.
وهناك كتب أخرى مهمة وجديرة بالقراءة والاطلاع على ما تضمنته من علم نافع وتحقيقات علمية ماتعة، منها: كتاب «المدنية والإسلام» الذي نشر أيضا بعنوان «تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية»، وهو أول مؤلفاته حيث ألفه في العشرين من عمره وقصد منه إلى «تفهيم الأوروبيين حقيقة الدين الإسلامي وماهيته وإثبات أنه ضامن للإنسان نيل السعادتين وكافل له راحة الحياتين». وكتاب «نقد كتاب الشعر الجاهلي» لطه حسين. وكتاب «الوجديات» الذي تضمن ثمانية عشرة وُجدية هي عبارة عن «مقالات خيالية الغرض من نشرها تصوير مُثُل عليا للحياة الفاضلة لإمداد النفوس بالقوى الأدبية الضرورية لها»، وكتاب «الأدلة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية»، وكتاب «حوار الإيمان والإلحاد».
في الأخير، نسجل أن هذا العالم الفذ والمفكر العملاق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في حياته، وشهد له بالنبوغ والتميز أقرانه من العلماء والمفكرين مثل شكيب أرسلان وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل، سرعان ما نُسي بعد وفاته وأهمل طلاب العلم أعماله ومؤلفاته، ولولا أن قيض الله له بعض تلاميذه وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي -رحمه الله – الذي آلى على نفسه أن يحيي ذكره وينشر مؤلفاته ومقالاته ويعرف بسيرته وأعماله الرائدة، ما عرفنا شيئا عنه.
كتب الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله كتابا متميزا نشر سنة 2003 بعنوان «محمد فريد وجدي الكاتب الإسلامي والمفكر الموسوعي»، من 330 صفحة، أحاط فيه بالظروف التي ولد فيها هذا العالم المفكر ونشأ وعاش، والأعمال التي قام بها، والموضوعات التي شغلت فكره واستأثرت باهتماماته، والعلاقات التي ربطته بأعلام عصره، والمناقشات والمعارك التي دارت بينه وبين خصومه ومخالفيه، وما تميزت به ردوده من أدب جم وسمو أخلاقي رفيع، حيث إنه كان يركز على الموضوع ولا يتعرض لشخص المخالف بل كان يلتمس لمخالفيه الأعذار والمبررات، فلم يكن هدفه الانتصار عليهم وإنما إثبات الحقائق العلمية.
وقبل هذا الكتاب ألف الدكتور محمد طه الحاجري كتابا بعنوان: «محمد فريد وجدي حياته وآثاره» نشر سنة 1970، كما ألف الأستاذ أنور الجندي كتابا بعنوان: «محمد فريد وجدي: رائد التوفيق بين العلم والدين» نشر سنة 1974، وهذان الكتابان لم تعد طباعتهما ولذلك فهما مفقودان ولا يتاح الوصول إليهما.
فيما عدا هذه الكتب الثلاثة لم أقف على مؤلفات أو دراسات عن حياة محمد فريد وجدي أو أعماله أو آرائه في مختلف القضايا التي عالجها وبحثها والمواقف التي وقفها، ولذلك فهذه مناسبة لدعوة الباحثين وطلاب الدراسات العليا إلى أن ينتبهوا إلى هذا الرجل وفكره وتراثه فيقبلوا على دراسته وإجلاء خصائصه وإبراز ما فيه من فوائد.

*جامعة باتنة

عن المحرر

شاهد أيضاً

أثر التربية والتعليم في النهوض الحضاري (الدولة الزنكية نموذجاً)

د. علي محمد الصلابي/ أدرك المشرفون على عملية التغيير، وفقه النهوض: أنَّ عزَّ هذه الأمة، …