مقالات

فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ في مدينـــة الأبيض سيدي الشيــــــخ2

الطيب بن ابراهيم/

البابا بيوس الحاي عشر يوافق على تأسيس إرسالية الأبيض
منذ مقتل المنصر والجاسوس الأب شارل دي فوكو بتامنراست بتاريخ 1 ديسمبر سنة 1916، اعتبر الرجل بطلا قوميا فرنسيا وشهيدا للوطن، يحتذى به في خدمة فرنسا والكنيسة، مجدته الأوساط الاستعمارية والكنسية، واستغلت الذكرى العاشرة لوفاته سنة 1926، ليتحرك أنصاره وتلامذته والمتعاطفون معه بدعم من الكنيسة، وأقيمت تظاهرات ومحاضرات وملتقيات للتعريف ببطل فرنسا، ورائد الصحراء الأب شارل دي فوكو، ووفاء له، واستكمالا لمشروعه التنصيري، وتجسيدا لأحلامه، تكتَّل المتحمسون والمتعاطفون لنهجه من رجال دين ومن مثقفين وطلبة، وقرروا إنشاء أول إرسالية تنصيرية تابعة لتلامذة «شارل دي فوكو»، تدين له بالوفاء، وتتابع خطاه في صحراء الجزائر، التي اختارها لعمله التنصيري، ليكملوا رسالته ويواصلوا نهجه بدعم من الكنيسة ،التي لم تكن لتتخلى على رجالاتها الأوفياء وأصحاب المشاريع التنصيرية الطموحة، الذين كرسوا حياتهم لخدمتها وليسوع، تحت مظلة الاحتلال الفرنسي وجنوده.
كان تجمع تلامذة شارل دي فوكو في البداية قد تم بمناسبة إحياء الذكرى العاشرة لوفاته، وكان مجرد تعبير عن الإعجاب بالرجل البطل الذي استشهد في أقصى صحراء شمال إفريقيا، في أرض الجزائر، وكرّس حياته للتضحية من أجل المسيح والكنيسة وفرنسا الاستعمارية، ثم بعد ذلك طرحت فكرة مواصلة رسالة دي فوكو التي لم تكتمل، وبدأت الفكرة تتبلور، لتتحول إلى مشروع، وهو إنشاء أول إرسالية تنصيرية تابعة لتلامذة شارل دي فوكو لتواصل رسالته.
من بين أشهر المثقفين الذين دعَّموا ذلك المشروع بقوة، أحد تلامذة شارل دي فوكو الأوفياء وأقربهم إليه، ومن كان قاب قوسين من أن يصبح خليفة له في صحراء الجزائر، انه المستشرق لويس ماسينيون، إلى جانب العشرات من الطلبة الشباب المتحمسين للاقتداء به، ومن بين هؤلاء الطلبة، كان هناك الشاب «روني فوايوم»، كان أكثرهم إعجابا وتحمسا بشارل دي فوكو وبتلميذه المستشرق ماسينيون، فتقرب من هذا الأخير ليستفيد من توجيهاته ونصائحه، وحافظ على علاقته معه طوال حياته، وكان أكثر زملائه الطلبة تحمسا لفكرة إنشاء إرسالية تنصيرية في صحراء الجزائر لمواصلة ما بدأه الأب شارل دي فوكو، ومواصلة مشروعه وتحقيق حلمه.


