ليتفكروا

مبدأ تكامل الغيب والشهادة

د. بدران بن الحسن */

ذكرنا في مقالاتنا السابقة التحدي الذي يفرضه علينا النموذج المعرفي الغربي، بحكم انتشاره وشهرته، وبفعل هيمنة الحضارة الغربية على العالم اليوم، بالرغم مما يعتريها من اختلالات بنيوية في أسس المنهجية التي تقوم عليها، كما تعاني من اختلال أخلاقي كبير يكاد يعصف بالحضارة الإنسانية.
وهذا لا يجعلنا نحن البديل الجاهز، ولا يجعلنا الطبيب المعالج لأمراض الحضارة المعاصرة واختلالاتها وإخفاقاتها، لأننا نحن أيضا نعاني من اختلال مزدوج؛ أحدهما اختلال التبعية للنموذج الغربي انبهارا وتقليدا وخضوعا، والثاني اختلال عدم انتباهنا إلى مرجعيتنا القرآنية التي هي العلاج لنا ولغيرنا.
وإذا أردنا أن نعالج هذه الاختلالات المتراكبة سواء التي فينا أم التي فرضها النموذج الغربي، فإن علينا استعادة وضوح ونسقية وفعالية المنهجية الإسلامية التي هي وحدها من أنجز حضارتنا الإسلامية في «عالميتها الأولى» ومؤهلة لتفتح لنا طريق «العالمية الثانية»، فنعالج بها أمراضنا وأمراض العالم، وننقذ أنفسنا والإنسانية من هذا الارتكاس في المادية التي طغت على كل شيء، وهدمت بنيان إنسانية الإنسان، وامتهنت كرامته، وأضاعته في متاهات التكالب على المادية والاستهلاك والترفيه واللذة، مقطوعا عن السماء، خاويا من الروح، فقيرا في القيم، مضطربا في وجهته.
وهذا ما جعل مالك بن نبي في كتابه «دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين» يدعو المسلم إلى الارتفاع إلى مستوى ما تحقق في الحضارة المعاصرة من إنجاز تقني وتنظيمي، ولكن أيضا الارتفاع إلى مستوى رسالته الإسلامية، التي هي وحدها ترفع بصره إلى ما يتجاوز كهف المادية والحياة الاستهلاكية، ليكون نموذجا قابلا لأن يقتدى به، ويبلغ سعة الحياة التي يوجه إليها الإسلام بحيث تشمل عالم الغيب وعالم الشهادة في تكامل؛ ليس فيه تفاضل ولا إنكار.
وهذا التكامل بين الغيب والشهادة، الذي تؤسسه الرؤية التوحيدية التي جاء بها الإسلام بعدٌ مهم ٌجدا من أبعاد المنهجية الإسلامية، وكنا قد أشرنا له في مقالنا عن «سعة الوجود ومحدودية الوجدان». وهو تكامل يفتح أفق الإنسان إلى أبعد من الجانب المادي والطبيعي إلى أبعاد أخرى، لا يستقيم وعي الإنسان دون الوعي بها، ولا تستقيم حياته دون وضعها في الاعتبار، ولا تستقر له قيم دون شمول حياته ببعديها الغيبي والشهودي؛ وهذا يعطيه تصورا واضحا للوجود يستبعد الاختزال والتناقض.
إن هذا الوجود المتكامل بين الغيب والشهادة يوفر لنا الإسلام معطياته، ويوجه العقل إلى إدراكه. وإذا كان الإنسان يصل إلى إدراك عالم الشهادة بعقله وحواسه على سبيل التفصيل، فإنه يدرك عالم الغيب في كليته بعقله، ولا يدرك تفاصيله إلا بالنظر في المعطيات التي تأتي بها النبوة، ذلك أن قوانا الإدراكية حسا وتجريدا وإدراكا تفصيليا تشتغل في عالم الشهادة، أما عالم الغيب فإنه يتجاوز حدود العقل في الإدراك الجزئي فلا يدرك إلا كلياته، ويغيب عن الحس لتعاليه عن الحس فلا يدرك إلا مؤشراته الظاهرية الحسية. ولكن الوحي الذي يأتي به الأنبياء -كما يذكر لنا القرآن الكريم- يقيم الدلائل الفطرية والعقلية والحسية على صدق ما أخبر به الأنبياء، وعلى حقيقة عالم الغيب، الذي لا يكتمل الوجود إلا به، وبهذا فإن عالم الغيب وعالم الشهادة صفحتان من عالم الوجود تتكاملان، يفسر أحدهما الآخر، ويمنحه المعنى.
وتكمن أهمية تكامل الغيب والشهادة في أن هذا التكامل مبدأ تقوم عليه منهجية التفكير والنظر التي يؤسسها الإسلام، ووضوح هذا المفهوم وأبعاده في العقل والمنهج المسلم، له أهمية قصوى إذا أردنا فهم طبيعة الفكر الإسلامي ومنهجيته، وفهم معنى الحياة الإسلامية، والوجود الإنساني، والعلاقات والغايات الإنسانية، التي يسعى الإسلام والوجود والإصلاح الإسلامي إلى تحقيقها. بل هو المفهوم الذي يحدّد معنى الحياة والوجود، وغاية الحياة والوجود، وعلاقة ذلك بما وراء الحياة، وما وراء الوجود، وما وراء المادّة. وهو الإطار الأشمل الذي يحدّد معنى الوجود الإنساني ومعنى العقل الإنساني ودوره في الحياة الإنسانية، وحدود هذا الدور ومجالاته. ويمثِّل إطار الإجابة الإسلامية عن السؤال الأشمل عن أصل الحياة والوجود وغايتهما ويحدّد بذلك معنى العلاقات الأساسية لهما (أبو سليمان، 122).
وباستحضار هذا التكامل بين الغيب والشهادة باعتباره بعدا مهما من أبعاد المنهجية الإسلامية في التفكير والنظر والعمل نستطيع أن نتحمل مسؤوليتنا الحضارية في تحقيق الاستخلاف في الأرض وتحقيق الصلاح والإصلاح، لأن كثيراً من معاناة الحضارة المعاصرة وأمراضها الاجتماعية، خاصّة في محيط الصحّة النفسية للفرد والأسرة التي يعاني منها الإنسان اليوم، إنّما ترجع إلى هيمنة الغرب على صياغة فهمنا للوجود وما ترتب عليه من علوم واجتماع ونظم ومنجزات علمية وتقنية، حيث تفقد الحضارة الإنسانية يوما بعد يوم المزيد من القيم والمفاهيم والتقاليد التي حفظت إنسانية الإنسان. ونرى أثر ذلك اليوم واضحاً في محيط الحياة الاجتماعية والأسرية المتهدِّمة المتفجّرة، كما نراه في انعدام الالتزام الأخلاقي في ميدان العلم والتقنية والسياسة بما أصبح واضحاً لكل ذي عينين أنّه أمر يهدّد الإنسانية قاطبة (أبو سليمان، 120-119)، لأنها تعيش ذلك التشظي الوجودي، الذي ترتب عنه تشظ معرفي بين الغيب والشهادة، وبين العلم والدين في المخيال العلمي الحديث والمعاصر، وبدوره يقود الحضارة الإنسانية إلى الاهتلاك والتدمير.
*مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية/ جامعة قطر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com