حوار

حــــــوار مع الاعـــــــــلامي محمـــد مشقق/ لا بــــد مــــن تنظيــــم اســـتراتيــــجي أكــــبر للعمل الخــــيري في الجـــــزائــــر

 

الهــــدف الرئيس للــــبرنامــــج هو المساهمــــة في بث روح التضامـــن بين الجــــزائـــريين
نشجــــع كل من يريد وضع بصمة خــــير في إطعام جائـــــع أو بناء بيت أو غــــرس فسيلة

 

محمد مشقق مهندس دولة في البترول، ساقه حبه للإعلام لتقديم البرنامج الشهير برنامج وافعلوا الخير، ترعرع في أولاد دراج بالمسيلة، ودرس بكتاتيبها، وقام بالنّاس إماماً وخطيباً وهو في الثانوية، تنقل بعدها للدراسة بالـمعهد الوطني للبترول ببومرداس، ساهم في تأسيس الكثير من الجمعيات المحلية والوطنية، ومثل الجزائر في ملتقيات شبابية عديدة بتركيا ومصر والسودان وقطر والكويت ولبنان وفلسطين – غزة-، نقله شغفه بالإعلام لتقديم برنامج وافعلوا الخير، أشهر البرامج الاجتماعية الخيرية في الجزائر، الذي يبث عبر قناة الشروق منذ تسعة أعوام، ويقدم خدمات جليلة للمحتاجين.

حاوره: ياسين مبروكي/

 

كيف تقيمون واقع العمل الخيري والإنساني في الجزائر؟
– أشكركم بداية على هذا الحوار، وأتمنى لكم التوفيق في مجلة البصائر، أعرق المنشورات في الجزائر، وارتباط الجزائري بها ارتباط وثيق، لما لها من سبق في نشر الوعي والفهم الصحيحين، وأبارك لكم تجديدكم الدائم وعملكم الدءوب الذي يتماشى ومتطلبات العصر، أما عن سؤالكم حول تقييم العمل الخيري والإنساني في الجزائر، أعتقد أن أي عملية تقييم يجب أن ترتكز على دراسات وتحاليل وللأسف الدراسات التي تحلل تعاطي النّاس مع العمل الخيري قليلة جدا في الجزائر، ولكن أجزم أن ما تركه الأجداد لنا من قيم وأخلاق ومبادئ فرضت علينا وقوف الميسور لجنب المحتاج، سواء كنا أفرادا، أو كنا منتظمين في فضاءات كالمؤسسات والجمعيات وغيرها، ومن خلال نضالي في عدة جمعيات وعملي في برنامج وافعلوا الخير منذ سنوات تلمست ذلك التضامن وسط العائلة الواحدة والمنطقة الواحدة، ونلمسه أيضا في العمل اللافت الذي يزداد توهجه عاما بعد الآخر من خلال الجمعيات التي تنشط في الميدان، وهي ثقافة وان كانت قديمة إلا أن التضامن العائلي هو الأكثر انتشارا ونجاعة، ولذلك عملنا في البرنامج على إبراز عمل الجمعيات والمساهمة في تشجيع تأسيسها ودعم عملها.
برنامج وافعلو الخير على قناة الشروق في موسمه التاسع. كيف تقيم مردود البرنامج؟
-الحمد لله نحن نؤسس الآن لعمل إعلامي خيري إنساني راق، يترجم حب الجزائري للخير، ويصون إرث الأجداد في التويزة والوزيعة، التي وإن تغيرت مسمياتها وأشكالها، إلا أنها تؤدي نفس الدور، أما عن تقييم التجربة، فأعتقد أنها متروكة للمشاهدين الافاضل، لكنا بصدق نسعى للمساهمة في نشر الخير والأمل في قلوب الجزائريين، ونشجع كل من يريد وضع بصمة خير في إطعام جائع أو بناء بيت أو غرس فسيلة.
ماذا يميّز الموسم التاسع من برنامج وافعلو الخير على قناة الشروق؟
-تطور البرنامج منذ بث أول حلقة له قبل تسعة أعوام، وكان كل موسم يحمل معه جديدا مبنيا على خبرة الموسم الفارط، ولذلك وصلنا في الموسم التاسع إلى تغيير في شكل البرنامج، حيث يخرج فريق البرنامج ويروي القصص التي تمر عبر البرنامج من موقع الحدث، ولله الحمد زرنا مناطق كثيرة في ربوع الوطن الحبيب، شرقه وغربه، شماله وجنوبه ووسطه، كما أن البرنامج صار ينفذ مشاريعه في الولايات عن طريق الجمعيات الفاعلة في كل ولاية.
ماهي أهم الدروس والمواقف التي تعلمتها خلال هذه المدة مع البرنامج؟
-الحياة كلها دروس وعبر، لكن الدروس التي نتعلمها بسرعة هي تلك المرتبط بكثرة التجارب، وقوة القصص التي نحتك بها، ولعل أهم درس يمكن ترسيخه في كل مرة نسجل فيها البرنامج، هو ذلك المتعلق بالإيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى في تغيير حال فقير من فقر واحتياج، إلى اكتفاء ورخاء، فمعظم القصص التي نرويها للمشاهدين يتغير وضعها، وحين نسألها عن فقدان أملها في الاكتفاء أو العلاج، تجيبك فقدنا الأمل في العباد ولم نفقده في رب العباد، والله سبحانه لا يخيب عبدا دعاه.
ترى ما هي الحالات التي تستعطف قلوب الجزائريين وتحركهم نحو البذل والعطاء؟
-بحكم تجربتنا في بث القصص للجمهور الواسع، ترسخ لدينا أن الشعب الجزائري شعب سخي ومعطاء وفيه صفات الشهامة والرجولة، ولم يخيب أملنا في أي حالة مرت معنا في البرنامج، لكنه يتعاطف أكثر مع الأطفال المرضى الذين يعانون من الفقر أو من مشاكل صحية، ومع الرجل المقهور الذي تنزل دمعته حتى وإن لم يقل شيئا، ومع المرأة المكافحة التي تفقد المُعيل، فتقوم مقاومة للفقر والعوز وتحتوي أبناءها، هذه الحالات تجد التعاطف الكبير من المشاهدين، ويقفون معها حتى يتغيّر وضعها من سيء لأحسن.
أنشأتم مؤسسة الشروق الخيرية. كيف ترون مردودها في الواقع؟
-بعد سنوات من تجربة العمل في مجال الإعلام الخيري والإنساني، كان لابد من تنظيم أكبر وصناعة إستراتيجية تُبنى على اتساع مجال عملنا الذي وصل لكل ولايات الوطن، تم فيها ربط شبكة علاقات مع مئات الجمعيات الخيرية التي تقاسمنا الأهداف والمبادئ، ولذلك جاءت فكرة تأسيس مؤسسة الشروق الخيرية، التي سهلت العمل، وكانت الرابط بين المحسنين ومشاريع البرنامج.


