ملف

الإنسان وحقوق الإنسان – من الميثاق إلى الواقع-

أ.د .نورة بوحناش/

 

مقدمة -حقوق الإنسان ومركزية الإنسان -: لقد عمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على تغيير وإعادة تشكيل العلاقة بين الذات، الفكر والواقع مؤسسا التفكير في الإنسان،ككائن بذاته مجرد عن معتقده ومذهبه وإقليمه، ككائن له حقوق طبيعية من حقه أن يعيشها ويمارسها،بكل حرية وكرامة. إلا أن الحفر في أركيولوجيا فلسفة حقوق الإنسان، يبين أنها بنية غربية خالصة، نتجت عن الصيرورة التاريخية للمجتمعات الغربية، في علاقتها بمعتقدها التثليثي، نقدا وتجاوزا لوضع معرفي ومجتمعي ساد في العصور الوسطى. بمعنى أن إنسان حقوق الإنسان هو عينه الإنسان الغربي في جدله مع الكنيسة، ويكون تعميمه نيلا من حق الإختلاف الذي يميز البشر الذين يحيون ظرفا ثقافيا مختلفا.

على الرغم من أن تاريخ الحضارة الإنسانية لم يكن ليخلو من حقوق للإنسان، تواكب دائما التطور الثقافي لشعوب الأرض، إلاّ أنّ العصر الحديث أولى البناء المرجعي لحقوق الإنسان إلى الحضارة الغربية، فلم تكن هذه الحقوق إلا انبثاقا عن عقل الأنوار حيث تمّ فصل الإنسان عن كلّ مرجعية تحكمية، وعلى رأسها المؤسسة الدينية التي أهدرت حقوق الإنسان في إطار نسق ديني تسلطي يتميز باللاتسامح. وإذن يكون مفهوم الحق الطبيعي، مفهوما مرتبطا بالنقد الإنساني للدين بوصفه عين الثورة على الكنيسة، في الحين نفسه تمّ إحياء للفلسفة اليونانية التي تعني مرجعية وثنية تتعدد فيها الآلهة.
الحاصل أن ميثاق حقوق الإنسان صيرورة حتمية للانفصالات التي حصلها الإنسان الغربي الحديث، ولا غرو أن هذه الانفصالات تعد نتيجة لمبنى العقيدة الدينية القائمة على التثليث وسيادة الإله الإنسان، ولذلك عمل فلاسفة النهضة على إعادة القيمة للإنسان نفيا لممثلي هذا الإله عبر الثورة على المؤسسة الدينية، لتكون الحقوق حقوقا إنسانية خالصة لا دخل فيها للإله في الخصوصية الإنسانية، أو بتعبير تاريخي أدق لا تدخل للكنيسة في شأن الإنسان.
في سياق تحرير الإنسان من السلطة الفوقية بتعدد أشكالها، ستنتهي الكانطية إلى اعتبار العقل، الرشد والحرية ثلاثية قمينة بتخليص الإنسان من ظلم المؤسسة سواء المؤسسة الدينية أو المؤسسة السياسية، ممدة الانسان بالحرية وستكون الحقوق بوجه عام، مرتبطة بعقل فصل الميثاق مع الإله، لذلك يعيد كانط الحق إلى الشخص الإنساني فهو المشرع عبر إرادته الخيرة التي لا تتأثر بأية قرارات مرجعية، ولن تعقد الصلة بالإله إلا بوصفه بداهة يؤمن بها الإنسان، دون يقين من دليل التجربة أو العقل، هنا سيتكفل الشخص الإنساني الذي أولاه كانط بحظوة الصفات الإلهية بالتشريع للإنسانية بوصفه ذاتا مطلقة، وعلامة هذه الميزة هي قواعد الواجب التي تميز الروح الإنسانية بضرب من الألوهية الفائقة، بل وقدرة على تجاوز الإنسانية في حد ذاتها.لقد ألف مفهوم الشخص الكوني عند كانط، السياق المرجعي لميثاق حقوق الإنسان، كما تكون ذاته هي مصدر كل تشريع وهو غاية في حد ذاته،وهكذا ربط الإنسان ميثاقا مع ذاته لتكون هي معيار الحقوق بوجه عام.
