على بصيرة

تجفيف الذاكرة والمنابع واغتيال العقول والمراجع

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

ذلك هو واقع صراعنا المرير، مع الاستعمار الإستئصالي الفرنسي الخطير الذي ما فتئ، منذ أن وطئت أقدامه الخبيثة أرضنا، ما فتئ، يعيث فسادا فيها، فأهلك الحرث والنسل، وزرع القتل والختل، والسحل، ما يذر من شيء أتى عليه، إلا جعله كالرميم.
فقد جاءنا الاستعمار بالجندي القتّال، والناسك المحتال، وجاءنا بالمعلم الذي يشوه العقول والمستوطن الذي يستولي على الحقول.

تلون الاستعمار في بلادنا، بأزياء شتى، فهو في زي المعلم الذي يدس لنا السم في الدسم، وفي شكل الراهب الذي يقدم لأطفالنا الطيب في كأس الحليب، والفلاح الذي يقتلع القمح من أرضنا، ويزرع الكروم والعنب ليذهب عقولنا..
وبكلمة واحدة، حمل الاستعمار إلى بلادنا مخطط الهدم والردم لبوادينا وقرانا، فحوّل النهر العذب عن مجراه، والمسجد عن مقصده ومبتغاه، كما أفرغ المواطن المسلم من شحنته، والشاب الجزائري من سحنته، فعمد من أجل ذلك إلى تجفيف الذاكرة والمنابع، بالقضاء على العقول، وإحراق المراجع.
في هذا السياق، إذن- يجب أن نضع الحرب الفكرية الدائرة اليوم، حرب الذاكرة، وما تحمله من آثار غائرة وعابرة.
إننا نحصد اليوم، ما زرعه الاستعمار فينا، من سياسة استئصالية، ومن ثقافة استعلائية انتقائية، ومن طبقية انسلابية تعمق ما زرعه أسيادهم فينا.
لقد كتب علينا، نحن الجيل المخضرم، الذين اكتوينا بنار الاستعمار، أن نعاني ويلاته، وأن نضيء بعض الشموع في غياهب ظلماته.
قال لي زميل معلم، هو الشيخ محمد صالحي رحمه الله، الذي علم معي بمدرسة السنّية، بحي بئر مراد رايس قال لي عندما اعتقله الاستعمار، سأله المحقق ما هو اسمك؟ قال: قلت له أسمي صالحي، فرد عليه المحقق بأن اسمك SALAUD، أي القذر، وكل معلم للعربية، هو مثلك SALAUD «صالو» وعندما اعتُقلنا، في عام 1957، بعد الإضراب الأسبوعي الشهير، أنا، والشيخ خالد قويدري، والشيخ عثمان بوزفاق، والشيخ الهاشمي صغور، رحمهم الله، ذهب المظليون بنا من مدرسة الهداية بالقبة، إلى بلدية القبة الحالية، التي كانت آنذاك مركزا للجيش الفرنسي فبدأو في تعذيبنا، أشد تعذيب، وبينما هم يزاولون تعذيبهم الوحشي، وصل ضابطهم السّيئ الطالع، فسألهم: من هؤلاء؟ قال أحد معذبينا، إنهم «قادة القادة» فسال لعاب الضابط وقال كيف ذلك؟ قالوا له؟ إنهم يعلمون العربية، وكلهم شبان، وينحدرون جميعا من عمالة قسنطينة، فيكفي آنذاك أن تكون معلما للعربية، لتصبح قائد القادة أو قذرا، والأمثلة على ذلك كثيرة.
لقد عمد الاستعمار إلى إعدام نخبة من مثقفي العربية، من شيوخ جمعية العلماء مثل الشيوخ احمد رضا حوحو، والعربي التبسي، والأمين العمودي، واحمد بوشمال، ومحمد العدوي، والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون، وعبد الملك فضلاء، وغيرهم.. من حملة الثقافة العربية الإسلامية..
فهم الاستعمار الفرنسي، الحامل لمشروع المسخ والنسخ للحضارة، فهم أبعاد الذاكرة الوطنية ودورها في تحصين الذات، ضد السقوط والذوبان، فعمل على تجفيف ينابيعها، والقضاء على كل أثر من آثار زارعيها.
