المرأة و الأسرة

ظاهـــرة الطــلاق وارتداداتها على الأســرة والمجتمـع…

أ.أمال السائحي/

 

كثيرا ما نرى أو نسمع في حياتنا اليومية عن تلك المشاكل التي ليس لها أول ولا آخر في الكثير من البيوت، التي تؤدي بها والعياذ بالله إلى الانفصال اللاّرجعي، فيذهب ضحيتها المرأة أولا والرجل ثانيا، وطبعا إذا كان هناك أطفال فهم الخاسر الأكبر… مما يجعل المرء يحاول أن يفهم سبب هذه المشاكل التي تؤدي إلى انهيار الأسرة بهذه السرعة، وبهذه الطريقة، يهدر الميثاق الغليظ بين الأزواج، الذين كانوا يوما ما يتبادون الحب وينعمون بالطمأنينة ببعضهم البعض… وهل هي مشاكل طفيفة، أم مشاكل عويصة، أم هي مشاكل ليس لها حل..

هذا ما نحاول أن نغوص فيه من خلال هذا الروبرتاج لنقدم نظرة للقارئ الكريم عن قضية الطلاق التي نراها في تزايد كبير، فكانت لنا هذه الوقفات فيه مع: الدكتورة رميساء ساسي، الحائزة على دكتوراه في علم النفس العيادي، وهي باحثة أكاديمية، ومع الأستاذ برنوس حسين: أستاذ رياضيات متقاعد، وأمين عام جمعية الترشيد الثقافي والإصلاح الاجتماعي، والمحامية راضية. س..
ومن خلال سؤالنا للدكتورة النفسانية رميساء ساسي عما خبرته هذه السنوات العشر الأخيرة فيما يتعلق بظاهرة الطلاق التي هي في تزايد مستمر، وما تسببه للأسرة، أجابتنا مشكورة موضحة لنا الأسباب والمسببات المتعلقة بهذه الظاهرة، فأرجعت سببها الأول والأهم إلى:
ــ الاختيار وتقصد به اختيار الشريك، كما تطرقت إلى توضيح أن سوء الاختيار له أسبابه، وهو عدم معرفة الذات كفاية أعني بذلك ذات الطرف الآخر، وبالتالي عدم اتضاح معالم الأهداف والغايات في الحياة، فيتم الاختيار بناء على مكاسب مادية بحتة، وإهمال تام للجانب الفكري الانفعالي للطرف الآخر.
أما عن سؤالنا عن الفئة المتضررة من ظاهرة الطلاق فقد ذكرت:
ــ إنها الأسرة بطبيعة الحال، المرأة و الرجل أولا، ولكن الفئة المتضررة أكثر من غيرها، هم الأطفال إن وجدوا.
أما عن سؤالنا عن رأيها حول الحلول التي يمكن أن يقترحها الطبيب النفساني لحالات كهذه: فقد أكدت أنها:
ــ تقوم على شقين:
*أولهما الشق الوقائي: رفع الوعي النفسي عند الفرد في مفهوم العلاقة الزوجية الناجحة وهذا بدورات التأهيل الزواجي، كذلك تزويد الشباب بشروط الاختيار الناجح والسليم.
*الشق العلاجي: محاولة التركيز على بناء شخصية إيجابية بعد الطلاق، تستفيد من الحدث كتجربة، لا كخسارة، وبالتالي نضمن عدم تكرار الأخطاء لاحقا، توفير الاحتياجات الضرورية النفسية للأطفال وتحميل مسؤولية التربية العاطفية للأم والأب، رغم الانفصال، فانتهاء دور الزوجة والزوج لا يعني انتهاء دور الأم والأب…
أما فيما يتعلق بسؤالنا الموجه للأستاذ برنوس حسين، أمين عام جمعية الترشيد الثقافي والإصلاح الاجتماعي، فيما يخص أسباب الطلاق يقول: أسبابها كثيرة ومن أهمها ما يلي:
1- عدم قيام الأسرة والمجتمع بصفة عامة بدورهم في التربية والتنشئة، مما يؤثر لاحقا في عملية النضج الفكري والسلوكي لدى الأزواج، فينشئون وهم غير مؤهلين لتحمل المسؤولية الأسرة.
2- عدم حسن تقدير مسؤولية الزواج وغلبة النظرة المثالية له، فقبل الزواج نجد العبارات الرومانسية بين الشاب والفتاة والتي ما تلبث أن تختفي مباشرة بعد الزواج، حينما يجد الزوجان نفسيهما أمام واقع مليء بالمشاكل والتحديات.
3- مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بصفة عامة في ظاهرة الطلاق، فكثير من الشباب تجده يعيش في أحلام وردية وفي عالم افتراضي، وعليه تكون الصدمات قاتلة حينما ينتقل الزوجان إلى عالم الواقع بكل تناقضاته والذي يتطلب رجاحة عقل وصبرا وتحملا كبيرين.
4- كثير من الأزواج وخاصة الشباب هم ضحية آبائهم، فحينما تنشأ خلافات بين الزوجين- والخلافات الزوجية أمر طبيعي- بل هي توابل الحياة الزوجية إذا عرف الزوجان كيفية التعامل معها.
5- عمل المرأة ربما ساهم بنسبة كبيرة في مشاكل الطلاق- لا أقصد العمل بحد ذاته فهو من حقها والمرأة تساهم مثلها مثل الرجل في بناء المجتمع، وإنما أقصد المشاكل التي تنشأ عن عمل المرأة ومنها:
أ- طبيعة بعض الأعمال كالعمل الإداري مثلا والذي تقضي فيه المرأة يوما كاملا بعيدة عن بيتها مما يؤثر سلبا على تربية الأولاد أولا وعلى العلاقة الزوجية ثانيا.
ب- استقلال المرأة المادي يجعلها ندا لند مع زوجها خاصة إذا لم يحسن الزوج التعامل مع هذه الخصوصية (أخبرني صديق لي أنه استحوذ لسنوات على أجرة زوجته ثم أدرك خطأه وطلب المسامحة). فينشأ صراع بين الزوجين ويتفاقم حتى يتحول إلى أبغض الحلال إلى الله.
ج- كثير من الأزواج بحكم الغيرة الزائدة- ربما – لا يحتمل أو يطيق وجود زوجته في محيط عمل مختلط رجالا ونساء، وخاصة أماكن العمل غير المفتوحة كالإدارات وغيرها…فينشأ عن ذلك عنصر غياب الثقة وما ينجر عنه من مشاكل جمة.
6- الجرائم الأخلاقية من أحد الطرفين خاصة مع التطور التكنولوجي ورواج وسائل التواصل الاجتماعي وأقصد (الهاتف النقال والفايسبوك) بصفة خاصة، وفي ظل غياب الوازع الديني والأخلاقي الأمر يؤدي إلى تفاقم الخلاف بين الزوجين وقد ينتهي بالطلاق.
7- عزوف الكثير من الشباب خاصة في الأرياف عن الدراسة، والتسرب المدرسي في سن مبكر، وبالمقابل تمسك الفتيات بالدراسة والتعلم واجتهادهن في ذلك إلى ما بعد الجامعة، خاصة مع ظاهرة العنوسة في المجتمع الجزائري والإحصائيات تتكلم عن رقم مهول. فيحدث فارق كبير في المستوى التعليمي والثقافي بين الشاب والفتاة (الزوجين). (في مكان مسقط رأسي تزوج فتى لم يدخل المدرسة مع فتاة تملك شهادة جامعية).
8- أحل الله التعدد في الزواج- بالشروط الشرعية – غير أن الكثير من النساء لا تقبل أن تكون لها ضرة خاصة في بعض المناطق من الوطن فتفضل الطلاق على العيش تحت سقف التعدد خاصة في ظلّ الانفتاح الذي يعيشه المجتمع (وفي عائلتي الكبيرة حدث مثل هذا الأمر في ثمانينيات القرن الماضي.
أما سؤالنا عن الفئة العمرية المتضررة فيرى الأستاذ برنوس حسين في تقديريه على الغالب من فئة الشباب بين العشرين والأربعين سنة.
وفيما يخص الناجعة من وجهة نظره يرى أن تكون مشاركة فعالة من عدة أطراف من الأسرة -بالدرجة الأولى – فالمدرسة، فالأئمة ورجال الدعوة والإصلاح ثم المجتمع المدني بصفة عامة.
أما ماذا قدمت جمعية الترشيد الثقافي والإصلاح الاجتماعي والتي هو أمينها العام فيرى أنه إذا استثنى الجانب الاجتماعي التضامني المتمثل في التكفل بالطاقات فإن الجمعية تأمل مستقبلا في تأطير عملية رسكلة أو دورة تأهيلية للأزواج الجدد خاصة يشارك فيها أئمة ودعاة ومصلحون لتقديم خبراتهم للشباب في هذا المضمار..