يرتكز ميثاق الإعلان على حقوق الإنسان على مبدإ الحرية والديمقراطية، لذا سيكون بيان الحقوق شديد الصلة بالإنسان المنفصل عن كل ميثاق قبلي، من هنا يستبعد الدين من مساحات هذا الميثاق، فما يحكم على الحق هو الذات الإنسانية التي بحثت عن قاعدة متينة للحقوق، فوجدتها في طبيعتها الأصلية المنفصلة عن كل قرار قبلي، وهو ما يصطلح عليه فلاسفة الأنوار بالحالة الطبيعية، وهي حالة يكون فيها وضع الإنسان وضعا غفلا أي أن ما يعثر عليه الإنسان هو مجموع القوانين الطبيعية، والحقوق الأصلية التي تميز البشر بدون وجود ميثاق بعدي لهذه الطبيعة، وهو الميثاق الذي يربط الإنسان بمصادر أخرى للقوانين والحقوق منها الدين والمجتمع.
بهذا تكون الفردية هي المنبت الأصل لحقوق الإنسان، هي فردية تركز على ذاتيتها ولكن طبيعتها تتواصل مع الاخرى باعتبار وحدة هذه الطبيعة. كما أن الحرية هي الميزة الأولى التي تختص بها هذه الذات الإنسانية، لتحتضن بعد ذلك كل الحقوق الأخرى فهي تعد الأصل الذي ترتكز عليه كل الحقوق.
وتثير طبيعة الحرية في فلسفة حقوق الإنسان مجموع أسئلة،حول حدودها ودورها في تسيير الحقوق. فهل تمتلك الحرية -بوصفها الحق الأساس لحقوق الإنسان – حدودا؟ ما مدى تحقيقها لكرامة الإنسان؟ خاصة أن مفهوم الحرية يتميز بالازدواجية بل والكيل بمكيالين، هذا ما يلاحظ في تعامل الدول الكبرى مع شعوب العالم الثالث فما يطبق على المجتمعات المتقدمة لا يمكن تطبيقه على المجتمعات الموصوفة بالتخلف أو عوالم الهامش، والأمثلة على ذلك كثيرة منها تعامل العالم الغربي مع القضية الفلسطينية، وما قامت به فرنسا في الجزائر أثناء الثورة التحريرية، وهي مرحلة سادت فيها مواثيق حقوق الإنسان، ففي تلك الفترة أخذ العالم يكرر بنود هذه الحقوق، لكن فرنسا تجاهلت هذه المواثيق وهذه البنود وارتكبت في الجزائر المستعمرة جرائم ضد الإنسانية، كما تستخدم هذه الدولة اليوم سلطتها الاستعمارية، لنهب ثروات مستعمراتها القديمة فتعمل على إثارة النعرات ولا أدل على ذلك ما قامت به فرنسا دولة الحريات وحقوق الإنسان من دور في الجرائم الإنسانية التي حدثت في روندا، وما تثيره اليوم من نعرات عرقية ودينية ضد الإسلام والحرب الظالمة التي تؤديها في الساحل وليبيا.فهل يمكن اعتبار ميثاق حقوق الإنسان ميثاقا إنسانيا يحافظ على الحقوق على الرغم من المتغيرات السياسية والمصلحية بوجه عام؟ أم انه آلية تستخدمها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية للسيطرة على العالم؟.
يرتكز ميثاق حقوق الإنسان على مفهوم الحق الطبيعي، وهو حق إنساني أصلي مهيكل ضمن الإطار العام للطبيعة البشرية قبل كل ميثاق. أما عن مصدر الحق الطبيعي فهو القانون الإنساني الموكول إلى هذه الطبيعة البشرية. فهل هو العقل؟ أم هو الهوى؟ أهي فطرة أولى يستشعر فيها الإنسان وجود لوائح منسوخة في ضميره؟ لقد ذهب ميثاق حقوق الإنسان إلى استجماع مبادئ كونية، رأى فيها الإنسان الحديث مبادئ شاملة تتجاوز بالإنسان من لاتسامح الأديان والعرقيات إلى تسامح فسيح يجمع البشرية، لكن هل حققت هذه المبادئ ما كان يصبو إليه فلاسفة الأنوار؟.
