الرئيسية | في رحاب الشريعة | الزوجـــــة الـموظفـــــــــة بين تربيــة الأجيال وهــــدف الـمال

الزوجـــــة الـموظفـــــــــة بين تربيــة الأجيال وهــــدف الـمال

الشيخ محمد مكركب أبران/

الغاية من الزواج وبناء الأسرة، لمن رزقه الله أولادا، هو: تربية الذرية الطيبة ورعاية تنشئتها لاستمرار النسل البشري الطيب على هذه الأرض لتقوم العبودية لله سبحانه، بالأجيال الصالحة، ولتعمر الأرض بالصالحين والصالحات، ويجتاز الناس امتحان الدنيا بسلام ويفوزون بالحياة السعيدة الأبدية في الدار الآخرة في الجنة. هذه هي الغاية من بناء الأسرة، هذه هي الغاية من لقاء رجل ذي رجولة حقا، وامرأة ذي مروءة حقا، يلتقيان بموجب نية خالصة، وعقد شرعي كامل، ورضا كل الأطراف، ليتم التعاون التكاملي بين الزوجين على البر والتقوى، وزواج التقوى ذلك خير.
وأقدس مشروع في حياة الزوجين تربية ولد صالح، بالنسبة لمن رزقهما الله ولدا ذكرا أو أنثى وفي كل خير. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى:49،50) فمن لم يعطه الله الذرية وراح يزرع الخير في الأرض لكل بني الإنسان، ورضي بقدر الله تعالى، كان كل الأولاد أولاده في التربية والإصلاح، فكم من زوجين لم ينجبا ولم يتركا ولدا من صلبهما يدعو لهما بالرحمة، ولكنهما تركا الأجيال كلها تدعو لهما بالرحمة، فليتذكر العقيم هذا، وليرض بما حكم الله وقضى سبحانه وتعالى.
ولكن كلامنا في هذا المقال على من رزقه الله أولادا وقد يهملهم نسيانا، أو عن سوء تخطيط، فتجد الزوجة التي هي أم الأولاد غارقة في الوظائف العامة، تاركة أولادها لمصيرهم، وتظن أن تفوق الأولاد، في العلامة الدراسية فقط،؟ فكلما تحصل الولد على علامة جيدة ظنت الأم أن ولدها بخير أو بنتها، فكم من عشرات البنات كن متفوقات في الدراسة، ولإهمالهن في صغرهن، الإهمال العفوي، إهمال الخطأ، فلما كبرن انحرفن وساء حالهن، وأول سوء تبدأ به البنت المهملة في صغرها من قبل الأبوين، أنها عندما تكبر تخالف رأي والديها ولا تسمع لهما، وتَكْذِبُ عليهما، لأنها تربت على أنها مُهْمَلة، فَتَنْصَبِغُ شخصيتها بالتنكر للجميع، كما تنكروا لها وهي صغيرة، وكانوا يريدون منها النقطة العالية للشهادة الورقية لتتباهى هي وأمها على غيرها،، فلما تكبر ينطبع في ذهنها أنها المهم أن تكون متفوقة في المال والشهرة ولو على حساب العبادة والشرف.
ـ وكلما ذكرت الولد الصالح، وواجب الآباء في تربية الأبناء ألوم نفسي لوم المحاسب على ما قصرنا في تربية الأولاد، ولكن ما لايدرك كله لايترك جله ـ فقد انقلبت الموازين عند الكثير، وغاب هذا الهدف السامي، هدف المشروع المقدس: تربية الولد الصالح، قلت لمن رُزِقَ الولد،. صار هدف كثير، وكثير، من الآباء والأمهات جمع المال، ورفاهية الدنيا، ولو على حساب الأولاد أو حساب الوالدين؟؟!! أي الجري وراء الوسيلة لتضييع الغاية، ولاحول ولا قوة إلا بالله. وجب على الزوجة منذ أن تلد مولودها الأول، أن تعتبر نفسها مسؤولة عن هذه الأمانة، وكذا الأب، ثم الأب، ثم الأب، فيا أيها الأب الذي يهمل الكنز الدائم، ويجري وراء السراب الهائم، ويفضل الزوجة العاملة معه لالشيء إلا لتعينه على جمع المال، والمعاذير عندهما هي قولهما: {الحياة صعبة، والمصروف كثير} والحقيقة هي: التنافس على حطام الدنيا، والمقارنة مع فلان وفلانة، والقليل القليل هم الذين فهموا