أما المحامية راضية. س فكان سؤالنا الموجه لها يتعلق بكيفية التعامل مع قضية الطلاق في مكتبها، فأشارت إلى أن كثيرا من قضايا الطلاق التي تستلمها هي قضايا طلاق لأسباب تافهة جدا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن المرأة تطالب الزوج بتوفير السكن الخاص للزوجة، مثلا عدم قدرة الرجل على شراء سيارة، أو مثلا الحالة المادية ليست في المستوى المطلوب، حتى يتسنى للأسرة الذهاب في عطلة مطولة كعطلة آخر السنة الدراسية مثلا، ومن ناحية أخرى فهي ترى كذلك بأن السبب هو عمل المرأة خارج البيت، واسترجالها، وعدم الاعتناء بأبنائها وبيتها كما يجب، هذه كلها أسباب تؤدي إلى مشاكل، وتلك المشاكل تتفاقم إلى أن تصل بالأسرة إلى حالة الطلاق، رغم هذا وذاك تكرر المحامية راضية، أن هذه الأسباب ممكن تجاوزها وحلها لأنها تعتبرها من المشاكل التافهة.
أما سؤالنا عن الفئة العمرية التي تتعامل معها في قضايا الطلاق: تقول المحامية: ليس هناك سن معين ولكن لاحظت أن الزوجين الجديدين، هما اللذان يسرعان إلى ورقة الطلاق، وهم في سن صغير لم يخبروا خبايا الحياة، وتطرقت إلى الظاهرة الجديدة التي تعاني منها المحاكم اليوم، هي ظاهرة كبار السن اللذين أصبحوا يلجئون إلى الطلاق وسط دهشة أبناءهم اللذين هم في سن الزواج في بعض الأحيان…
وعندما تطرقنا إلى السؤال عن الحلول التي يمكن أن يتخذها المحامي قبل أن يفصل في قضية الطلاق، تقول: أن المحامي قبل أن يكون محاميا هو إنسان أولا ويجب أن يكون له دوره الإنساني في حل هذه القضايا الشائكة بين الطرفين، وخلال تطرقها إلى ذكر الحلول التي ينبغي أن يتقدم بها قالت:
ــ عليه أن يقوم بالحوار الجاد مع كلا الطرفين، لتوضيح الكثير من المفاهيم المتعلقة بالحياة الزوجية، فيبين لهما أن الحياة الزوجية ليست مالا فقط، وليست عناء فقط، وليست استهتارا. ثم أضافت قائلة:
ـــ بأنها كانت سعيدة جدا في كثير من قضايا الطلاق، لأنها وفقت في منع حدوثه بالكلمة الطيبة، وذلك بتوضيح الكثير من المفاهيم للزوجين وبيان أن الزواج ميثاق غليظ، لا بد من حمايته من الشرخ الذي سيحدث هزة كبيرة في الأسرة، والذي يتعدى ضرره الزوجين، إلى الأطفال فهم الخاسر الكبير في هذه القضية، بل إن أثره يمتد إلى الأسرة الكبيرة التي ستظل تعاني من هذا الشرخ….
أما بالنسبة للإحصائيات الراصدة لتطور ظاهرة الطلاق، تقول المحامية راضية.
ـــ الظاهرة في تزايد كبير، كانت في السنوات الماضية لا تتجاوز خمسمائة قضية في السنة، بينما نحصي لهذا العام 1173 قضية بمعنى أن في سنة 2020 قد ترتفع لتصل إلى 1300 قضية معروضة على قسم شؤون الأسرة معظمها قضايا طلاق تفوق الآلاف، لأن قسم شؤون الأسرة ينظر في قضايا أخرى كالحجر والرجوع إلى بيت الزوجية ورفع مبلغ النفقة.
وتبقى مخلفات الطلاق تترك آثارها السلبية على المرأة والرجل، وعلى الأطفال كذلك وتمتد هذه الآثار إلى المجتمع بأسره إن لم تجد من يحتويها… نذكر منها ما يلي:
1- تشتت شمل الأسرة، وتفرق الأولاد بين الأب والأم، والصراع حول الحضانة قد لا ينتهي، ومشاكل ضحيتها الأولاد عند الزيارة، تصل لخصومات بين الزوج وأهل مطلقته أو الزوجة وأهل مطلقها بسبب زيارة الأطفال.
2- ما يسمعه هؤلاء الأطفال من كلام جارح عن أبيهم في بيت أمهم، وعن أمهم في بيت أبيهم، مما يتفوه به الأهل؛ فتنكسر قلوبهم، وتتقطع أفئدتهم، ويحملون هموما فوق أعمارهم.
3- ومن مفاسد الطلاق انحراف الأطفال الذين يهربون من المشاكل التي نتجت عن الطلاق إلى المخدرات والانحرافات الأخلاقية.
4- ومن المفاسد أيضا أن الأب قد يضع أبناءه عند زوجة أخرى له، قد نزعت منها الرحمة فتسومهم سوء العذاب، وتكيد لهم ليل نهار. فينمي ذلك في قلب الطفل شعورا بالحقد والكراهية على الوالدين وعلى المجتمع ككل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com