وقفتم على تضامن الجزائريين وتلاحمهم، من أين يستمد الجزائريون هذه الخصال والشيم؟
– الشعب الجزائري شعب فريد من نوعه، لا تكاد تجد شعبا يجمع بين السخاء والبذل وبين الأنفة والرجولة التي ترفض أن ترى ابن البلد يعيش هموم الفقر والبؤس ولا يتحرك، وكل المحسنين الذين التقيناهم يطلبون الدعاء بأن يقبل الله صدقاتهم واحسانهم، ويردون تعلقهم بالخير لتلقيهم تربية صحيحة مرتبطة بتعاليم الاسلام السمح.
ماهي الوسائل والوسائط التي تسمح لكم بالوصول إلى المساهمين والمتبرعين؟
-الوسيلة الوحيدة التي نصل بها لكل الذين يساهمون معنا في البرنامج هي الشاشة، حيث نقدم وضعية العائلات التي تمر معنا للمشاهد، ونحثه على البذل والعطاء، ونترك له حرية اختيار العائلة التي يريد مساعدتها، وشكل المساعدة ونوعها.
هل يتفاعل أبناء الجالية الجزائرية مع البرنامج ومشاريعه الخيرية؟
– أود بداية أن أقدم تحية كبيرة لجاليتنا الموجودة بالخارج، التي كانت من أكبر المتضررين من انتشار وباء كورونا، والتي منعها توقف حركة الطيران عن زيارة الوطن، وهي أكبر الفئات مشاهدة وتفاعلا مع البرنامج، وارتباطهم بالوطن وأبناء الوطن وثيقة، تجلت في وقوفهم مع حالات كثيرة مرت عبر البرنامج.
هناك موقف ربما لن تنساه ولا يمكن أن يفارق مخيلتك. أين ولماذا؟
-كثيرة هي تلك المواقف التي بقيت عالقة في مخيلتي، وعلى كل الأسئلة المشابهة، أجيب أن أكثر المواقف تأثيراً هي تلك التي تتعلق بالأطفال اليتامى المرضى أو المحتاجين، حيث أني أرى فيهم صباي، فقد عشت يتيم الوالدين رحمهما الله وتغمدهما برحمته الواسعة، فقدت والدي قبل أن أولد بأسبوع ثم فقدت والدتي بعده بسنوات رحمهما الله، وأتذكر معاناتي ومعاناة عائلتي الصغيرة مع الفقر واليتم والمرض، لذلك كل طفل محروم أرى فيه طفولتي، وتأثري بهذه الفئة كبير.
يعرف البرنامج بكثرة طلبات المرضى والمحتاجين، هل تمكنتم من متابعة كل الطلبات؟
– تصلنا مئات النداءات عبر الهاتف والايمايل، وعبر الاستمارة الالكترونية المخصصة لاستقبال طلبات المرور في البرنامج، ونعمل على قراءة كل الطلبات التي تصلنا بالتفصيل ونرتبها حسب نسبة تغير حالها، فلا يمكن أن نمرر مريضا ميأوسا من مرضه، وأيضا حسب استعجالها، ولا يفوتني أن أذكر هنا أن الهدف الرئيس للبرنامج هو المساهمة في بث روح التضامن بين الجزائريين، ونشر الامل بينهم، ورغم أن الطلبات كثيرة جدا وعدد من يمرون في البرنامج قليل جدا مقارنة بما يصلنا، إلا أننا بتوفيق من الله وعن طريق المحسنين فرجنا كربا كثيرة وجمعنا شمل عائلات واعدنا ولله الحمد الأمل في نفوس المئات.