واستجابوا لنصائح النبي عليه الصلاة والسلام: [انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ – قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ – عَلَيْكُمْ.] (مسلم.2963) قال ابن جرير {هذا حديث جامع لأنواع من الخير لأن الإنسان إذا رأى من فُضِّلَ عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا ما نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه، فشكرها وتواضع وفعل فيه الخير}. الأصل في الحياة الزوجية العمل وفق سنة التكامل، إن الزوج يكمل دور الزوجة، والزوجة تكمل دور الزوج، وإن شئت تعبيرا قل: الزوج يعين الزوجة على إتمام دورها، والزوجة تعين الزوج على إتمام دوره، ودورهما معا: حسن القيام بالعبادة، وحسن تربية الأولاد إن رزقهما الله تعالى الأولاد. الزواج كما تعلمون أيها الشباب: ليس مُتْعَةً جِنْسِيَةً، ولا بِنَاءَ شركةٍ اقتصادية، ولاصُحْبَةً سياحية، الزواج وظيفة تعبدية، ووظيفة عمرانية تربوية ـ وهذا الكلام للمؤمنين والمؤمنات الذين يتبعون الكتاب، ويختارون منهاج الصواب، ويحيون حياة أولي اللباب ـ الزواج هو أن يسكن كل من الزوجين إلى صاحبه برباط المودة والرحمة والصبر والتضحية، لخوض غمار الحياة، في ثبات وكمال استقامة، وفي حسن تجاوب مع مقتضيات الاختبار الذي يفرضه الله على عباده. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. ما هو دور الزوج في الأسرة: الْقِوَامَةُ. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فالرجل يعمل لطلب الرزق بالحلال، يتوكل على الله باتخاذ الأسباب. وهو المؤمن الذي يسمع نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام.عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ] (البخاري:1471)
قد يتساءل أحدهم، فيقول: أَوَ لايجوز للزوجة أن تشتغل وتعين زوجها بالعمل، والجواب: نعم، ولكن تعينه للقيام بواجبه، لا للاشتغال بالوظيفة التي تجعلها تهمل بيته وألاده، وتقلقه اكثر مما تعينه، ويعيش متشنجا قلقا مضطربا. نعم، تشتغل وتعينه، كما كانت أسماء زوجة الزبير بن العوام رضي الله عنهما، إذا غاب زوجها عن دور، كانت حاضرة، وإن عجز عن واجب أسري قامت به، وإن لزم الجهاد خرجت للجهاد، وإن لزمها التربية، لزمت البيت وقامت بالتربية، ما أجمل الزوجة الذكية الواعية المثقفة التي تريح زوجها من عناء متابعة دراسة الأولاد، والسهر على شؤون البيت، ويتفرغ هو للعمل الوظيفي خارج البيت، والتفكير في شؤون الأمة والوطن، فهي التي تعينه في الاتصال بالمدرسة والثانوية، وإن اقتضت الحاجة فالتعامل مع الوثائق، والمستشفى، ومتابعة المستجدات، فتريحه من هَمِّ البيت، ليتفرغ لِهَمِّ المجتمع، هذا هو التكامل بين الزوجين.
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: {تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوكٍ، وَلاَ شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي المَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: «إِخْإِخْ» لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي} (البخاري. كتاب النكاح. باب الغيرة. 5224)

عن المحرر

شاهد أيضاً

فقـــــه الــموازنـــــات في أداء الأمانات، وإتمام الواجبات

أ. محمد مكركب/ الموازنة عملية تقييم وتقويم، كمن يخطط للميزانية، أو يراجع أبواب الميزانية، ليعلم …