مقاربات

فـــي مؤتمــــــر دولــــي بجــــامــعــــة عــالــيــــة فـــي الـهنــد: التسامــــح تِيمــــة استقــــرار الـمجتمـــع

د/ عاشور توامة/

كان هذا عنوان المؤتمر الافتراضي الذي نظمه قسم العربية، وقسم الإلهيات بجامعة عالية (كلكتا) بدولة الهند؛ ورعاية السيد مدير المؤتمر الدكتور شميم أختر القاسمي رئيس قسم الإلهيات الإسلامية بجامعة عالية، ونائب رئيس الجامعة الدكتور محمد علي، وإشراف الدكتور مير رضاء الكريم عميد كلية العلوم الإنسانية والدراسات اللغوية، وضيف شرف المؤتمر السيد نور السلام المسجل بجامعة عالية، وذلك خلال يومي 19و20 يناير 2021م حيث عُقدت أربع منصات علمية افتراضية (عن بعد)، إذ قُدمت أكثر من 25 ورقة بحثية من قِبل أساتذة جامعيين من الهند وبعض الدول الأجنبية، وقدّم الباحثون أوراقهم العلمية بأربع لغات هي الإنجليزية والبنغالية والأردية إلى جانب اللغة العربية في الجلسة الرابعة والأخيرة، وقد تولّى مهمة إدارة هذه الجلسات كل من الدكتور صابر نواس مدير أكاديمية التميز بالهند، والذي يُعزى له الفضل في إعداد الكثير من المؤتمرات العلمية والدكتور سعيد الرحمن رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عالية بالهند، والذي بذل قصارى جهده في الإشراف كذلك على العديد من الندوات وإدارة الجلسات بكل اقتدار في الهند وغيرها من الدول، حيث استهل الدكتور سعيد الرحمن كلمته في هذا اللقاء بالثناء على نجاح المؤتمر والترحيب بالمؤتمرين، وأشاد بدولته تاريخيا وأنها مهد التسامح وأرض التعدد الديني والانفتاح الثقافي المتنوع، وأنها رغم تعدد الديانات بها إلا أن الهند كان يعيش في أمن وأمان ونشر الحبّ والخير والسلام، كما حثّ على أن إقامة مثل هذه المؤتمرات الفكرية ضروري لمحارب العنف والتطرف، وأن العربية في الهند لغة محترمة وأداة البحث عن منافذ الحبّ والتسامح والخير والسلام.
كما قدّم الباحث العراقي الدكتور أحمد علي الفلاحي أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة الفلوجة ورقة بحثية من خلال محاضرته الموسومة: <>الإسلام منهج حياة ووسطية واعتدال>>، حيث ضرب العديد من الشواهد في الأحاديث النبوية عن الإسلام كمنهج حياة واعتدال، وأنه منهج قبول الآخر واحترام الحقوق والنظام، كما تطرق إلى بعض الجوانب الإنسانية والتربوية والمعاملاتية التي كانت سببا قويا في انتشار الإسلام وانتصاره في الفتوحات.
كما قدّمت الباحثة الجزائرية الدكتورة نفيسة دويدة أستاذة بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة بالجزائر ورقة بحثية عنوانها: <>دور الوسطية في مواجهة التطرف الديني والاسلاموفوبيا>> حيث حددت إشكالية بحثها في مقاربة تفسيرية لظاهرة التطرف وارتباطها بالإسلاموفوبيا، وكيف أن الفكر الوسطي يؤدي دورا مهما في معالجة مثل هذه الظواهر، حيث قسمت ورقتها البحثية إلى ثلاثة عوامل أساسية هي المدخل المفاهيمي الذي يُعرّف التطرف والإسلاموفوبيا والوسطية في الإسلام، ثم تناولت الباحثة كيفية وصول الإسلاموفوبيا إلى الدول العربية والإسلامية، وأنهت مداخلتها بدور الوسطية في مواجهة هذه الظاهرة.
