في رحاب الشريعة

بين الدينار والقنطار في ميزان الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار

الشيخ محمد مكركب أبران/

فكم من إنسان قد يكون رجلا، أو يكون امرأة، عاش فقيرا مسكينا في ميزان المادة الدنيوية، لا مال يذكر به للقياس بين الغنى والإفلاس، ولا يملك ما تميل به إليه الناس، فلا تجارات ولا عقارات ولا القصور ولا السيارات، ولا الوزارات، ولا البرلمانات، ولا أكياس الذهب والمليارات. ومع ذلك عاش سعيدا صالحا مصلحا، كحالة الفقير من قصة الرجلين اللذين أخبرنا الله سبحانه عنهما: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً. وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً.وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا. قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً.وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَداً. فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً.﴾ (سورة الكهف: 32 ـ 41)
أيها الفتى، إن طريق الجنة ليست بالمال الكثير وحده، فالفقير المؤمن الزاهد، يمكن أن يدخل الجنة، قبل الغني الذي لايطيع الله بماله، ولا يشكره على نعمه، أيتها الفتاة، إنّ طريق الجنّة ليست بالنَّسَبِ والْجَاهِ ولابالمال والجمال الجسدي، ولابالشهرة الدنيوية، فكم من دميمة أو نحيفة أو سمراء أو سوداء أو يتيمة، ولكنها عند الله تعالى أكرم، لأنها كانت بإيمانها وأخلاقها أجمل وأقوم، لأنها تقية نقية عفيفة شريفة، نعم، من الابتلاء الذي أراده الله لها، قد لاينظر إليها الناس لنحافتها أو قصرها أو سمرتها، ولايرغب فيها كثير من الشباب، نعم، لأن هذا ميزان المادة عند الدنيويين، أما في ميزان الفوز بالجنة، فقيمة المرأة في جمال نفسها، وطيبة قلبها، وذكاء عقلها، وحسن عبادتها لربها وأخلاقها مع المتعاملين معها. وكذلك قيمة الفتى ليست في القناطير من الأموال، والجاه والدلال، وما عليه من ثياب الموضة الْمُخَنْفَسَة العجاب، ولا في السيارة الفارهة وكثرة الأصحاب، إنما قيمة الإنسان في إنسانيته، في دينه، في اتباع كتاب ربه. لاتتمنى الشهرة لأجلها، ولا تتمنى المال لأجل المال، فهل اعتبرت بما قص الله تعالى علينا في القرآن،؟ ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.﴾ (القصص:76،77)
فلم يستجب للنصيحة، وأعماه حب المال، فما ذا كانت النتيجة؟ قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ. وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ.﴾ (القصص:81،82).
فهل الغنى بالمال مذموم؟ ليس المال مذموما في ذاته، فالمال رزق من عند الله تعالى وإنما المحمود فيه والمذموم هو في طريقة الكسب والإنفاق، فإن اكْتُسِبَ المالُ من الحلال وأُنْفِقَ في الحلال، فالغنى أفضل، والكسب أجمل، وإن جُمِعَ من حرام، وصرف في الحرام، فهو المذموم وصاحبه مَلُومٌ. ففي الميراث، والغنائم، والهبات، والتجارات، والمكاسب الحلال كلها، خذ هذا التوجيه النبوي الشريف، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: [خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ] (البخاري. كتاب الزكاة. 1473) (غير مشرف) أي غير متطلع إليه ولا طامع فيه، إذا أتاك المال من غير طمع ولا غش ولا مخالفة شرع فلك ذلك على أن تؤدي زكاته. (فلا تتبعه نفسك) أي فلا تجعل نفسك تابعة له، لا تجعل نفسك عبدا للمال. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن فقيرا، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبد الرحمن ابن عوف، رضي الله عنهم، وغيرهم كثير، كانوا يكسبون المال الكثير وينفقون في سبيل الله الكثير. فاكسب من الحلال، غير أنه لاتترك المال ينتقل من بين يديك إلى داخل قلبك، أو يتعدى جيبك إلى داخل جنبك، فتعامل مع المال كما هو في الأصل وسيلة، ولا تجمع المال كغاية. وفي الحديث أيضا:[لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ] (البخاري.6446) الغنى الحقيقي هو اليقين بالقضاء والقدر الذييملأ نفس الإنسان بالقناعة والاطمئنان، ويكفه عن حاجة غيره من بني الإنسان. والمقصود بكثرة العرض، هو حطام الدنيا من المال والمتاع والدور والقصور، وكل ما هو من زينة الحياة الدنيا. ومن الأدعية المأثورة.[اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ] (الترمذي: 3563).
إنّ المؤمن المبتلى بضيق العيش، وهو يرى الأغنياء الأثرياء، أصحاب القصور المنيفة، والسيارات الفارهة، والمكاسب الواسعة، والأموال الطائلة، فلا يحزن ولا يتضايق من ذلك أبدا، لأنه بإيمانه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما كتب له من الرزق، لن يستطيع أحد أن يأخذه منه أبدا، إنما هو القضاء والقدر، إنه المكتوب، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفعوه بأكثر مما قدر له فلن يستطيعوا، ولو أراد الخلق كلهم أن يمنعوا عنه شيئا مما كتب له، فلن يستطيعوا، فالمؤمن يعلم هذه، فهو إذن مرتاح ومطمئن، لا يحسد أحدا، ولا يحقد على أحد، ولا يطمع في حرام، ولا تتبع عيناه ما عليه يعاب ويلام، مثله كمثل كاتب محاسب حارس لخزانة مال، يعطي الناس مستحقاتهم ورواتبهم ومنحهم، وربما يصرف لهم الملايير، وتحيط به أكياس النقود، وكنوز الذهب والفضة من كل جهة، وربما هو راتبه لايساوي عشر أدنى من يصرف لهم رواتبهم، ومع ذلك فهو ينظر إلى تلك الأموال التي تحيط به من كل جانب نظر أي شيء يقوم بتحويله من مكان إلى مكان، وهو متيقن بأن تلك الكنوز لاتخصه ولا تعنيه، والرب سبحانه الذي خلقه هو الذي يطعمه ويسقيه، والرب تبارك وتعالى الرحمن الرحيم هو الذي يمنع ويعطي مايشاء لمن يشاء، فكذلك ينظر إلى الدنيا وأهل الدنيا. أيها الشاب إن شرفك وغناك في قناعة نفسك، واطمئنان قلبك، وقيمتك في رجولتك وكرامتك، في صدقك وأمانتك، فخير ولد آدم عليه الصلاة والسلام مَا مُدِحَ بكثرة المال العظيم، ولكن مُدِحَ بالخلق العظيم. وتدبر هذا الخبر، وخذ العبرة واعتبر.عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: [مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا] فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا] (البخاري.6447).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com