مساهمات

رتَبُ الظِّلِّ في الشُّـــــؤون الدِّينيَّـــة القيِّم والمؤذِّن وأستاذ التَّعليم القرآنيِّ أنموذجاً

أ. جمال غول/

على غرار مناطق الظِّلِّ التي تسعى الحكومة لتحسين مستوى معيشة مواطنيها بقرار من رئيس الجمهوريَّة، يوجد في قطاع الشُّؤون الدِّينيَّة والأوقاف رتَبٌ تستحقُّ أن تصنَّف ضمن مناطق الظِّلِّ التي ينبغي تحريرها من قيود تكبّلها وتمنعها من أبسط حقوقها كالتَّرقية إلى رتبة أعلى مثل بقيَّة الرُّتب.
لقد ظُلِمَ منصب القيِّم والمؤذِّن عندما تمَّ تصنيفهما ضمن سلك الأعوان الدِّينيِّين في المرسوم التَّنفيذي رقم 08 -411 الصَّادر في 24 ديسمبر 2008، فما كان من الوظيف العموميّ إلَّا أن يحكم عليهم بالمؤبَّد في الرُّتبة نفسها عملًا بما هو سارٍ على الأعوان في القطاعات الأخرى، وما علموا أنَّهم أعوان – إن صحَّت تسميتهم بذلك – ليس كباقي الأعوان في القطاعات الأخرى، مع احترامنا لكلِّ الأعوان، فالقيِّم والمؤذِّن في قطاع الشُّؤون الدِّينيَّة يقومان بجميع المهام التي يقوم بها الإمام، وأحياناً يكون القيِّم إضافة إلى مهامه هو المؤذِّن والإمام ومعلِّم القرآن، فهو الذي يلقي الدُّروس وخطب الجمعة، ويتولَّى بنفسه إبرام عقود الزَّواج، وجلسات الصُّلح بين المتخاصمين، ويصلي على الجنائز ويؤدِّي صلاة التَّراويح، وهذا نظراً للشُّغور الفادح في تأطير المساجد، وكذلك الحال بالنِّسبة للمؤذِّن ومعلم القرآن!!!، بل وقفنا على قيِّم يجلب الماء على ظهر الحمار ليتوضَّأ المصلُّون! كلُّ ذلك لم يشفع لهم، ليس في راتب محترم فحسب، بل حتى في ترقية تحفِّزُهم وتفتح آفاقاً أمامهم!!! في الوقت الذي فُتح الإدماج على مصراعيه ليصبح المتعاقد في أعلى الرُّتب ويبقى القيِّم والمؤذِّن منذ عشرات السِّنين في ذيلها!!!
والعجيب أنهما لا يمنحان أي منحة او مزية على كل المهام الزائدة عن مهاهم الاصلية التي يؤدونها باستمرار، ولكن عندما تنزل عليهم العقوبة تنزل عليهم كأنهم أئمة لا كقيّمين أو مؤذنين في مخالفة صريحة للقاعدة المعلومة (الغنم بالغرم)!!!
ظُلِم (القيِّمون والمؤذِّنون) عندما تمَّ تصنيفهم في الصِّنف الخامس(5) والسَّادس(6)على التَّوالي، تماشياً مع التَّصنيف الجديد المعتمد من قِبل الوظيف العموميّ، هذا التَّصنيف الذي ينبئكم عن قيمة ما يتقاضونه من راتب إن صحَّ تسميته راتبا، وما علموا أنَّ توظيفهم ليس كتوظيف من صُنِّفوا في نفس تصنيفهم، فشروط التَّوظيف بالنِّسبة للقيِّم والمؤذِّن كبيرة، غير أنَّها غير مثمَّنة، إذ يطلب منهما شرط المستوى فلا يقبل أقلّ من الرابعة متوسط بالنسبة للقيم و الأولى ثانوي للمؤذن، ويضاف إليه شرط حفظ نصف القرآن الكريم ـ ثلاثين حزباً ـ ، إلى جانب شرط التّكوين لمدّة سنة كاملة في معاهد الشُّؤون الدِّينيّة، بينما لا يطلب من الأعوان في القطاعات الأخرى أيُّ شرط من هذه الشُّروط. فلماذا يسوَّى بينهم في التَّصنيف؟؟؟ تلك إذا قسمة ضيزى!!!
أليس هذا من الظُّلم البيِّن، والإجحاف غير المبرَّر!؟