وقد قدّم الباحث الجزائري الدكتور عاشور توامة أستاذ النقد المعاصر بالمدرسة العليا للأساتذة الفريق أحمد قايد صالح ببوسعادة ورقة بحثية بعنوان: <>الأدوار الإصلاحية في ترسيخ قيم التسامح ونبذ إكراهات العنف>> من أهم ما جاء فيها:« تُشكّل الأدوار الإصلاحية للمجتمعات أهدافا استراتيجية هامة في مواجهة ظاهرة العنف والغلو والتطرف انطلاقا من استشعار مسؤولية الكلمة وأمانتها، ذلك أن المواطن الحقيقي المثقف مسؤول إزاء ما يُنتج لنفسه ومجتمعه، ومن جملة مسؤولياته ذلك الدور الطلائعي المنوط به في نشر ثقافة الحبّ والتسامح والأمان بين الناس، والعمل على التغيير الإيجابي في حياة الأفراد والمجتمعات، وإعداد أفراد المجتمع لمواجهة التحديات المُعاصرة والمُستقبلية، وإسهام الأدب–مثلا- في مواجهة العنف ليس بدعاً، فتاريخ الآداب هو تاريخ البحث عن القيم الإنسانية النبيلة ومنافذ الحرية والأمن والتعايش السلمي، وهو تاريخ التصدي للعنف بكل أشكاله المختلفة ومظاهره.


وقد بات من الضروري تأصيل دور التسامح باعتباره الأكثر نجاعة في تربية نفوسنا وتهذيبها، وحملها على التخلص من نزعة العنف والتطرف قولا وسلوكا، والأدب بصورة عامة كفيل بتهذّيب الطبيعة البشرية التي هي في الأصل أقرب للحيوانية، ومن أنبل قيم التسامح ثقافة الاعتذار بين الإنسان وأخيه الإنسان، وحتى لهذا الحيوان الذي ميّزنا الله عنه بنعمة العقل التي تحوّلت في عصرنا الراهن إلى نقمة، حيث إن الإنسان صار أكثر انحطاطاً من معظم الحيوانات«.
كما قسّم الباحث د.عاشور توامة ورقته البحثية إلى أربعة مباحث جد مهمة ألا وهي: التسامح سمة الحضارة العربية الإسلامية، والتسامح في الفكر الغربي الحديث، والتسامح في الفكر العربي المعاصر، فضلا عن دور الأدب في ترسيخ التسامح ونبذ العنف، والأثر الديني على أدب التسامح في الفكر المعاصر وأثر التسامح في الأدب والمجتمع عموما.
أما الدكتورة العراقية زينب نوري هاشم المدرسة بكلية الفنون الجميلة بالبصرة فقد كانت مداخلتها بعنوان: <>الأديان وثقافة التعايش السلمي>>، حيث نوّهت بدور الأديان ونشر ثقافة التعايش في عالم تشتد فيه الصراعات وتفتعل فيه الأزمات، وأن التسامح سبيل إلى هذا التعايش، كما سلّطت الضوء عن بعض صور التسامح في الأديان السماوية، وأن الرسالة المحمدية نموذج لحوار الحضارات، كما تطرقت إلى وصايا الإمام علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- في نهج البلاغة، واحترام الحقوق وقبول الآخر وشروط الحاكم العادل من خلال كتابه لمالك الأشتر النخعي لما ولاّه على مصر، وتناولت بعض مظاهر العنف والتعصب في العالم العربي والإسلامي، وكيفية امتطاء صهوة التطرف الديني في التفرقة وإحداث الفتن ورفض قبول الآخر، والاستعانة بالتدخل الخارجي لتدمير النسيج المجتمعي واستلاب خيرات واقتصاد الدول.