واليوم، إذ تعود إلى الساحة، معركة الذاكرة، فقد أعد الاستعمار لخوضها، كل ما يملك، من مناهج، ورجال، وأعمال.
فما يقوم به الممثل الفرنسي لمعركة الذاكرة «بن جامان استورا» ليس بوصفه فردا، أيا كانت قيمته الثقافية، ورسوخ قدمه في التاريخ، بل إن خلفه مؤسسة، مزودة بكل وسائل البحث والتنقيب، ومعزّر بكل الأدوات والتوثيق.
فماذا أعددنا –نحن بالمقابل- لمواجهته؟ أين المؤسسة القائمة على ذوي الاختصاص من المؤرخين، والباحثين، والعلماء، الذين يعملون على إحياء الذاكرة عندنا بالتدقيق والتوثيق والتعميق؟ إننا نخشى أن ينطبق علينا قول الشاعر العربي:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له:
إياك- إياك، أن تبتل بالماء!
إن احتدام المعركة اليوم حول الذاكرة، يجب أن ينزل على الواقع السياسي بمختلف أبعاده، فالمعركة لا تدور في المحافل الفرنسية كما قد يتوهم البعض، كما أنه لا تكون في قاعة الحوار بين بن جامان استورا، والأستاذ شيخي، وإنما نجد مكانها الحقيقي هنا في الجزائر، وتتجلى على الخصوص في المعالم التالية:
-تحصين الذات الوطنية، وتخليصها من قابلية الاستعمار السياسي، والثقافي، والاقتصادي، وذلك بعودة هذه الذات إلى ذاكرتها الحقيقية.
فليس من الذات الأصلية، التمكين للسياسة الاستعمارية عندنا، في جميع الدواليب كما أنه ليس من الحصانة الوطنية، التمكين للثقافة الفرنسية، في دواليب إدارتنا، وعلى واجهات محلاتنا، وفي السنة أبنائنا وبناتنا، ورجالنا ونسائنا.
وعلى الصعيـــــــــــــــــــد الاقتصادي، ليس من الأنفة، ولا من الوفاء للذاكرة الوطنية الترويج لاقتصاد من يسب عقيدتنا، ويسخر من ديننا، ويضطهد مواطنينا، فسلاح المقاطعة هو أول إحياء لذاكرتنا.
نريد كذلك من القائمين على الشأن الوطني عندنا أن يولوا قضية الذاكرة عندنا عناية أكثر جدية، وابعد عمقا، نريدهم أن يسندوا أمر إحيائها إلى مؤسسة مؤلفة من ذوي الاختصاص الذين حباهم الله بسطة في العلم، والتاريخ والوطنية، ليضعوا ملف الذاكرة على طاولة الحوار الجاد، حتى تكون عاكسة لأصالتنا، واستقلاليتنا، واثبات وجودنا الحضاري الصحيح.
ويخطئ من يعتقد، بأن قضية «الذاكرة» تكمن فقط، في تقديم الاعتذار الفرنسي عن الجرائم المرتكبة، فإن هذه إن هي إلا مقدمة لاستعادة الجماجم، والمصادر والمراجع المهربة، قبل التعويض عما ارتكبه الاستعمار الفرنسي من مجازر ومآسي في حق مواطنينا، فلا يوجد بيت جزائري واحد خلا من النهب أو القتل أو الهدم، أو الردم.
وحتى هذا التعويض الذي من الطبيعي أن يحصل، فلن يستطيع أن يعوض الشرف المداس، وكل أنواع المساس التي لحقت بأعراض بعض الشريفات العفيفات، انتقاما من الشرف الوطني.
يجب أن يبدأ موضوع استعادة الذاكرة الوطنية وإحياؤها، بإخصاب هذه الذاكرة وجداول منابعها، كي تزهر من جديد، وتثمر، وسط جزائر عربية إسلامية، مزدهرة بثقافتها معتزة بعقيدتها، وموحدة في إقليمها ومستقلة في سيادتها.
إن ذلك هو الخلاص الحقيقي، من عقدة الإنسلاب الثقافي، والإتباع السياسي، والخضوع الاقتصادي.. ويومها يفرح الجزائريون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو القوي العزيز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com