صادفت خلال هذه السنوات جمعيات ومؤسسات خيرية نموذجية، من هي وما هو سر قوتها؟
-نخصص مساحة مهمة للجمعيات العاملة في الميدان، فقد خصصنا ركنا أسميناه بصمة خير، نعرف بالجمعيات ونشجعها، ونبين عملها وانجازاتها للجمهور، منها من يمتلك الخبرة الطويلة، ومنها ما تم تأسيسه مؤخرا خاصة مع اجتياح جائحة كورونا، أما عن سؤالك فأعتقد أن اخلاص العمل لله عز وجل، وبناء العمل على أساس منظم برؤية واضحة وموحدة، هو سر قوة كل جمعية.
ما هي أهم العوائق والصعوبات التي تواجه الفاعلين في المجال الخيري والتطوعي في بلادنا؟
-الفاعلون في المجال الخيري كثيرون في مجتمعنا، منهم من يعمل بشكل فردي، ومنهم من يؤسس فضاءات يلتقي فيها مع من يشاركه الهدف والمبدأ، وخلال العمل تعترض الفاعلين عوائق كثيرة، يمكن أن الخصهما في أمرين إثنين، أحدهما يتعلق بالمشاكل القانونية كالقانون الذي يمنع الجمعية من الاستثمار وخلق مصادر دخل، والثاني داخلي، يتمثل في ما يمكن أن يعترض أفراد الجمعية من مشاكل في تداخل الصلاحيات وعدم توحد الرؤية بين الأفراد، يضطر بعضهم لتأسيس فضاءات أخرى أو التوقف عن العمل الجمعوي.
كيف يمكننا أن نستثمر في هذا المجال للخروج بالمحتاجين من دائرة الفقر إلى تحقيق الدخل المناسب؟
-الأصل في الإنسان المسلم أن يكون منتجا مكتفيا، لكن قد تعتريه بعض الظروف التي تأخذه لدائرة الاحتياج، فيعش حياة ضنكا بسبب مرض أصابه أو فاقة اعترته، هؤلاء يجب أن يقف معهم المجتمع والدولة، وتشد على أيديهم حتى يعودوا لما يجب أن يكونوا عليه، لكن للأسف هناك من يتلبس ثوب الفقر حتى يحصّل مدخولا، لذلك أعتقد أن عدد الفقراء والمحتاجين في الجزائر قليل مقارنة بما قد نعتقده، والخروج بهم من دائرة الفقر يكون بتعليمهم مهنا وحرفا تتناسب مع وضع كل فرد وثم الدفع بهم للسوق سواء كعمال أو أصحاب مشاريع.
رسالتك للوصاية وكذا الجمعيات الخيرية في ختام هذا الحوار
– تبنى الأمم على قطاعات ثلاث، عام وخاص، ومجتمع مدني قوي، فالمسؤولية ملقاة على عاتق المجتمع المدني في سد الثغرات التي تتركها المؤسسات الرسمية في التكفل بالمحتاجين ماديا وثقافيا وعلميا، وتهيئة المحيط وغيرها، ومطلوب منه الانتظام والتنسيق أكثر، ومطلوب من اللمؤسسات الرسمية دعم أكثر للجمعيات الفاعلة، في تسهيل عمله بسن قوانين مساعدة، ودعم مادي ومعنوي اكثر، وبحول الله نعيش لنرى دولة تحتضن المجتمع المدني وتوفر له كل الامكانيات والقوانين المناسبة، ونرى مجتمعا مدنياً مسؤولًا شاعراً بدوره في بناء الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com