عودا على بدإ، نقول إن تصورات الحق تتجاوز كل مصدر بعدي وتتركز على الرصيد الطبيعي لما اصطلح عليه فلاسفة العقد الاجتماعي المرحلة الطبيعة، التي تعد وضعية إنسانية افتراضية، يعتبرها هؤلاء الفلاسفة مرحلة أولية يكون فيها البشر كلهم أحرارا ومتساوين، وإنهم كذلك بما أنه لا يوجد فرد من الأفراد يمارس سلطته على الجماعة، فلا وجود لتراتبية هرمية في بنية النسيج الإنساني إنما هناك مساواة، وسيعتبر هوبز هذه المرحلة مرحلة حرب الكل ضد الكل، بما أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ولذلك فهو بحاجة إلى سلطة تنظم حياته القائمة على العنف، وهنا يرى هوبز ضرورة تنازل الكل عن الحقوق لجهة قوية تحميهم من عنف المرحلة الطبيعية حيث تسير قوانين الطبيعية الفطرية الحياة الإنسانية المبنية على الشر. أما روسو فإنه يرى أن المرحلة الطبيعية هي مرحلة خيرة، ولأن الوجود الاجتماعي ضروري للإنسان فلا بد من إرادة عامة تتكفل بحماية الجميع، ففي بنية هذه الطبيعة توجد حقوق كونية تميز الإنسان، وتعد الحرية عند روسو رأس الحقوق.
هكذا تكون حقوق الإنسان مفهوما منبثقا، عن النضال الغربي ضد الاضطهاد الديني والسياسي الذي عاشته أوروبا، وهي من ثمة تتويج عن الحراك التاريخي في الغرب كما وأن هذه الحقوق قد نمت في إطار الصراع الكوني الذي انبثق عن روح الحداثة الغربية، ونعني بها الحركة الذاتية للكوجيتو الغربي ذلك أن “أنا أفكر إذن أنا موجود” هي انطلاق من الذات ضد القانون الإلهي، الذي تمثله سيادة الكنيسة على الذات الإنساني. وعلى الرغم من أن ديكارت كان مؤمنا بالإله إلا أن الكوجيتو يعد تحررا من كل قرارات تأتي من خارج الذات بل سيكون الحاكم هو العقل، وبالتالي فهو مصدر التفكير والتشريع. وهكذا كانت الانطلاقة الأولى للحداثة انفصالا عن الميثاق الإلهي، وبناء ميثاق الطبيعة الإنسانية لتكون حاكمة على الإنسان من هنا صدرت اللوائح المتواصلة لحقوق الإنسان وتكاثرت الحقوق بتكثير رغبات الطبيعة البشرية.
وإذن كانت حقوق الإنسان ضد الحقوق التي يفرضها القانون الإلهي، فبعد الثورة الإنسانية التي شهدها عصر النهضة أصبح الإلهي نقيضا للإنساني بل وعدوا له. وعليه فإن التشريع للحقوق سيكون مصدره الإنسان الذي يرفض الميثاقية الإلهية فما كان إلا أن ارتبطت حقوق الإنسان بسياسة علمانية بل بسياسة ملحدة تنفر من كل بعد روحاني.
وعموما فإن فلسفة حقوق الإنسان ارتبطت ارتباطا كليا بالنضال ضد اللاتسامح الديني، وبالتالي تحرير الوعي الإنساني من هيمنة الإكلروس، وانتهت إلى الارتباط بنوع من الديانة العلمانية تحارب كل أشكال الميثاقية الإلهية على الرغم من إقرارها بحرية التدين، إلاّ أنّها في وضع الممارسة تبدو مقصية للحق في الاختلاف الديني، وهذا ما يجري هذه الأيام في فرنسا إذ أقيمت حرب شعواء ضد الإسلام والمسلمين، بالنظر إلى عدم انسجام الإسلام مع السلوكات التي تفرضها الحداثة بوصفها إنفصالا عن الميثاق الإلهي ليغدو الإسلام مفهوما مرادفا للإرهاب.