مع نهاية سنة 1926، طرح بشكل رسمي مشروع تأسيس أول إرسالية لتلامذة شارل دي فوكو، تحمل فكره وتسير على خطاه، وبعد اقتناع الجميع بالمشروع، بدأت التحضيرات والاستعدادات تسير على قدم وساق، منذ نهاية سنة 1926، بدا الطالب «روني فوايوم» يكثف من تكوينه عند الآباء البيض بالجزائر، وفي تونس، وزاد احتكاكه بلويس ماسينيون، وبعد خمس سنوات من التحضير والاستعداد، وفي بداية شهر سبتمبر سنة 1931 راسل روني فوايوم الفاتيكان لمقابلة البابا واطلاعه على مشروع تأسيس أول إرسالية لـ«تلامذة شارل دي فوكو» ،بصحراء الجزائر، وبعد يومين، ردَّ عليه الأسقف أربيني Herbigny المقيم بالفاتيكان، في رسالة بتاريخ 9 سبتمبر سنة 1931، يخبره أن رسالته قد وصلت، وان طلبه سيلبى لاحقا، والأسقف أربيني هذا هو من توسط وساعد على ترتيب مقابلة البابا مع روني وزميله شامبونوا Champenois، بصفة مستعجلة.
كانت الكنيسة، وهي الجهة الرسمية المخول لها السماح بتأسيس الإرسالية، على علم بكل نشاطات أتباع دي فوكو من أصدقاء وطلبة ومثقفين، وكانت تتابع كل تحركاتهم، وتقدم لهم كل الدعم المادي والمعنوي، خاصة بعد تبلور ونضج فكرة إنشاء أول إرسالية لتلامذة شارل دي فوكو بالصحراء الجزائرية، تعمل على إكمال ما بدأه «الزعيم».
استغلت مناسبة إحياء الذكرى العاشرة لوفاة شارل دي فوكو في شهر ديسمبر سنة 1926، كمناسبة لوضع مشروع دي فوكو على الطاولة، حيث اجتمع المعجبون به، وحُرِّكت فكرة مواصلة عمله وإحياء مشروعه، وكان ذلك النشاط والتحرك في عهد البابا الإيطالي بيوس الحادي عشر، الذي أصبح على رأس سلطة الفاتيكان منذ سنة 1922 ،واستمرت رئاسته إلى غاية سنة 1939، وكان هذا البابا معجبا هو الآخر بالأب دي فوكو وبتضحياته، فقدم للجميع كل التشجيع والرعاية، بل في عهد البابا بيوس الحادي عشر أعيد الاعتبار للأب شارل دي فوكو، وولد من جديد كزعيم كبير، فزيادة على احتفالات إحياء الذكرى العاشرة لوفاته، التي كانت حدثا وطنيا فرنسيا، تم تأسيس أول إرسالية لتلامذة دي فوكو سنة 1933، كما تم إنجاز أول فيلم حول شخصية الأب شارل دي فوكو في الجزائر بمناسبة الذكرى العشرين لوفاته سنة 1936.
لم يطل الانتظار ،وبعد توسط أسقف الفاتيكان «أربيني Herbigny»، تم استقبال البابا للشابين المتحمسين «روني فوايوم وغي شونبونوا»، في نهاية شهر سبتمبر سنة 1931، حيث قدم «الشابان» للبابا بيوس الحادي عشر ملف مشروعهما حول تأسيس أول إرسالية في صحراء الجزائر على خطى الأب شارل دي فوكو، تابعة لمجموعة من تلامذته، ليصبح الشابان فيما بعد، من الخمسة المؤسسين للإرسالية.
كان لقاء روني فوايوم مع البابا بيوس الحادي عشر، يعد حدثا تاريخيا، وتشريفا لا ينسى، فهو أول لقاء له في حياته تم مع البابا. يقول فوايوم عن هذا اللقاء، أنه كان يقف في مكان غير بعيد عن البابا، الذي تكلم مع الجميع باللغة الفرنسية أكثر من ساعة، وأن هذا اللقاء كان مهما جدا بالنسبة لمستقبل علاقته مع الكنيسة.
بدون انتظار، ومباشرة بعد الموافقة والدعم من طرف البابا، وعلى جناح السرعة وبعد أيام معدودات قام روني فوايوم بزيارة خاطفة لصحراء الجزائر في شهر أكتوبر سنة 1931، للبحث عن المكان المناسب لإقامة إرساليته الواعدة ،زار خلال هذه الرحلة القصيرة التي دامت ثلاثة أيام، زار عدة مدن وقرى وقصور بعضها قريب من مدينة الأبيض سيد الشيخ دون زيارة هذه الأخيرة.
مما ميز مشروع تلامذة «شارل دي فوكو» عن مشروع شيخهم، فهذا الأخير بدا نشاطه التنصيري عفويا وكان جهدا فرديا، حتى وان كانت تدعمه الدوائر الاستعمارية، غير أن مشروع تلامذته كان منظما ومخططا ومحضرا، وكانت له مؤسسة رسمية «الإرسالية»، التي تقف وراءها الجهات الرسمية الدينية والإدارية المدنية والعسكرية، بالإضافة لنخبة من المثقفين والمفكرين الكبار وعلى رأسهم المستشرق لويس ماسينيون، والمستشرق لويس غاردي، لذا كانت إرسالية «الأبيض» إرسالية نموذجية ،وذات تجربة مميزة، راهن الجميع على غزوها الديني للصحراء الجزائرية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com