وأمَّا رتبة أستاذ التَّعليم القرآنيِّ فقضية أخرى تكاد تستعصي على العقول أن تصدِّقها، والمنطق السَّليم أن يفهمها، والواقع المعيش أن يستوعبها!!! رتبةٌ جاء الوحيُ الشَّريف بتكريمها، وجاء الوظيف بتنزيل تصنيفها، رتبةٌ قال عنها نبيِّنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)، وجاء التَّصنيف ليجعلها في الصِّنف 9، بينما يصل تصنيف بعض الرُّتب إلى 17، ودون الحديث عن المناصب التي تكون خارج هذا التَّصنيف!!
ظُلِم أستاذ التَّعليم القرآنيِّ عندما مُنع من التَّرقية مدى الحياة رغم أنَّه يخرِّج الكفاءات التي توظَّف فيما بعد، وتتولَّى الرُّتب الأعلى منه، نعم قد يفوق الطَّالب أستاذه، ولكن إبقاء أبواب التَّرقية موصدة أمام أستاذ التَّعليم القرآنيِّ فيه نكران واضح، وهضم صارخ لحقوقه.
ظُلِم أستاذ التَّعليم القرآنيِّ عندما منح لرتبته اسم مثل اسم أستاذ التَّعليم العالي، فيجتمعان في كلِّ ألفاظ الرُّتبة عدا اللَّفظ الأخير، ويختلفان في التَّقدير والتَّثمين، فلمَّا كان التَّعليم عاليا، كان الرَّاتب كذلك، فهل يليق عندما يكون التَّعليم قرآنيّاً أن يكون الرَّاتب متدنيا زهيدا؟؟؟
إنّ التَّعليم القرآنيُّ يغطّي فئاتٍ كثيرةً من المجتمع، بدءاً من التَّحضيري وسائر الأطوار التَّعليميَّة، ومروراً بغير المتعلِّمين، وانتهاءً بأعلى الرُّتب العلميَّة كالطبيب وأستاذ التَّعليم العالي، وكلُّ ذلك يتطلَّبُ جهوداً كبيرة، ولتغطية كلّ هذه الفئات يُباشر بعض معلمي القرآن وأساتذة التعليم القرآني أعمالهم من قبل صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العِشاء، إلى جانب إمامتهم للنَّاس في صلاة التَّراويح ـ وما أدراكم ما صلاة التَّراويح ـ مع تقديمهم دروس أحكام التَّجويد، كما يستخلفون الإمام في كلِّ مهامه، دون أن يشفع لهم ذلك في ترقية تحفِّزُهم، وتفتح الآفاق أمامهم، بل لم يشفع لهم أن يكون من حقِّهم عطلة سنويَّة صيفية زمن عطلة أولادهم، فيمنعون منها في كلِّ العطل النِّظاميَّة، ولا يتسنَّى لهم الاستمتاع بها مع أولادهم، فما فائدة الحصول على إجازة خريفية لا تستطيع معها التَّنقل والسَّفر، لارتباطك بعودة تمدرس أولادك؟.
لقد آن أوان إخراج القيِّم والمؤذِّن وأستاذ التَّعليم القرآنيِّ من منطقة الظِّلِّ إلى مناطق الضَّوء – وإن كانت جميع الرُّتب في الشُّؤون الدِّينيَّة تحتاج لذلك – لتصبح شمس التَّرقية تسطع بنورها عليهم تصنيفاً وتثميناً بعد أن كانت تزّاور عن رتبهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشِّمال.
لقد آن أوان فتح التَّرقية لهذه الرُّتب؛ تمكيناً للموظَّفين من حقِّهم الطَّبيعيّ، وتماشياً مع قانون الوظيف العموميّ الذي يسمح بذلك حاليّاً.
وآن الأوان أيضاً لتصحيح التَّصنيف الذي جاء بعيداً عن شروط التَّوظيف، وتسبَّب في انتكاسة وضعيتهم المهنيَّة قبل الاجتماعية.
وفي انتظار تعديل القوانين الأساسيَّة، يبقى تصحيح وضعيَّة القيِّم والمؤذِّن و أستاذ التعليم القرآني من حيث التَّرقيةُ والتَّصنيفُ قضيَّةَ ظلم وجب رفعُه عاجلًا غير آجل.
فهل من سَيّارة لإنقاذ هؤلاء من غيابات الجب التي ألقاهم فيها قانون 2008؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com