تعني الحرية التي تتصدر الحقوق الإنسانية نسيجا مجاوزا للغايات الإنسانية الأخلاقية، حتى وإن تجاوزت الفطر البشرية فباسم حرية الضمير يجري التشريع للشذوذ ولتقنين يخالف الفطر السليمة مثل الموت الرحيم وكراء الأرحام لقد تخطت هذه الحرية كل الموازين الفطرية ورمت بالإنسان إلى مساحات لا تقبل أخلاقيا، بهذا نجد أنه في الظرف الإنساني لحقوق الإنسان يجري التشريع لمبادئ جديدة تتجه إلى تغيير طبيعة الإنسان، في إطار منظومة تقنية لم تحتد بحدود أخلاقية. فهل تتناقض الحرية كحق إنساني مع القيم الأخلاقية؟
ترتكز -سبرا لتاريخية حقوق الإنسان – على مفهوم الإنسان الكوني إنسان منزوع من سياقاته التاريخية والثقافية، وعند التدقيق في طبيعته نجد أنه سياق تاريخي غربي تم بناء ذاتيته الكونية منذ بداية النهضة الأوروبية، إنه الإنسان الذي أراد فك ميثاق إلهي مثلته الكنيسة في حربها على المختلف وفي نزعتها التزمتية اللامتسامحة، فلا مناص من الخروج بالإنسان من سيطرة السلطة الدينية التي تتصرف في السلطة السياسية، ولذلك كان مفهوم الإنسان الجديد مستقى من رؤية سفسطائية، إذ الإنسان هو معيار الأشياء جميعا، ومن ثمة تمت استثارة الطبيعة البشرية لتكون هي المنشأ لكل تفسير ولكل تشريع.
ولقد ارتكز مفهوم فلاسفة عصر الأنوار عن الإنسان انطلاقا من اعتبار الإنسان معيار الأشياء جميعا، فلا وجود لقدرة تتصرف فيه إنه حر انطلاقا من ذاته كما يفعل انطلاقا من القوانين الطبيعية التي يسشتعرها في ذاته. وهكذا تم تعويض الإنسان الموصول بالإله بإنسان منفصل عنه وتم تعويض الميثاق الذي وكل به الإنسان بميثاق الطبيعة البشرية. والحق أن هذا التغير يؤول إلى طبيعة العقيدة المسيحية القائمة على التثليث، وإلى ممارسات الكنيسة التي تعد في حد ذاتها جرائم ضد الإنسانية، مثل حرق العلماء الذين نعتوا بالمهرطقين وقانون حرق الساحرات ثم كل معارض للكنيسة هو مارق وحق عقابه، كما لم تكن الكنيسة لتقبل الاختلاف في الدين، لذا نصبت محاكم التفتيش لمقاضاة المسلمين الباقين في الأندلس فتم التنكيل بهم أيما تنكيل.
تقوم الحالة الطبيعية التي تخيلها فلاسفة العقد الاجتماعي، على افتراض المساواة المطلقة بين الأفراد، وهي عينها الحالة الطبيعية التي يتميز فيها الفرد الإنساني، حيث تسود الحرية والمساواة بين الحقوق الطبيعية، في هذه الحالة توجد حرية للجميع،لكن بعد التعاقد لاحظ الكثير أن هذه الوضعية الافتراضية تعني أن الجميع عليه الرضوخ للمعايير التي تمثلها الدولة على قاعدة عقد اجتماعي أساسه المحافظة على الحقوق الحيوية التي ستتحول إلى حقوق سياسية.