أما الدكتور فؤاد لغزيزر من المغرب رئيس منتدى العلاقات المغربية الأسيوية بفأس، فقد تطرق في موضوعه الموسوم: <>صور وظواهر التعايش السلمي في الإسلام>> عن تجربة خاصة خاضها في تايلاند في بحثه عن مظاهر الحوار والتعايش السلمي جنوب شرق أسيا؛ وبخاصة بين المسلمين والبوذيين في ثلاث ولايات مسلمة جنوب تايلاند، حيث عاين حرية المعتقد واحترام العادات والتقاليد وحسن الجوار وإجابة الدعوة ورحمة الإسلام بغير المسلمين، وتبادل الزيارات والمساعدات بين المسلمين والبوذيين وفض الخلافات، ودعم الحكومة التيلاندية للتعليم الإسلامي وتعزيز التعدد الثقافي، وتبادل المنافع وتذويب الخلافات وإحياء المناسبات الإسلامية كالاحتفاء بالمولد النبوي، وترجمة معاني القرآن بالتيلاندية وتعزيز روح الوسطية في المعاملات العامة.
أما الأديبة والمبدعة الجزائرية الأستاذة عائشة بنور فقد كان لها حضور متميز في تدخلها خلال ختام الجلسة العلمية، حيث أثرت المؤتمر برؤية قيّمة حول الأدب وإرسائه لقيم التسامح والمحبة بين أبناء الوطن الواحد هل قصر في ذلك أم لا؟
حيث ارتأت : «أنه نتج عن الفكر الشمولي المتطرف بفعل التحولات العالمية المختلفة، التي انعكست على منطقة الدول العربية خاصة أدى إلى زعزعة الاستقرار الأمني والنفسي لدى الأفراد والمجتمعات ومؤسسات هذه الدول.
والفرد ليس بمنأى عن هذه التوترات والتغيرات فهو يعيش حالة من الاغتراب الروحي، والهروب من واقعه المؤلم محاولا البحث عن منافذ الحبّ والأمان التي تثير وجدانه وعواطفه دون ملل أو ضيق، وبالتالي يُلبي رغباته النفسية والفكرية عن طريق البحث عن مُتعة التخيّل، والصدق في الطرح من خلال كتابته الأدبية والتفاعل مع ما يكتب ويُثار من قضايا الراهن، وبالتالي استطاع الأدب إرساء قيم إنسانية نبيلة تنبذ العنف أفرغت من الحياة العامة وبعثها من جديد في كتابات إبداعية، محاولة قدر المستطاع تمرير خطاب التسامح، نظرا لمتغيرات الواقع السوسيولوجي، حيث لم تعد هذه الكتابات منغلقة على الذات بل أصبحت تصبُّ في روافد الحضارة الإنسانية وتمدُّ جسور التواصل والتعاون بين مختلف الثقافات، وترسم معالم وقيم اجتماعية وإنسانية من منطلق الخصوصية المجتمعية، وعلى الأدب أن يرسخ قيّم التسامح وقبول الآخر وتكسير مفهوم فوبيا الآخر نظرا لما يواجهه العالم الآن»، تضيف الأديبة عائشة بنور– كذلك: «علينا أن نواجه مخاوفنا بتسويق موروثنا الثقافي المحلي لمجابهة هذا التطرف الذي أصبح يدمر المجتمعات بصفة عامة».
وخلص المؤتمر إلى نتائج جد مهمة كان قد تناول الدكتور سعيد الرحمن بعضا منها؛ لعل أهمها أن الإسلام دين عالمي كوني في نشر تعاليمه ومبادئه، وأنه دين يحترم الأديان الأخرى، ويحث على الأخوة والتسامح، وأن المسلم يتّبع ما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبوية في معاملاته مع غير المسلمين، وفي الأخير قدّم الأستاذ عبيد الرحمن الباحث بقسم اللغة العربية بجامعة عالية كلمة شكر للباحثين المشاركين في المؤتمر على أمل تجديد اللقاء في مؤتمر علمي آخر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com