يعد ميثاق حقوق الإنسان الذي تم إعلانه في سنة 1948، صيرورة فكرية للفلسفة الأنوارية التي خرجت من الإطار الأكاديمي لتكون إطارا نقديا مجتمعيا وسياسيا، ثم إعيد بناؤها بعد الجرائم التي ارتكبتها النازية في الحرب العالمية الثانية ليكون إطارها المرجعي مفاهيم الكونية الكانطية، فتم تصور إنسان كوني ولكن هو عينه الإنسان الغربي الذي عمم ثقافة خاصة تتسم بالعقلانية المجردة، لكن هل يوجد إنسان كوني؟ أم أن الإنسان يكون حيا إذا ارتبط بالتقاليد، وهي أسئلة طرحها كلود ليفي ستروس معلنا قوله: “لقد كانت هذه الصرخة على شكل إعلانات ومواثيق تنسى حقيقة أن الإنسان لايحقق طبيعته في إنسانية مجردة ولكن في ثقافات تقليدية حيث تكون التبدلات أكثر ثورية” إذن هناك اختلاف مرجعي بين الإنسانيات في التكفل بمفاهيم حقوق الإنسان، وأن ما تم تعميمه هي حقوق الإنسان المنبثقة في الغرب.
ولقد وضعت عدة تعاريف لحقوق الإنسان في نهاية القرن العشرين إذ يعرفها ريني كاسان الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة 1968 على أساس أنه”علم حقوق الإنسان هو فرع خاص في فروع للعلوم الاجتماعية وهو دراسة العلاقات القائمة بين الأشخاص وفق الكرامة الإنسانية، مع تحديد الخيارات الضرورية لتفتح شخصية كل كائن إنساني” ويرى هذا التعريف بأنه من الواجب قيام علم جديد يتناول حقوق الإنسان كموضوع له، أما عن معيار العلم فهو تخريج الكرامة الإنسانية.
وفي سنة 1973 وضعت مجموعة من الباحثين وعلى رأسهم كارل فاساك Karl Vasak تعريفا يرى أن “حقوق الإنسان هو علم يهم كل شخص ولاسيما الإنسان العامل الذي يعيش في إطار دولة معينة، والذي إذا ما كان هناك خرق للقانون أو كان ضحية حالة حرب،يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وأن تكون حقوقه وخاصة الحق في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام “لذلك يكون الإنسان العامل هو المخاطب الأول وفق هذا المنظور وأن مبدأ المساواة الذي ينص عليه القانون هو الذي يأخذ الأولوية. لكن هل كان لهذا المفهوم مصداقية في المجال التطبيقي لقد تحول ميثاق حقوق الإنسان، إلى بيان للتدخل في شؤون الدول، وهو ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الدفاع عن الديمقراطية ونشر حقوق الإنسان، بل إن انتهاكات هذه الدولة لا تعد ولا تحصى كما أن ميثاق حقوق الإنسان تحول بالنسبة لها إلى مفتاح لاختراق الحقوق، إذن تبقى المحافظة على كرامة الإنسان مجرد شعار مثالي له صبغة كانطية لا يؤثر في الواقع.
وفي عام 1976 سيعرف أيف مايو في كتابه حقوق الإنسان والحريات العامة حقوق الإنسان، قائلا: “موضوع حقوق الإنسان هو دراسة الحقوق الشخصية المعترف بها وطنيا ودوليا، والتي هي في ظل حضارة معينة تضمن للجميع تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة المحافظة على النظام العام” يبقى هذا المفهوم مفهوما مثاليا قائما على التنظير، أما مجال التطبيق فتتصرف فيها المصالح الكبرى للدول المتقدمة في علاقتها بإنسان الهامش.
إنّ التعاريف السابقة الذكر تعترف بأن حقوق الإنسان تقوم ضمن المنظور الحديث للحقوق والقانون، وتفترض وجود دولة حديثة ونظاما ديمقراطيا سواء في جمهورية أو دولة ملكية كإنجليترا، وهو نظام يكفل الحريات، الكرامة، المساواة والعدالة للمواطنين جميعهم، لكن هل تركت الدول الكبرى مجالا للدول المتخلفة الضعيفة لبناء أنظمة ديمقراطية لننظر إلى مصير الربيع العربي، وكيف تم تخريب جهود بناء الأنظمة السياسية على الديمقراطية، مثال ذلك الجزائر في التسعينات ومصر بعد حدوث الانقلاب.
أما ليفا ليفين فقد حاولت أن ترى الموضوع من زاوية أخرى فمفهوم حقوق الإنسان له معنيان أساسيان هما: الأول: هو أن الإنسان المجرد، له حقوق ثابتة طبيعية وهذه الحقوق هي الحقوق المعنوية، النابعة من إنسانية كل كائن بشري وتستهدف ضمان كرامته.
الثاني: الخاص بالحقوق القانونية، التي أنشئت طبقا لعمليات سن القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية على حد سواء، تستند هذه الحقوق على رضا المحكومين،أي رضا أصحاب هذه الحقوق وليس النظام الطبيعي كما هو قائم في المعنى الأول.
وعموما تعرف حقوق الإنسان ضمن حالة الطبيعة وهي حالة الحرية والمساواة التي يكون عليها النّاس قبل أن تقوم فيها سلطة تحد من حقهم في ممارستها. اما حقوق الإنسان وفق الناحية القانونية فتعرف على أنها حصيلة مكتسبة من خلال كفاح إنساني، عبر تاريخ طويل ويكون خطها البياني صاعدا مع تطور الأوضاع السياسية والاجتماعية للإنسان.
تعد الحرية قيمة كبرى ومبدأ أساسيا في ميثاق حقوق الإنسان، ولقد ناضل فلاسفة العقد الاجتماعي لإثبات الحق في الحرية لتكون منطلقا لكل المبادئ الأخرى، ثم تمكن هؤلاء من بناء أسس هذه الحرية في الوضعية السياسية، حفاظا عليها كإطار عام ينظم العلاقة بين السلطة والإنسان.
وتطرح طبيعة الحرية سؤالا جذريا . هل الحرية الطبيعية هي نفسها الحرية السياسية؟ إذ يجب التفريق بين حقوق الإنسان والحريات العامة، فقد جرى تداولهما وكانهما يدلان على معنى أو مفهوم واحد، على الرغم من أن هناك فارقا نوعيا بين كل من هذين المفهومين، فحقوق الإنسان حسبما وجدنا في التعريف لصيقة بحقوق الإنسان الطبيعية، والتي تظل موجودة وإن لم يتم الاعتراف بها بل أكثر من ذلك حتى ولو انتهكت من قبل سلطة ما.
أما الحريات العامة فهي مقيدة دائما بنظام سياسي واجتماعي واقتصادي سائد في كل دولة. فهي بالتعريف القدرة المكرسة بموجب القوانين الوضعية للسيطرة على الذات والتحكم فيها، فالعلاقة إذن وثيقة بين الحريات العامة والدولة، وبالتالي فإنه لايمكن الحديث عن الحريات العامة ولا تصور وجودها إلا في إطار نظام قانوني محدد وهذه النقطة بالذات هي نقطة التميز الأساسية بين الحريات العامة من جهة وحقوق الإنسان من جهة أخرى، فهل ستحافظ على الحرية الطبيعية ضمن الإطار العام للحرية السياسية؟ بمعنى هل يمكن المحافظة على الحقوق الطبيعية للإنسان في القانون الدستوري؟ وإلى أي مدى يمكن أن تضمن الدولة المحافظة على حقوق الإنسان في الإطار السياسي في دولة ما معطاة؟ هل تتفق القوانين المنصوصة مع حقوق الإنسان الطبيعية؟ هل تضمن هذه الحقوق رعاية حقوق الإنسان؟ يؤكد الانبثاق الأول لحقوق الإنسان على ضرورة المحافظة على الفضاء الخاص للفرد، إلاّ أنّ فضاء الحرية يمكن أن ينتهك من قبل الدولة والنّظام السياسي الذي يحدد أيديولوجيا ما لاتمام غاياته، وهنا تتناقض الحرية بين فضائها الطبيعي وفضائها السياسي لأنّها ستكون محدودة بالحريات.
وبهذا تحمل فلسفة حقوق الإنسان منذ البدء مفارقة، فحقوق الإنسان تعني القواعد الأدنى التي يجب أن تحترم من قبل الحكام والمحكومين، من أجل حياة كريمة جديرة بهذا الاسم لتكون ممكنة ضامنة للكرامة. ويبدو أن هذا يعبر عن معضلة فلسفية، تتمثل في الصراع بين الحقوق في المجال الخاص والمجال العام أي الاجتماعي والاقتصادي، وتبدو الحياة الخاصة على انها فضاء خاص يسير عكس القوانين التي تفرضها الدولة وفي الوقت نفسه يبدو أيضا أن هذا الفضاء بحاجة إلى الدولة لتدافع عنه ضد انتهاكات الآخرين.
ويبدو أن هذا الصراع سيحتد مع الجيل الثاني لحقوق الإنسان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالأمر يتعلق بصراع بين الفردي والسياسي، إذ تتجه هذه الحقوق إلى اضعاف الدولة فإذا لم يتم إحداث موازنة بين هاتين القوتين القوة الفردية ثم القوة السياسة، فلا يمكن إذن القيام بالدفاع عن حقوق الإنسان، ذلك أنها تتطلب تفكيرا دقيقا فهي معركة للحريات.
كما يمكن اعتبار حقوق الإنسان كشرعنة للسلطة السياسية في تحكمها في الإنسان، ذلك أن تأسيس حقوق الإنسان قد انبثق خاصة في الإعلان الفرنسي والأمريكي، على أنّها حماية سياسية للحقوق الطبيعية للإنسان بعدما تم اقتطاعها من الكنسية في ظلّ العلمانية، ولعلّ مثل هذا الاقتطاع سيؤدي إلى ظهور طبقة سياسية جديدة، تعمل على بناء منظومة قانونية تخدم مصالحها لذلك تترافق حقوق الإنسان مع الأنظمة الليبرالية والديمقراطية.
إنّ الحقوق الطبيعية التي يبدو أنها حقوق سياسية في المرحلة السياسية قد تم الاتفاق حولها، بواسطة الدولة التي أصبحت لها الحق في تسيير هذه الحقوق. الحاصل يبدو أن الدولة الحديثة هي دولة عقد اجتماعي لم يوجد إطلاقا أما النتائج فهي نفسها لأنّ الإنسان يحيا تحت ضغط القوانين السياسية، التي كانت فعلا في يد الكنيسة واليوم هي في يد السلطة العلمانية. وهكذا تبدو الحالة السياسية على انها اغتصاب للحالة الطبيعية فقد تقوم الدولة بفرض قوانين على الأغلبية البرلمانية، وهي بهذا الفرض قد قامت باغتصاب الحق الطبيعي عبر الحق الوضعي الذي تمتلكه السلطة الشرعية.
وتطرح في هذه المفارقة قضية الصلة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، هل هناك توافق بينهما؟ إلى أي مدى يستطيع الإنسان الحفاظ على حقوقه عبر الديمقراطية؟ ألا تعمل الديمقراطية على إعطاء البعض الحقوق والإقرار بحريتهم بينما تؤدي آلية النظام الديمقراطي إلى حرمان الباقي من تحقيق المطالب عبر الحرية، ويبدو أن الإنسان الذي تحقق بحقوقه الطبيعية يكون ضعيفا ومحدودا في وضعيته السياسية، وبالتالي فهو مضطر إلى التنازل عن جزء من حقوقه بغية حمايته إلى جهة هي الدولة. ولكن أليست هذه الدولة هي مجموعة من الرجال الذين يصابون هم أيضا بالضعف، فالمحكومون سيضطرون للخضوع إلى قوانين هذه الدولة التي تبدو على أنها في كثير من الأحيان تتناقض مع حقوق الإنسان، وهنا تتحدد حقوق الإنسان بالحقوق السياسية في الدولة. فهناك تنافر بين العقل الفردي والجماعة والإملاءات العليا للأمر السياسي، هذه العلاقات تبدو متناقضة مع حقوق الإنسان.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com